البحر المتقارب

بحر الغناء العربى القديم وملك البحور كما سماه أبو العلاء المعرى

بحر عامر بالشفافية والرقة وكل أسباب الحرية والرفاه

وقد ذكرنا في مقدمة الطويل أن أبا العلاء لقب الطويل ملك البحور ، فإذا جاريناه في

ذلك فإن المتقارب ابن ذلك الملك ، وقد لقي من العروضيين والشعراء ما يلقاه ابن الملك المدلل من حاشية أبيه ورعيته ، وأعطيت له الامتيازات تلو الامتيازات ،ليعيش حياته الخاصة المترفعة عن المسؤولية ، يخطئ فيصفق له ، ويخترق كل قوانين المملكة فيقال ما شاء الله !

فمن خصائصه : عروضه الأصم

ولا يصح ذلك إلا فيه = وهو أن يوقف في صدره على سكون وإن كان الإعراب

يقتضي الحركة كقول عبد الرحيم محمود

فإمــا حيــاةٌ تســر الصــديق وإمــا ممــات يغيــظ العــدى

ومن خصوصياته : الإدراج

وهو شيء غير التدوير يستحلى في المتقارب ولا يكون إلا فيه وذلك عندما تكون

عروضه غير صماء أي = فعول وتقرأ فعو = وهي تكون في الصدر عند الوقوف عليه

ثم تقفز إلى العجز عند الإدراج كقول أبي العلاء

ومــا دفعــت حكمـاء الرجـال حتفـــاً بحكمـــة بقراطهـــا

فإن اللام في قوله الرجال تقرأ في الصدر عند الوقوف ، وفي العجز عند الإدراج

وقد أنكر سيبويه ذلك وقال : لو جاز ذلك لجاز أن يقع للقصيدة الواحدة عروضان

مختلفتان ، أحدهما سالمة والأخرى محذوفة وهو لا يجوز

وأما التدوير فمثاله قول يحيى بن علي في ابن المعتز

يؤمــل بالشــعر أن يـدرك ال خلافـــة لا نـــال ذاك الأمــل

ومن خصائصه جواز وقوع الساكنين فيه وذلك ما يمتنع في غيره من الأوزان ،

ومثاله :

ولـــولا خـــداش أخـــذت دوابَّ ســعد ولـم أعطـه مـا عليهـا

وهو أول خصائص النثر ، وقد أشار الشيخ جلال إلى ذلك ومثَّل لذلك بقوله تعالى

( فلما توفَّيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيءٍ شهيد )

ويضاف إلى ذلك كثرة الضروب الساكنة فيه ، وهي أوزان يلجأ إليها الشعراء للتخلص من الإقواء وقد استحسنَ ذلك في المتقارب حتى أصبح وكأن الضرب الساكن هو الأصل والمتحرك هو الفرع ويكون ذلك فيما يعرف بالمتقارب الثاني والثالث ، وهو ما يوقف في آخره على سكون كقول أبي القاسم الشابي

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بــدَّ أن يســتجيب القـدر
ولا بـــد لليـــل أن ينجلــي ولا بـــدَّ للقيـــد أن ينكســـر
ومــن لا يحــب صــعود الجبـال يعـش أبـد الـدهر بيـن الحفر

فإن الراء في الأول مرفوعة وفي الثاني منصوبة وفي الثالث مجرورة

وكقول أبي العلاء

بعثــتُ شــفيعاً إلــى صــالح وذاك مــن القــوم رأيٌ فســد
فيســمع منــي هــديل الحمـام وأســـمع منــه زئيــر الأســد

ومن خصائصه ما كشف عنه أبو العلاء بقوله : ( وليس في الشعر وزن عدته أربعون حرفاً في الأصل إلا وزن واحد وهو المتقارب الأول ، ومثاله قول بشر بن أبي خازم

فأمــا تميــم تميــم بـن مـرٍّ فألفـاهمُ القـومُ روبـى نيامـا

فإذا ذهبت منه أربعة أحرف لم يرع لذلك إذ كان ذهابها من مواضع لا يشق عليه أن

تنقص وتغيض كقول الخنساء

وخيـــل تكـــدَّس بالــدارعين تحــت العجاجــة يجمـزن جمـزا

إلى أن قال: والمراد عدد الحروف المقطعة وليس المكتوبة ، وفي الشعر وزن آخر عدته أربعون حرفاً إلا أن أصله في الدائرة اثنان وأربعون وذلك هو الضرب الأول من الرمل )

ومن خصائصه انفراده قديماً بدائرته قبل إلحاق المتدارك به

ومن خصائصه : أنه خماسي

= أي أن تفعيلته خمسة أحرف = وليس سباعياً ، وتلك الخصوصية هي أبرز ميزاته

عند الموسيقيين لأنها خماسية في الظاهر وسباعية في الإنشاد

ولبيان ذلك نقول : إن " لن " الواقعة آخر التفعيلة الثانية من كل شطر فيه ما هي في

الحقيقة إلا معالجة موسيقية يتوصل الشعراء للمحافظة عليها بالإنشاد ويعفون أنفسهم

منها في التفعيلة الرابعة والثامنة ، ومن البراهين على ذلك إهمال العرب لمجزوئه التام حتى عدَّه ابن القطاع في الأوزان المهملة ، وهو ما سماه الشيخ جلال بالمتقارب الثامن

فإذا أسقطت منه " لن " عثرت على أوزانه في كثير من الدواوين

كقول الشاعر :

تحيــــــــة ورد يفـــــــوح بعــــرف الهــــوى الطيِّــــب

وذلك ما دعى الخليل بن أحمد لاستحداث دائرة خاصة بالمتقارب عندما اخترع دوائر

العروض لأنه وسواء على صعيد الموسيقى أو العروض نموذج غريب ولعله أن يكون من الأوزان المعربة أو نتاج حضارة عربية منفتحة استساغت هذا النمط من الشعر الذي كان خليطاً من الغناء والإنشاد والخطابة

وننهي الكلام على المتقارب بالإشارة إلى ما بينه وبين البحر السريع من التقارب الذي يظهر في الوهلة الأولى عند وقوع النظر على البيت منهما، ذلك أن الفرق بينهما في معظم الأحيان تحدده حركات غير مكتوبة ، كقول الشاعر

وأبيـــض يرقـــص فـــي أحمــر

فإذا نونت الضاد في قوله ( وأبيض ) كان من السريع وإذا منعت من الصرف كان من المتقارب

ومن نوادر ما يذكر هنا أن النابلسي عندما خمس أبيات ابن غانم المقدسي جعل تخميسه من المتقارب مع أن أبيات ابن غانم من السريع ، وأول هذا التخميس قوله

زمــان المصــيف ووقــت الشـتا فتــاة الحمــى تنجلـي والفـتى
وهــذا الحــبيب لنـا قـد أتـى إلامَ يـــا قلـــب وحــتى مــتى
يكفيـك مـن أمـرك مـا قـد جـرى

انظر ديوان الحقائق ص 218