الخفيف قال التنوخي (ص167): (قال الخليل: سمي بذلك لأنه أخف السباعيات، لتوالي ثلاث أسباب خفيفة فيه) من فاعلا (تن مستف) علن) قلت أنا زهير: وهذا كلام فاسد لأن (تف) ليست سببا في الخفيف وإنما هي مع العين وتد (تفع) ولا يجوز طي الفاء في الخفيف أبدا. فمن أين أتى التنوخي بكلمة الخليل هذه. ؟
بحر خطابي جليل ،اتشحت مفاتيحه بمعظم مفاتيح الخطابة وطرق به الشعراء كل أبوابها وساغ فيه التدوير واستبشع في غيره من البحور فوجدت فيه الشعراء أوطأ المطايا ، وكتبوا به القصائد الطوال ، وأولع به البغداديون قديماً وحديثاً ورأوا فيه أسهل الأوزان
ومن هنا رأينا ابن الرومي يقدم اعتذاره لممدوحه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ليغفر له أنه مدحه بقصيدة من البحر الخفيف فيقول
| إن تكن سهلة القوافي فليست # في المعاني بسهلة الوجدان |
| فابسط العذر في ارتخاص القوافي # واتباعي سهولة الأوزان |
| ضاق عن مأثراتك الشعر إلا # فاعلاتن مستفعلن فاعلان |
| واستهوتهم مجازيئه وتفريعاتها واستحدثوا منه أعذب الأوزان |
وكان رائدهم في ذلك أبو العتاهية وهو أول من خرج على شرائع العروض وكان يرى في نفسه شيئاً أكبر من العروض وواضعيه وإليه ينسب الخفيف العتاهي وهو
( فاعلاتن فعولن # فاعلاتن فعولن )
ولعل ولع البغداديين بالخفيف كان بسبب مجاورتهم لفارس فهو من أبحر الغناء الفارسية المستعذبة عندهم
قال جلال في صدد حديثه عن الخفيف الثالث وهو
" فاعلاتن مستفعلن فعلن "
( والخفيف الثالث ظاهر الجمال رقيق الوقع ، حلو الجرس سائغ النشيد ، وقد سمع على وزنه في شعر بعض الأمم غير العربية )
وأورد نموذجاً منه بالفارسية
ويستفاد من عناية ابن عبد ربه " صاحب العقد " بهذا النمط من الخفيف أن ألحانه سارت حتى بلغت الأندلس وهو واحد من كبار المعنيين بالشعر الغنائي ، ومن نظر في ديوانه على صغره شهد له بالخبرة والاقتدار
ومن أمثلة الخفيف الثالث قصيدته:
| يا غليلاً كالنار في كبدي # واغتراب الفؤاد عن جسدي |
وقصيدته :
| ذات دلٍّ وشاحها قلق # من ضمور وحجلها شرق |
ومنه قول خليل مطران
| لقي الحتف والأسى عممٌ # علمٌ من مفاخر الزمن |
| إن للمرء في الحياة منى # إن سمت عزَّ أو تهن يهُنِ |
وقوله :
| هو يوم أغرُّ مبتسمٌ # عن وجوه بالبشر غُرَّان |
وهذا النمط من الخفيف هو الذي أنكر العياشي ردَّه إلى الخفيف وذهب في كتابه "
نظرية إيقاع الشعر العربي " إلى وجوب استقلاله وسماه البحر المستقل ، قال : وقد
اعتدى عليه الخليل عندما منعه استقلاله وحكم عليه بالتبعية للخفيف وهو مستقل عنه
استقلالاً تاماً لاختلافه عنه في كمياته وكيفياته ، حيث أن للخفيف 18 عنصراً وليس
للمستقل إلا 16 عنصراً والفرق بينهما كالفرق بين الخبب والرمل ، إذ لا ينبغي أن ننسى لحظة أن الإيقاعات كميات مضبوطة لا تنقص ولا تزيد
وقال في إيقاع الخفيف ص 249 : وقد أخذه الموسيقيون من الشعر واستغلوه في
الموسيقى وسموه ( وزن الهمزية ) لأنهم لحنوا به البردة المعروفة
| كيف يرقى رقيك الأنبياء # يا سماء ما طاولتها سماء |
وهي أيضاً من البحر الخفيف ، فاتفق فيها إيقاع الشعر وإيقاع الموسيقى وقلما يحصل
مثل ذلك في عصورنا الحديثة لاختلاف المبادئ بين إيقاع الشعر وإيقاع الموسيقى
قال : ويسمونه الخفيف وليس من الخفة في شيء ، وهو على جانب كبير من الثقل ،
ومن أين تأتيه الخفة ؟ وربما اجتمع في آخره أربعة ممدودة = يقصد التشعيث = مما لم يجتمع في غيره مطلقاً = وكلامه هنا غير صحيح لأنه يقع في المجتث أيضاً =
قال : وري عن الأخفش أنه قال للخليل بعد أن عمل كتاب العروض : لم سميت الخفيف خفيفاً ؟ فقال : لأنه أخف السباعيات . ولا أعرف = والكلام للعياشي = مراده لأنه يتكلم بلغة لا أفهمها ولا تعودت ممارستها = انتهى كلام العياشي وانظر الحديث عن نظريته في البحر البسيط =
وأما الخفيف الأول وهو التام
| فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن # فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن |
| فيندر مجيئه بلا زحاف ، ومن أمثلة وروده تاماً قول الأرَّجاني |
| قلت لما قالوا غدا رأس شمس ال # ملك فرداً يطوي متون الفيافي |
| وقد أحصى الشيخ جلال عشرين نمطاً للخفيف منها |
: الخفيف المضطرب
| فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن # فاعلن فاعلن فاعلاتن |
| ومثاله : لست أدري لأي شيء نهتني # عذلي عن وصال الحبايب |
قال :وربما أورده العروضيون على هيئة مختلفة مضطربة
والخفيف الرابع عشر وهو
| فاعلاتن فعولن # فاعلن فع لن |
| ومثاله : تب علينا فإنا # أهل تقصير |
والبيت
| إنما سهم قوس ال # حب مسموم |
وربما يلحق به قول ابن عربي
| ما أرى محباً # في هوى محب |
| إنما هواه # أن يكون حبي |
إلا أن الأرجح عده في مجازيء المتدارك وإن كان في حقيقته مستل من المقتضب
ولتفعيلات الخفيف قواعد أوجبتها ألحانه
منها أن وتد مستفعلن فيه هو " تفع " لذلك اصطلح العروضيون على كتابتها في البحر الخفيف " مستفع لن " ويريدون بذلك التنبيه إلى أن الفاء فيها لا يجوز حذفها لأنها ساكن الوتد
وهي تختلف في صورتها عن " مستفعلن " التي حدد العروضيون وتدها أنه " علن " فأجازوا فيها الطي = حذف الحرف الرابع الساكن =
وللحفاظ على وتد " مستفع لن " استحبوا الخبن فيها = حذف الثاني الساكن
ومن قواعده أن التشعيث = انقلاب فاعلاتن إلى فالاتن = لا يقع في العروض ويمكن وقوعه في الضرب
وقد أتينا في مقدمة البحر المديد على ذكر الوشائج التي تربط بينه وبين الخفيف وبينهما وبين الرمل . ونذكِّر هنا أن الخليل بن أحمد نسب كلاً منها إلى دائرة ، فجعل الخفيف من دائرة المجتلب ، والرمل من دائرة المشتبه ، والمديد من دائرة المختلف
وجعل أخوة الخفيف في دائرته السريع والمضارع والمقتضب والمجتث والمنسرح
وأخوة الرمل في دائرته الهزج والرجز
وأخوة المديد الطويل والبسيط
واستهجنت طائفة من الأدباء عمله ذاك ناظرين إلى غير ما نظر إليه
ورأى فيه آخرون دليلاً عميقاً على عبقريته
وحكوا في هذا الصدد أن شقيق الخليل دخل عليه وفي يده خطوط الدوائر
وقد جعلها أمام عينيه يردد التفعيلات ويلاحظ مخارجها
فلما أن رآه على تلك الحالة ترجح عنده أنه قد جن لا محالة
وخرج ينادي :جنّ الخليل
فلم ينتبه الخليل إلا والناس على بابه ، وأخوه يشير إليه
فنظر فيه وقال بيتيه المشهورين
| لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتني # أو كنتُ أجهل ما تقول عذلتكا |
| لكن جهلتَ مقالتي فعذلتني # وعرفتُ أنك جاهل فعذرتكا |
حيث أن الخليل لم يرد بقوانين الدوائر فرز بحور التفعيلة الواحدة
وإنما أراد ملاحظة مخارج الأوزان لاستقصائها وإحصائها
ولملاحظة العلاقة بين المديد والخفيف انظر الكلام على ذلك في المديد
وأما اختلاط الخفيف بالرمل فوارد أيضاً
ونمثل له بقول الحمدوي :
| ما أرى إذ ذبحت شاة سعيد | .. |
البيت من الخفيف إلا أنك إذا بنيت فيه فعل " ذبحت " على المجهول صار رملاً
وعجزه : ( حاصلاً في يديَّ غير الإهاب )
ونختم الحديث عن الخفيف بذكر ما اشتهر من أغانيه
فمن الخفيف التام
أغنية فيروز ( يا نسيم الدجى ) أولها
| أين من مقلتي الكرى يا زمان # أنصف الليل والخليّون ناموا |
و ( الصبا والجمال ) لمحمد عبد الوهاب ، شعر الأخطل الصغير
ومطلعها
| الصبا والجمال ملك يديكِ # أي تاجٍ أعزُّ من تاجيكِ |
و ( هذه ليلتي ) لأم كلثوم ، شعر جورج جرداق ، ألحان عبد الوهاب
ومنه موشح عمر اليافي :
| حب آل النبي خالط روحي # كاختلاط الضيا بماء العيون |
وهو من الألحان النادرة التي استوعبت الخفيف برمته مع أنه من الأبحر المركبة التي يصعب تلحينها ، وقد تطلب ذلك تقسيم الشطر إلى
فاعلاتن متف / علن فاعلاتن
ومن أشهر ما غني من مجزوء الخفيف
( جفنه علَّم الغزل ) شعر الأخطل الصغير ، غناء وألحان عبد الوهاب