البحر الكامل

بحر الغناء العربى القديم وملك البحور كما سماه أبو العلاء المعرى

بحر عريق لا يكاد يخلو منه ديوان من دواوين العرب

وقد ضمنت له أوتاده النفوذ بموسيقاها الهائجة إلى معظم النفوس فاستوت في محبته كل

الطبقات وسار منه ما لا يعرف له قائل ، وكتبت به الرسائل وأبلى الشعراء فيه البلاء

الحسن وأقاموا منه ما يشبه القصور وزينوها بما اشتقوه من مختلف مجازيئه وزوقوها

بالترفيل والتذييل فرأى فيها أرباب الغناء ما يلبي رغبتهم في التجديد ، وتنافسوا

في تلحينها فصار في صدارة أوزان الغناء

وبين يدي مجموعة من أغانيه السائرة يمكن أن تعطي صورة ملونة لأوزانه التي

اقتحمت أجواء الغناء منذ عهد بعيد

فقد اختار الأصفهاني في الأصوات المائة المختارة من مجازيء الكامل قصيدة بشار

( حوراء إن نظرت إليك سقتك بالعينين خمرا )

وقصيدة عبد الله بن هارون العروضي

يــا أيهــا الرجــل الـذي قـــد زان منطقــه البيــان

عدا ما ذكره في غير المختارات كالأغنية

عــق الفــؤاد مــن الصـبا ومــــن الســـفاهة والعلاق

وأما حظ الغناء منه في العصر الحديث فكثير

من ذلك ما غنته فيروز من مجازيئه

أغنية " وطني " ( وطن النجوم أنا هنا حدّق أتعرف من أنا )

و " إلى راعية " (سمراء يا أنشودة الغابات يا حلم المراعي )

و " القرى " ( تلك القرى يا سحرها نغم على شفة الجمال )

ومما سار من أغانيه غير المجزوءة

الله أكبر فوق كيد المعتدي " شعر عبد الله شمس الدين " ألحان محمود الشريف

ولد الهدى " شعر شوقي " " ألحان السنباطي" " غناء أم كلثوم "

يا جارة الوادي " شوقي " " عبد الوهاب " " أم كلثوم وغيرها "

أيظن أني لعبة بيديه " نزار قباني " " عبد الوهاب " " نجاة الصغيرة "

أفديه إن حفظ الهوى أو ضيعا " عبد الله الشيرازي " " أبو العلا محمد " " أم كلثوم "

ما لي فتنت بلحظك الفتاك " علي الجارم " " صبري النجريدي " " أم كلثوم "

لا تكذبي إني رأيتكما معا " كامل الشناوي " " عبد الوهاب " " عبد الحليم

و في هذه الأخيرة مقاطع من شعر التفعيلة تشهد برقة الكامل وسهولة الكتابة فيه .

وبالمقارنة بين مختلف تفعيلات شعر التفعيلة نجد أن " متفاعلن " وإن لم تكن أخصبها

عطاء إلا أنها أوسعها صدراً وأكثرها استجابة للشاعر مهما تطلبت الفكرة من المراوغة

والتلاعب بالكلمات

وقد ضرب الشيخ جلال حنفي مثلاً على ذلك رسالة ذكرها في كتابه

" العروض وتهذيبه " ص 417 وهي من تفعيلة الكامل

( يا سيدي أنا بعض محسوبيك من زمن بعيدٍ غير أني لم أكن أسطيع أن ألقاك كي

أفضي إليك بما يجول بخاطري مما يؤرق كل ذي حسٍّ ووجدانٍ فلو أنصفتني فنفضتَ

عنّي ما تراكم من غبار الظلم والعدوان والخطب العصيب وإنني بالرغم من جلدي فإني

قد تحملت الكثير من الأذى وصمدت في وجه الخطوب كأنني الطود الأشم وسوف ألبث

صامداً

هذي رسالة مخلصٍ لك شاكرٍ ما كُنتَ قَد أَسدَيتَ من فضلٍ عليَّ مدى الزمان مخلدٍ

واسلم وقاك الله تضييع المكارم والسلام )

وللمفاكهة نرد على رسالة الشيخ جلال بهذه الرسالة

( ألف التحية والسلام وبعد إني قد قرأت كلامك المعسول والحب المنمق في رسالتك

العظيمة لا أريد هنا أكرر ما ذكرت بها ولن أفضي إليك بما يجول بخاطري مما يؤرق

كل ذي حس ووجدان ولكن ما أريد أقوله بالضبط أني لم أكن متوقعاً أني مهان في

عيونك مستباح في أكفك لا يحق لي الكلام ولا البكاء وليس لي قدر ولا وزن ولا شيء

يذكر بالكرامة أيها المغرور تسألني أحبك لن أحبك لن أحبك لن أحبك والسلام )

وسمي بالكامل كما أفاد ابن منظور لأن له ثلاثين حركة وليس في الأبحار ما له ثلاثون

حركة غيره

والذي أراه أنه سمي بالكامل لأن سقوط أي حرف منه باستثناء أحوال القافية يحكم

باختلاله

فلا يناله من الزحافات الجائزة إلا الإضمار وهو تسكين الحرف الثاني منه

وأما الخزل = وهو أن يضاف إلى الإضمار حذف الحرف الرابع

لتصبح متفاعلن مفتعلن =والوقص = وهو حذف التاء=

فهما فيما نرى من عيوب الكامل لا من جوازاته

وتشهد بذلك المقارنة بينهما وبين الإضمار وهي مقارنة ميؤوس منها .

ومن ذلك كانت أيضاً تسمية الوافر بالوافر لأنه لا يصح فيه إلا

" العصب " وهو تسكين الحرف الخامس من " مفاعلتن " وأما العضب والعقص

فهما من عيوبه وليسا من جوازاته

ولهذين البحرين عند العروضيين دائرة مستقلة بهما وهي " دائرة المؤتلف " لأنك إذا

حذفت من الكامل أول سببيه صار وافراً

( عِلُنْ متفاعلن متفاعلن مُ )

وإذا حذفت من الوافر أول أوتاده صار كاملاً

( علتن مفاعلتن مفاعلتن مفا )

وفي تسميته بالكامل إشارة لصلته بالرجز والعروضيون يمثِّلون لذلك بقول عنترة

إني أمرؤٌ من خير عبسٍ منصباً شـطري وأحمي سائري بالمنصل

فالبيت كامل لحق الإضمار جميع تفعيلاته فتركه رجزاً

وفي قصائد الكامل ما لا يحصى من تلك الأمثلة

قال جلال : ( وأصل تسميته " الرجز الكامل " بسبب انبثاقه من الرجز

وهو عند المتأخرين بمثابة الطويل عند المتقدمين )

ومعظم الشعراء المعاصرين افتتحوا تجاربهم الأولى بالكتابة فيه

وهو فيما يخيل إلي طويلٌ عالجته الألحان فأنشأته خلقاً آخر

وأساس هذه المعالجة قائم على التصرف في تقديم الأوتاد وتأخيرها

وقد تطرقنا في مقدمة الطويل لهذه المسألة وضربنا على ذلك مثلا قول " أبي ماضي "

( أنا لست بالحسناء أول مولع )

وقلنا إنه طويل وكامل ، لا ينصرف إلى واحد منهما إلا بجرس النطق ولحن الأداء ،

وقريب من هذا النوع ما لا ينصرف إلى واحد منهما إلا بالنحو والإعراب كقول الشاب

الظريف ( بعثت لنا خطّاً يشرِّفُ ناظراً )

فإذا كانت التاء في قوله ( بعثت ) تاء التأنيث كان من البحر الكامل وإذا كانت تاء

الفاعل كان من الطويل

وأما امتزاج الكامل بالبسيط فوارد على ندرته ، ذلك لكثرة جوازات البسيط وثبات

الكامل على نمط واحد لا يكاد يمسه فيه إلا الإضمار ، بينما يحيق الخبن والطي والخبل

بالبسيط من كل جانب

ومما يقارب البسيط من الكامل قول ابن خاتمة

( لله منزلنا بقرية بتَّشٍ ) فلو قال بقريتي لكان من البسيط

وإذا جاءت تفعيلات الكامل مضمرة لم يكن بينه وبين الرمل

إلا حذف سبب من أول شطريه ، ومثال ذلك

قـد قلـت والآلام تفـري مهجتي مـا بين أسياف العيون النعَّس
قلـتُ والآلام تفـري مهجـتي بيـن أطـراف العيون النعَّس

وسبق في المجتث الحديث عن امتزاجه بمجزوء الكامل

وننبه هنا إلى قطعة من مجزوء الكامل لرفاعة الطهطاوي

جاءت أعجازها كلها من المجتث ،منها

كســــفينة تســـعى إلـــى شــــعب يكــــون مهـــولا
لهفــي علــى زمــن الهنــا إن صــــــح كـــــان بخيلا

وقد عدَّ الشيخ جلال سبعة وعشرين نوعاً من الكامل

نذكر منها الكامل الخامس

وهو " الأحذ " والقصيدة منه تسمى الحذّاء

وتفعيلته ( متفاعلن متفاعلن فعلن )

والحذذ : حذف الوتد المجموع برمته وهو من الكامل ما حذف

من آخر شطريه وتد تام ، أي " علن " من متفاعلن فتبقى " متفا "

وتكتب " فعلن "

وننبه إلى أن ابن عبد ربه سماه " الأحد " بالدال المهملة حيث قال في أرجوزته

وإن يُـزَلْ من آخر الجزء وتد إن كـان مجموعـاً فـذلك الأحد
أو كـان مفروقاً فذاك الأصلم كلاهمــا للجـزء حقـاً صـيلم

وقد أكثر من الكتابة فيه الشاعر علي محمود طه

ومن أقدر المحسنين فيه من المتقدمين " صُرَّدرّ " و " ابن المعز الفاطمي "

ومنه قصيدته التي يقول فيها

لا شـيء أحسـن منظـراً أبـداً مــن غـادة فـي كفهـا قـدح

ومما اشتهر من أغاني الأحذ أغنية فيروز

غنيــتُ مكـةَ أهلهـا الصـيدا والعيــد يملأ أضـلعي عيـدا

وأغنية

مـن قاسـيون تطـل يـا وطني وأرى دمشـق تعـانق السحبا

وحقه أن يستقل عن الكامل استقلال المخلع عن البسيط

وقد نبهنا في حديثنا عن المنسرح إلى الوشائج التي تربط بينه

وبين الأحذ فانظرها هناك