ما لِلغَواني مَنْ رَأَينَ بِرَأسِهِ
 لا يكاد يخلو ديوان من دواوين شعراء المعتصم العباسي من ذكر القصة التي تناولتها قصيدة الوزير الزيات هذه، وهي قصة لا أول لها ولا آخر، من أراد أن يجمع كل ما يتعلق بها من أخبار وأشعار وأيام وحروف فسوف يحتاج إلى عشرات السنين من العمل الدؤوب، وسوف لن يخرج بالحقيقة كاملة.

أما صاحب هذه القصيدة فهو الوزير الشهير محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم وممدوح أبي تمام والبحترى وكبار شعراء عصره. وله ألف الجاحظ كتاب الحيوان، وقصة قتله في التنور (سنة233هـ)  أشهر من أن تذكر. وهو يصف في هذه القصيدة  فتوحات المعتصم ومعاركه وأهم ما فيها حديثه عن الأفشين قائد جيوش المعتصم واسمه حيدر بن كاوس، وكان قد أرسله لقمع ثورة بابك الخرمي
الأبيات 50
مـا لِلغَـواني مَـنْ رَأَيـنَ بِرَأسِهِ يَقَقــاً مَلَلــنَ وِصـالَهُ وَشـَنَينَهُ
وَإِذا عِـذارُ المَـرءُ قَـلَّ قَـتيرُهُ لاحَظنَـــهُ بِبَشاشـــَةٍ وَهَـــوينَهُ
صـَدَفَت خُناسـُكَ عَنـكَ بَعـدَ مَـوَدَّةٍ وَرَأَت شــَبابَكَ بالِيــاً وَغُضـونَهُ
إِنَّ الخَليفَةَ خَيرُ مَن وَطِىءَ الحَصا لِلَّــهِ يَمحَــصُ دينَــهُ وَيَقينَــهُ
ســارَت حُكــومَتُهُ بِأَعـدَلَ سـيرَةٍ قُصـوى البِلاد وَفـي الذينَ يَلونَهُ
فَــالحَقُّ أَوضــَح مُبصــِر آيـاتُهُ وَالجــورُ يَطمِـسُ شَخصـَهُ وَعُيـونَهُ
وَرَأى البَرِيَّــةُ عَفــوَهُ وَعَفـافَهُ فَالنَّــاسُ حَـذو طَريقـه يَحـذونَهُ
طَلَبــوا رِضـاهُ بِنِيَّـةٍ وَتَيَقَّنـوا أَن لَيـسَ يَرضـى اللَّهُ أَو يُرضونَهُ
يَخشـَونَ صـَولَتَهُ فَهُـم فـي طاعَـةٍ وَكَمِثــلِ مــا يَخشـَونَهُ يَرجـونَهُ
إِنَّ الخَليفَــةَ رَحمَـةٌ مِـن رَبِّنـا وَبِـهِ أَنـارَ لَنـا وَأَوضـَحَ دينَـهُ
وَعَلـى أَبـي إِسـحاقَ طاعَـةُ رَبِّـهِ حَقّــاً لِيَنصــُرَهُ بِهــا وَيُعينَـهُ
ملـكٌ بـأَرضِ الـرومِ أَنـزَلَ نِقمَةً وَأَبــادَ مــالاً أَهلُهـا يُحصـُونَهُ
وَأَبــادَ مالِكهــا وَفَـلَّ جُنـودَهُ طَعنــاً وَزَلــزَلَ مُلكَـهُ وَحُصـُونَهُ
وَالــزَّطُّ أَيُّ خَليفَـة دانـوا لَـهُ أَو كــانَ قَبلَـكَ طاعَـةً يُعطـونَهُ
حَتّــى مَلَكـتَ وَظَـلَّ سـَيفُكَ مِنهُـمُ تَكسـو الـدِّماءُ شـِفارَهُ وَمُتـونَهُ
فَـأَتوا لِحُكمِـكَ وَالَّذي كانوا بِهِ يَعصــونَ جَـدَّعَتِ الظُّـبى عِرنينَـهُ
فَعَفَـوتَ إِنَّـكَ لَـم تَـزَل ذا رَأفَةٍ حَسـَنَ الفَعـالِ مُباركـاً مَيمـونَهُ
وَســَقَيتَ بابَـكَ كَـأسَ حَتـف مُـرَّةً بِفَـوارِس سـَحَبوا القنـا يَتلونَهُ
فَتَجالَـدَ الزَّحفـانِ يَومـاً كامِلاً وَالقَـوسُ يُخضـَبُ بِالَّـذي يَـبرونَهُ
حَتّــى رَأَيــتَ الخُرَّمِيَّــةَ رَيضـَةً وَالبَـذَّ أَنكَـرَتِ الفِجـاجُ رَنينَـهُ
يَبكـي الَّـذينَ تُخرِّمـوا مِن أَهلِهِ وَنِســاءُ بابِــكَ حُسـَّراً يَبكينَـهُ
وَإِلـى عموريـةٍ سـَمَا فـي جَحفَـلٍ مَلَأَ الفجــاج ســُهولَهُ وَحُزونَــهُ
فَأَبــادَ سـاكِنَها وَحَجَّـلَ باطِسـاً حلقــاً أَذَلَّ اللَّـهُ مَـن يحـوينَهُ
قَتلــى يُنَضــِّدهُم بِكُــلِّ طَريقَـةٍ نَضــَداً تَخـالُ مَراقِبـاً موضـونَهُ
فَهُـمُ بـوادي الجـونِ قَتلى فِرقَة وَقَبـــائِلٌ فِـــرَقٌ مَلَأنَ ســُجونَهُ
وَأَبــانَ بِالصَّفصـافِ خالِصـَة لَـهُ كَيـد العَـدُوِّ وَسـوءَ مـا يَطوونَهُ
فَهَـوى اللَّعيـنُ وَنَجمُهُ وَاللَّهُ لا يرضــَى الضـَّلالَ وَلا يُعِـزُّ قَرينَـهُ
وَالمُنفِسـونَ قَصـَدتَ خَيلَـكَ قَصـدَهُ فَــوَطئنه وَفَتَكــتَ حيـنَ لَقَينَـهُ
وَقَطَعــت دابِـرَهُ فَجـاءَكَ خاضـِعاً حَـذر الـرَّدى وَجِلَ الفُؤادِ مَهينَهُ
وَالمازِيــارُ وَقَـد تَقَلَّـدَ غَـدرَةً قَطَعَــت نِيــاطَ فُـؤادِهِ وَوَتينَـهُ
مِـن بَعـدِ ما جَعَلَ الشَّواهِقَ عِصمَةً وَصَياصـــِياً بِضـــَلالِهِ يُغرينَــهُ
ظَنّـاً بِـأَنَّ الغَـدرَ يَمنَـعُ أَهلَـهُ كَــذِباً فَكَـذَّبَتِ الحُتـوفُ ظُنـونَهُ
فَأَفضــتهُ لِلنَّكــثِ يَشـرَحُ صـَدرَهُ لِيُـــذِلَّهُ رَبّــي بِــهِ وَيُهينَــهُ
وَشـَحَنتَ بِالأُسـدِ الخَوادِر بِالقنا وَالمُرهفــاتِ شــِعابَهُ وَرعــونَهُ
أَنِسـَت جِيـادُكَ صـَعبَ مَرقـى حصنَهُ وَجِبالَهــا فَرقَينَهــا وَرَقَينَــهُ
كَلَبـاً عَلَيـهِ فمـا برحـنِ عراصَهُ وَقَلالُـــهُ بِكُمـــانه يُشـــجينَهُ
حَتّــى إِذا رزى النِّسـاءُ نِسـاءَهُ لَمّــا اُسـتبيحَ حَريمُـهُ وَرَزينَـهُ
ثُــمَّ اِسـتَكانَ وَأَسـلَمتَهُ حُمـاتُهُ وَرَأى شــَتاتاً بِالصـَّغار عَرينَـهُ
وَغَـدَت جِيـادُكَ حيـنَ أَسـلَمَ عُنوَةً تَحتــازُ ظــاهِرَ مـالِهِ وَدَفينِـهِ
ضـُمَّت يَـداهُ إِلـى التَّليلِ مُكَبَّلاً تَـدمى وَسـاوَرَتِ الـدُّموعُ جُفـونَهُ
حَتّـى إِذا اِختَلَجَـت سـِياطُكَ نَفسَهُ وَتَخَرَّمَـــت حَرَكـــاتهُ وَســُكونَهُ
نيطَــت عَــوامِلُهُ بِـرَأسِ عُـذافِر جَعــل الشـَّريطُ عِرانـهُ وَبُرينَـهُ
مـن بَعـد ما بِالكُفرِ بكَّت حَيدَراً وَأَبــانَ يوضـِحُ مُفصـحاً مَكنـونَهُ
وَجَمَعــتَ كُــلَّ مُعَــدَّلٍ وَســَأَلتَهُ نصــّاً لِيوضــِحَ كُفــرَهُ وَيُـبينَهُ
فَـأَقَرَّ بِـالكُفرِ المُبينِ وَلَم تُرِد إِلَّا الإِلــهُ وَلَــم تُـرِد تَهجينَـهُ
أَنّــى وَقَــد أَنطَقـتَ كُـلَّ مُفَـوَّهٍ فـي مدحَـةٍ طَلَبـا بِهـا تَزيينَـهُ
لِتشــيعَ مــدحَتهُ وَتشـهرَ ذِكـرَهُ بِحِبـالِ شـاعِرِكَ الرَّصـينِ رَصـينَهُ
وَجَزَيــتَ مــادِحَهُ فَأَبصـَرَ شـعرَهُ وَأَحَـــبَّ كُــلُّ مُــدَوِّن تَــدوينَهُ
وَرَفَعتـهُ فَـوقَ النُّجـومِ وَلَم تَدَع فـي المُلـكِ مُصـطَفِياً لَهُ تمكينَهُ
وَعَصــبتهُ بِالتَّــاجِ عَصـبَ جَلالَـةٍ وَجَعَلــتَ خَلـقَ اللَّـهِ يَسـتَرعونَهُ
ابن الزيات
175 قصيدة
1 ديوان

محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، أبو جعفر المعروف بابن الزيات.

وزير المعتصم والواثق العباسيين، وعالم باللغة والأدب، من بلغاء الكتاب والشعراء.

نشأ في بيت تجارة في الدسكرة (قرب بغداد) ونبغ فتقدم حتى بلغ رتبة الوزارة.

وعول عليه المعتصم في مهام دولته. وكذلك ابنه الواثق ولما مرض الواثق عمل ابن الزيات على توليه ابنه وحرمان المتوكل فلم يفلح، وولي المتوكل فنكبه وعذبه إلى أن مات ببغداد.

وكان من العقلاء الدهاة وفي سيرته قوه وحزم.

847م-
233هـ-

قصائد أخرى لابن الزيات

ابن الزيات
ابن الزيات
القصيدة كتبها ابن الزيات يهدد بها إبراهيم ابن المهدي (1) أنه سينشدها بين يدي المأمون إذا هو لم يرد له ما اقترضه من أبيه، وإبراهيم ابن المهدي هو أخو هارون الرشيد، بويع بالخلافة يوم 25/ ذي الحجة/ 201هـ  ولقبوه (المبارك) ترجمته وأخباره مشهورة،