البحر السريع

بحر الغناء العربى القديم وملك البحور كما سماه أبو العلاء المعرى

بحر هازل ضاحك ، رقيق الحاشية ، سهل المعاني والألفاظ

استخرجته الشعراء من صميم الأراجيز إلا أنها جنبته ما عهد في الرجز من غريب الألفاظ ووحشيها وقصدت بذلك التقرب به إلى العامة والجواري ومن لا يمتلك القدرة على التمتع بالشعر الأصيل من رجالات الدنيا، وطرزته بضروب وأعاريض تتسع لكلامهم الدارج وأمثالهم السائرة ونكاتهم وفكاهاتهم ، وجعلوه مطيتهم فيما يحكونه من نوادر أخبارهم مع من أحبوا = كما سنبين ذلك في ختام الكلام عنه = فصار سجلاً للفكاهة والنوادر والتقاليد والعادات

وبسبب ذلك فيم أرى جعل الشيخ جلال معظم الشعر الشعبي من سلالة السريع

فجعل المواليا في السريع السابع والثاني عشر

قال في السريع السابع :ومن هذا الوزن من شعر العامة

بســـــَّك تـــــروح وتجــــي وإيـــــدك علـــــى خــــدك
تخطــــب بنــــات الخلــــك وســـــياك مــــا عنــــدك

قال : ونقل القرشي في " المواليا " هذا الوزن عن ابن خلدون

وعده من المواليا البغدادي وهو

طرقـــــت بــــاب الخبــــا قــــالت مــــن الطــــارق
مفــــــــاعلن فـــــــاعلن مســـــتفعلن فـــــع لــــن

وقال في الثاني عشر : فإن كان ملحوناً على لسان العامة فهو

من المواليا وإلا فهو السريع الثاني عشر

ومثال الملحون:

والقلب يقلب سري ـ عاً يشبه الدولاب

إياك والبرد يد ـ خل من شقوق الباب

وجعل " القوما " في السريع العاشر

ومثاله :

لا زال ســــــعدك جديـــــد دايــــم وجــــدك ســــعيدْ
مســـــــتفعلن فـــــــاعلان مســـــــتفعلن فـــــــاعلان

قال : وربما سكنوا اللام سكون إنشاد لا سكون وزن

وقد عدّه أيضاً في الرجز الخامس والعشرين

مســـــــتفعلن فــــــع لان مســـــــتفعلن فـــــــع لان

انظر ( العروض وتهذيبه 583 )

وجعل " الكان كان " في السريع الثامن

مســـــــتفعلن فـــــــاعلن مســـــــتفعلن فـــــــاعلان

ومثل له بمثال الكان كان المشهور :

يـــا عبـــد فـــابكي علــى فعــــل المعاصــــي ونـــوح

وعده أيضاً في الرجز السابع والعشرين

مفـــــــاعلن فعـــــــولن مفتعلـــــــن فـــــــع لان

وقال في مقدمة السريع :

( يعد هذا البحر نمطاً من أنماط الرجز ، ولكن لذيوع تسميته واستقلاله في شخصيته أبقيناه على ما هو عليه وقسمناه إلى أقسام تختص به ، ويغلب على الظن أنه كان يسمى الرجز السريع )

إلا أن الخليل جعله أساساً لدائرة المجتلب = كما سيأتي =

وفيها المنسرح وهو في روحه أقرب إلى المنسرح منه إلى الرجز

وأما من جهة العروض فالفرق بين الثلاثة واحد

فالسريع في حقيقته منسرح سقط السبب الخفيف من تفعيلته الثانية

" مفعولات " فصارت " عولات "

وهو أيضاً رجزٌ سقط السبب الخفيف من تفعيلته الثالثة

" مستفعلن " فصارت " تفعلن " وكتبت " فاعلن "

فإن صح ما يقال أن الأغلب العجلي أول من قصَّد الرجز كان السريع بحراً إسلامياً لا

يمت إلى الجاهلية بصلة وأوجب ذلك مراجعة ما ينسب إلى الجاهلية منه

ومعظم ما نسب إلى الجاهلية من قصائد السريع لم تعدُ البيت والبيتين باستثناء بضع

قصائد منها :

  • قصيدة مهلل بن ربيعة ( جارت بنو بكر ولم يعدلوا ) وهي 37 بيتاً
  • وقصيدة صيفي بن الأسلت ( قالت ولم تقصد لقيل الخنا ) 24 بيتاً
  • وقصيدة : زهير بن مسعود الضبي ( أقفر من سلمى يناضيب ) 40 بيتاً
  • وقصيدة عمرو بن أحمر الباهلي ( قد بكرت عاذلتي بكرة ) 37 بيتاً
  • وقصيدة المتنخل ( هل تعرف المنزل بالأهيل ) 35 بيتاً
  • وقصيدة الأفوه الأودي ( إما ترى رأسي أزرى به ) 30 بيتاً
  • وقصيدة امرئ القيس ( يا دار ماوية بالحائل ) 10 أبيات
  • وقصيدة عبيد ( أمن رسوم نأيها ناحل ) 21 بيتاً
  • وقصيدة الحارث بن حلزة ( يا أيها المزمع ثم انثنى ) 12 بيتاً
  • وقصيدة عدي بن وداع الأزدي الملقب بالأعمى ( كلفني القلب فلم أجهل ) 64 بيتاً

وهو أحد المعمرين في الجاهلية أسلم وغزا ، وقصيدته من نوادر السريع ، تمتاز بطولها عن معظم مقطعات السريع حيث بلغت أربعة وستين بيتاً وهو ما يندر وجوده في السريع القديم . وفيها قوله:

قـالت وقـد كنـا علـى موعـد ويلــك إن يُـدْرَ بنـا نُقتـلِ

ويذكر هنا أن أبا العلاء حط من قدر السريع لمشاركته الرجز قبول توالي أربع حركات

وجعل ذلك من فضائل البسيط لأن هذا قبول فضل وذاك قبول هوان !

وبالرغم من ذلك فقد أحصيت له في اللزوميات مائة وست قصائد من السريع اشتملت

على كثير من مفاكهاته ، ولو نظرنا في جدول البحر السريع في الموسوعة لرأيناه خامس المكثرين من السريع ، وأولهم ابن الوردي وله 223 سريعاً ثم ابن نباتة وله 169 قطعة ثم ابن الرومي وله 140 قطعة ثم الشريف العقيلي وله 155 قطعة

ونلفت النظر هنا إلى أن لأبي العلاء اثنتي عشرة أرجوزة ، منها ست في سقط الزند

والباقي في اللزوميات وأشهرها ( شرٌّ على المرأة من حمّامها )

( أنواع السريع )

لم يتفق العروضيون على أنواع السريع وضروبه لاختلافهم كما مر معنا على أصله

ودائرته ومنشئه حتى جعله الجوهري واحداً من مجازيء البسيط

وأنكر حازم أن يكون السريع مأخوذاً من دائرة المجتلب كما أنكر أن تكون عروضه

وضربه " فاعلان " مأخوذتين من " مفعولات " بحذف أو تغيير لأنه أنكر وقوع الوتد المفروق " لات " في نهاية التفعيلة مما دفعه إلى إنكار " مفعولات " كما مر معنا في المنسرح وجعل أصل السريع: ( مستفعلن مستفعلن فاعلان )

ومثاله :

مـا هـاج حسـان ربوع المقامِ ومظعـن الحـي ومبنـى الخيام

وسبقه إلى ذلك ابن جني في كتابه " العروض " ص 115

وعدَّ الشيخ جلال من أنواعه أربعة وعشرين وزناً

منها أربعة من السريع التام والباقي مجازيء

إلا أن الكثير مما عده في مجازيء السريع عدها قدماء العروضيين

في مجازيء البسيط والرجز وتشطيرات المواليا و"الكان كان" و"القوما"

والأعاريض التي خصها بمجزوئه هي ( فاعلن ـ فاعلان ـ فعلن )

وأما الضروب فهي ( فاعلن ـ فع لن ـ فاعلان ـ فع لان ـ مستفعلاتان

ـ مفتعلاتان ـ مفاعلاتان ـ مستفعلاتن ـ مفاعلاتن ـ مفتعلاتن)

وعدَّ من مجازيء الرحز ثلاثين نمطاً على مختلف الأعاريض والضروب

ومثَّل لذلك بفيضٍ من الأمثلة

وبذلك يكون للرجز ما ينوف على الخمسين نمطاً هي ما كان يعرف بالأرجاز ويقارن بينها وبين الأرمال ومجازيئها المشتقة من فاعلاتن والأهازيج ومشتقاتها من مفاعيلن

ومن هذه الثلاثة تألفت دائرة المشتبه عند الخليل

ونقصد هنا بالأرمال والأرجاز المصطلح العروضي وليس المصطلح الغنائي

وبينهما بون شاسع ، حيث يقصد بالرمل والهزج عند أهل الألحان أنماط

من الإيقاع معروفة في كتبهم " انظر الإيقاع في هذه الموسوعة "

وأصله فيما حكى علماء العروض

مســتفعلن مسـتفعلن مفعـولات مســتفعلن مسـتفعلن مفعـولات

إلا أنه لا يأتي على أصله وإنما يحتاج لذلك في الدوائر حيث جعله

الخليل أصل دائرة المجتلب = وهي أعظم الدوائر لاشتمالها على ستة أبحر =

فاستخرج المنسرح من أول مستفعلن الثانية

والخفيف من " تف " في مستفعلن الثانية

والمضارع من " علن " من مستفعلن الثانية

والمقتضب من " مفعولات "

والمجتث من " عو " في " مفعولات

إلا أن معظم المعاصرين ضربوا بالدوائر عرض الحائط وردوا السريع

إلى الرجز

ولكنه وبسبب التغيرات الجذرية التي طرأت على الحياة الأدبية قدر للبحر السريع أن

يكتسب خصائص جديدة بفضل جهود طائفة من الشعراء وجدوا فيه البحر الذي يستجيب لكل متطلبات الحوار وفي مقدمتهم علي محمود طه في ملحمته التي يحاور فيها الله وإلياس أبو شبكة في قصيدته " عرائس الدلب على الشاطئ " والرصافي في قصيدته ( البحر رهو والسما صاحيه )

لذلك رأيت أن أستعرض جوانب مختلفة من انتشار السريع في كتب الأدب وليس من

دواوين الشعراء لإعطاء فكرة عن البون الشاسع بين حياته الأولى التي عاشها ينافس

المنسرح في أجوائه والنهاية القاتلة التي تركته أخيراً وزناً منسياً من أوزان الرجز

فمن ذلك طائفة من السريع ساقها القاسمي في قاموس الصناعات الشامية كأمثلة لمفاكهة الشعراء لأصحاب الصناعات ، منها

لابن الوردي في تاجر

لمــا رأى النـاس علـى حسـنه لهــا ازدحــامٌ مـا لـه آخـر
قــــال علام اختلاف الــــورى قلــت علـى عينـك يـا تـاجر

ولأبى نواس في حائك

وحــائكٍ يــا صــاح أبصــرته كالبــدر فــي كفيـه ماسـوره
فلـــم أرح إلا وروحــي كمــا عــاينت فــي كفيــه ماسـوره

ولابن فهد الحلبي في حراث

عشــقت حراثــاً مليحــاً غـدا فـي كفـه المحـراث مـا أجمله
كــأنه الزهـرة قـد أمـه ال ثــور يراعـي مطلـع السـنبله

وفي زمار

وزامـــرٍ يبعــث فــي زمــره إلــى قلــوب النـاس أفراحـا
كــأن إســرافيل فــي نــابه ينفــخ فــي الأمـوات أرواحـا

وللدماميني في عطار

قلـــت لعطــار بــه صــبوتي محمــودة والصــبر لا يسـتطاب
ســـقيتني كــأس غــرام بــه زيـت ومـن فيـك براني الشراب

وفيه ص 495 في وراق

يـــا حســـن وراق أرى خــده قـد راق في التقبيل عندي ورق
تميــل فــي الــدكان أعطـافه مـا أحسـن الأعطـاف بين الورق

وفيه ص402 في لص

وشــادنٍ فــي سـلمه لـم يـزل يســتل مــن جفنيــه ســيفين
إذا أتـاني طيفـه فـي الـدجى يسـرق كحـل النـوم مـن عينـي

وفي نفحات الأزهار 277

وشـــادن يلثــغ فــي ســينه جئت إليـــه أشـــتكي بـــثي
رق لحــــــالي فترشـــــفته وزدت حــتى قــال لــي بــثي

وفيه لأبي عثمان بن سعيد

وشــادن قلـت لـه مـا اسـمه فقــال لــي بــاللثغ عبّـاث
فصــرت مــن لثغتـه ألثغـاً وقلــت أيــن الكـاث والطـاث

ويلاحظ هنا أن معظم الأبيات التي يكون أولها " وشادن "

فهي من السريع ولا تخرج في موضوعها عن المفاكهة

وفي محاضرة الأبرار لابن عربي 2/62

ونسبهما للأديب الملقب بالأبيض

وألثــغ مــا مثلــه ألثــغ كـــأنه مـــن ســكر مفــرغ
قلــت لــه مـولاي مـا تغتـذي فقــال لـي الفانيـذ والسـكَّغ

وفي المستطرف ص 20

ســألته مــن ثغــره قبلــة فقـال ثغـري لـم يجـز لثمُـهُ
فهاكهـا فـي الخـد واقنع بها مــا جـاور الشـيء لـه حكمُـهُ

وللعباس بن أحنف

خبرتهـــا أنــي محــب لهــا فــأقبلت تضــحك مــن منطقـي
والتفتــت نحــو فتــاة لهـا كالرشـأ الوسـنان فـي القرطقِ
قـالت لهـا قـولي لهذا الفتى انظــر إلـى وجهـك ثـم اعشـق

وفي الكشكول 483 من شعر ابن بشار في عروضي

وبــي عروضــي ســريع الجفـا وجـدي بـه مثـل جفـاء الطويل
قلــت لــه قطعـت قلـبي أسـىً فقال لي التقطيع دأب الخليل

وفيه 536 في نحوي

مـن منصـفي يـا قـوم من شادن مشـــتغل بـــالنحو لا ينصــف
وصــفت مـا أضـمرت يومـاً لـه فقــال لــي المضـمر لا يوصـف

وفي ديوان الصبابة 162

قلـت لمحبـوبي وقـد مـر بـي محبــوبه كــالقمر الســاري
هـذا الـذي يأخـذ لـي طرفـه مـن طرفـك الوسـنان بالثـار

وفيه 232

ســـألته مــن ريقــه شــربة أشــفي بهــا مـن كبـدي حـرَّه
فقـال أخشـى يـا شديد الظما أن تتبــع الشــَربة بـالجرَّه

وفيه ليحيى الخباز

طلبــت منـه قبلـة قـال لـي إيـــاك أن تطمــع بــالقرب
البــوس شـاليشٌ وقـد أختشـي أن تتبــع الشـاليش بـالقلب

ولابن المعذل في " المحب والمحبوب " ص 80

قلــت لـه إذ مـر بـي فـردا مــولاي هــل تقبلنــي عبـدا
فــأطبق الــورد علــى نرجـس فـــــامتلأت وجنتـــــه وردا

ومنه القصيدة السائرة وقد نسبها أبو حيان إلى وضاح اليمن

" البصائر والذخائر 3 /505

قــالت ألا لا تلجَــنْ دارنــا إن أبانــــا رجـــلٌ غـــائرُ

ولغلام النوري في الوافي 6 / 173

قلــت لـه هـل لـك مـن حرفـة تحيـا بهـا بين الورى أو سبب
فقــال يغنينـي ردفـي الـذي ســمته عشـاقي تليـل الـذهب

ولمنصور الهروي في " اليتيمة " 4/101

وَشـادن فـي الحسـن فـوق المثَلْ أبصــر منــي بوجــوه العمَـلْ
قبلــتُ كفيــه فقــال انتقــلْ إلـى فمـي فهـو محـل القبـلْ

وفي حدائق النمام في الكلام على الحمّام

للكوكباني

بالمــاء وافـى ريـم حمَّامنـا وصـــبَّه صـــباً علــى الصــبِّ
وقـال لـي هـل لـك فـي بـاردٍ قلــت نعـم مـن ريقـك العـذب

وفيه للحسين بن الضحاك

أبـــرزه الحمّـــام كالفضـــه أبـــان عنـــه عُكُنــاً بضــَّه
كأنمـــا المــاء علــى خــده طـــلٌّ علـــى سوســـنةٍ غضــه
فليــت لــي مــن فمـه قبلـةً وليــت لــي مــن خــده عضـه

وفي الظرف والظرفاء ص344

قرأت على جبين جارية لنخاس بالغالية = أي مكتوباً بها وهي العنبر = وقد أخرجها للعرض

وشــادن أحســن خلــق اللــهْ فــي كفــه سـيف رسـول اللـهْ
قــد كتــب الحسـن علـى وجهـه سـطرين بـالعنبر باسـم اللهْ
علــى يــدي رضــوان منسـوجةٍ صــبغة حسـن فـي طـراز اللـهْ
أنـا غريـق فـي بحـار الهـوى شــبه قتيـلٍ فـي سـبيل اللـهْ

وأما قصائده المغناة فهي في حكم النودر

فمن ذلك أغنية

( من أجل عينيك عشقت الهوى )

شعر عبد الله الفيصل ، ألحان السنباطي ، غناء أم كلثوم

وأغنية فيروز ( ابن بلادي ) ألحان الرحباني ، أولها

أيـن الشـذى والحلـم المزهـر أهكـــذا حبـــك يــا أســمر

وأغنيتها ( يا ساحر العينين ) وهي غير أغنية فهد بلان

وكلاهما من البحر السريع إلا أن في أغنية فيروز مقاطع من المجتث

وأغنية مرسيل خليفة

( عار من الاسم والانتماء )