الديوان أشرفت على ترتيبه وتنسيقه والتعليق على قصائده الأستاذة الكريمة سلمى عبيد ابنة الشاعر المرحوم سلامة علي عبيد
مقدمة الديوان بقلم الراحل الأديب الكبير مارون عبود
الديوان عنوانه (لهيب وطيب)، وهو كذلك، فلو لم يحترق سلامة عبيد في جحيم الآلام لما خرج من رأسه هذا الشعر العربي الفصيح الذي لم تفسده رطانة وميوعة هذه الحقبة.
قلنا إنه تألم والألم معصرة القلوب والعقول، عفواً فلنقل انبيق لأن الطيب يستقطر استقطارا على اللهيب، وأي لهيب أحرّ من لهيب النبك في صحراء نجد التي عرفها سلامة طفلاً مشرداً مع أبيه والعائلة بعدما وضعت الثورة السورية أوزارها.
ومن العنوان ننتقل إلى "حنين" ليظل لحديثنا سياقه، فسلامة يحن إلى الشقاء إذا فقده، ومعه حق، لأن الشقاء محك الأدمغة التي يكمن فيها الشرر، ولو جاز لي أن أنقل القصيدة برمتها لنقلتها، ولكني أخاف من غيرة أخواتها، وأن يعلق الشر بينها وبينهن، وأنا كدت أصير شيخاً ولا قبل لي بإرضاء العذارى، سنكتفي بشيء منها ثم نعود إلى غيرها.
موضوع القصيدة حياة سلامة المنبثقة من صميم قلب الشقاء، وسلامة كما قال ابن المعتز، وأرحم القبح فأهواه، ولذلك يحن إلى بلاياه في النبك فيقول:
| رُيـى النبك! هـل تذكرين الخيا | م لـــديك مبعــثرةً جاثيــة؟! |
| تحــــاول شمســـك إحراقهـــا | وتصـــفعها ريحــك الســافيةْ |
| وقومــــاً عرينُهُـــمُ شـــامخٌ | *رهيبـــ، بســمرته القاســيةْ |
| أبَــوْا أن يـرِوْهُ لغيـر العلـى | وأن يســـتبدّ بـــه الطاغيــةْ |
| فخلـــوهُ مخضوضـــبَ الجــانبي | ن وأحشــــاء روّاده داميــــةْ |
| أتَــوْك و يــا حبــذا واحــةٌ | مــن القيــد أو ظِلّــهِ عاريـةْ |
| وطفلاً ســـــباه جلالُ القفــــا | ر وأفياؤهـا فـي المسـا ضافيةْ |
| صــــغيراً، بلا مئزرٍ أشــــعثاً | يــروح ويغــدو مـع الماشـيةْ |
ويقتضينا السياق الفكري أن ننتقل من النبك إلى "ابو رمانه" التي كانت حافله بأرداء الشجر فيصفها وصف قصاص ماهر ولا يتخلى عن خياله الشعري حيث يتحدث إلى بنته واصفاً الصبير بلسانها فيقول:
| فهـــل هــذي القصــور الــبي | ضُ يـــــا ربــــيّ أســــاطيرُ |
أما كنا هنا أمسِ، =وكانت ملعبا قفرا#
وغاباتٍ من الصبّا=ر يُبدي شوكُها الشّرا#
يخاف النهر مرآها =فيلوي خائفاً يجري#
ثم يجيب تلك البنية عما حدا بها إلى التساؤل فيقول لها:
| ذكـــرتِ الأمـــس يــا بِنْــتي | فمـــاذا كـــان فـــي أمـــسِ |
| أمـــا عضـــك نـــاب الجـــو | ع والحرمــــــان واليـــــأسِ |
| فبعنـــا مـــا تبقّـــى مــن | طيـــــور القــــن للجــــارِ |
| ومســــحّتُ الــــدموعّ الحـــم | ر فـــي عينيـــك يــا بِنْــتي |
| لأنـــاّ لـــم نعـــد نلقـــى | لنـــا فـــي بيتنـــا حبَّـــا |
أما أدمت سياطُ الري=ح وردَ الخد، والبردُ#
| وعـــاد المعطـــف البـــالي | علـــــى جنبيـــــك ينقــــدُّ |
فأشعلنا لك الموق=د من كرّاس أشعاري#
وفي هذه القصيدة التي تعصر القلب يصف ذهابه وبنته إلى الفرن فيلقاهم الخباز بوجهه الصفيق ويتبعونه أذلاء:
وللشرطي ارعاد= وللحوذي تجديف#
ثم ينتهي إلى إجابة بنته عن القصور الشاهقة التي سألته عنها وقد حلت محل الصبار فتبلغ التجربة كما يعبر شعراء اليوم حدّها الأعلى فيهتف في الختام:
| نعـــم هــذي القصــور الــبي | ض مــــن أكبادنــــا تبنـــى |
| فلـــن نبقـــى كمـــا كنــا | عبيــــد الــــذل والجــــوع |
إن وصف الجوع في هذه الصراحة لم تقرأ له مثيل إلاّ في العصر العباسي، وهذا نموذج من ذلك الطراز الفريد وهو لأبي الشمقمق الذي قال يصف أولاده في العيد:
| وقــد دنــا الفطـر وصـبياننا | ليســـوا بـــذي تمــرٍ ولا أرز |
| وذاك أن الــــدهر عــــاداهم | عــــداوة الشـــاهين للـــوزّ |
| كـانت لهـم عنــز فـأودى بهـا | وأجــدبوا مــن لبــن العنــز |
| فلــو رأوا خــبزاً علـى شـاهق | لأســـرعوا للخـــبز بـــالجمز |
لكأني بالأستاذ عبيد قد جعل من حياته ملحمة من حيث لا يدري، وهو مع كل ما قاسى من شقاء ظلّ شامخ الرأس كالسنديانة التي لم تطأطئ رأسها للعاصفة، وحسبك من قوله في قصيدة (غدا) الجبارة الحافلة بالرجاء والطموح فيقول:
غدا.. في غد تهدأ العاصفةْ=وتبسم جناتنا الوارفةْ
| ويطــوى الحديــد علــى نفسـه | وينتحــر الســوط مــن يأســه |
وهو في هذه القصيدة الصغيرة يتخفف من القافية المقيدة الطويلة النفس، ولكنه يظل متأبطاً ذراع الخليل وكـأنه من المؤمنين بقول أندريه جيد: يعيش الفن في القيود ويموت إذا أطلقت حريته.
وشاعرنا موضوعاته متعددة وهو حماسي في وصف بلواه، وله تعابير خاصة، وكم كنتُ أرتاح حين كنت أقرأ وظيفته في الدراسة والنقد حين كان عندي في المدرسة.
إن موضوعات هذا الديوان متنوعة وهي مرتبطة بشخصية الشاعر أشد الارتباط وعاطفته العربية متقدة مشبوبة. فقد نشأ في كنف والد مجاهد أبي، وفي ظل أستاذ، ولا فخر، كان للعروبة يوم لم يكن لها أحد إلاّ بعض شعراء مهجريين، وقيدوم هذه الحملة كان الشاعر الملهم رشيد سليم الخوري - الشاعر القروي - الذي ملأ الخافقين رنين قوافيه، وظلّ شاعراً قروياً.
وفي قصيدة (عيد الجلاء) ينحو سلامة نحو الاستاذ ميخائيل نعيمة في قصيدته المشهورة:
أخي إن ضج بعد الحرب.. الخ.
يجب أن نقول أنه عارض لا نحا، لأن الأستاذ نعيمة سلبي، وسلامة إيجابي، ميخائيل حفّار قبور يحمل الرفش والمعول، وسلامة كصخر الخنساء حمال الوية، هباط أودية..... فاسمعه يقول في ساعة النصر:
| أخيـــ، هــذا لوانــا اليــو | م فــــي أوج الســــما حـــرُّ |
| خفـــــوق حـــــوله الآمــــا | ل والأحلام تفـــــــــــــــتر |
| فقـــــد شـــــئناه للعــــز | ة والإيمــــــان عنوانـــــا |
| وكــــان الحــــق يرعــــاه | ... |
| فـــرف علـــى جـــبين الشــم | س بعــــد اليـــأس نشـــوانا |
وبعد أن اشرأب شاعرنا سلامة واشمخر، عاد إلى حني الرأس تمجيداً لذكرى شهداء الثورة التي رافقها سلامة حين شب عن الطوق.
ذكرنا صديقنا فيلسوف الشخروب بهذه المناسبة فلا بد من الإتمام فنقول: قصيدة نعيمة طرية ناعمة وقصيدة سلامة أقرب إلى لسان العرب منها إلى لساننا اليوم.
أما قصيدة (أغنية أم) فكان أحرى أن تعنون: مناحة صامته، وما أروع صرخة تلك الأم حين تهتف بولدها الباكي:
| جوعان ما ذنبـي ثديي غدا خرقة | ... |
وفي قصيدة الخريف يذكرني بالتشبيه اللبناني حين يصف فوعة الأغربة فيقول:
وعلى شريط الكهرباء=أسراب رهبان صغار#
وفي قصيدته (الحدود المحطمة) كان كأنه يتنبأ:
| وغـــــدا سنمضــــي أمــــة | عربـــاء رائدهـــا النظــام |
وفي قصيدة الحداد يعجبني عشق الجماد الحامي كقوله: يخاطب القيون:
| يـا مضـرم النيـران زدهـا لظى | واضـرب فـبئس الضربة المشفقة |
| يهــوى الحديـد النـار وهاجـة | ويشــتهي الســندان والمطرقـة |
ولا عجب في هذا الرأي بعدما علمتنا الكتب أن بعض النساء يلذّ لهن لسع الكرباج متى حمى تنور الهوى... وقصيدة (أهواك) وهي مطلع هذا الديوان الرائع، ولما كنتُ أفتش دائماً عن العبارات الشخصية وأكلف بها يعجبني قوله فيها مخاطباً جبل حوران أو جبل الدروز: فديتها كل فتى باسل=أتقن فن الميتة السامية
وكان العهد أن في سلامة شيئاً من السخر فالظاهر أن المجال لم ينفتح له لأنه شغل نفسه بالفتوة وهو ينقر على وتر لا ينقر عليه أحد في هذه الأيام، لأن الأدباء ينشغلون بالرموز عن الحقائق.
وبقي الرثاء وفيه يبدو سلامة أتوناً مضطرباً وتنورا مسجورا ببيان شهي وعبارات كالبنيان المرصوص مع رطوبة اللولو وبريق الماس.
وما أخذت عليه إلا تأنيث (الرفات)، كما أن لفظة (تتقفقف) لم تعجبني قافاتها وفاءاتها، ولكن الديوان رغم هذه الملاحظة التي كان يجب أن يبرأ منها، يظل في صدر ديوان العرب وهو كتاب الموسم.
عين كفاع
مارون عبود