قال لما وثب إبراهيم بن المهدي على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا فأخذ من عبد الملك جدي عشرة آلاف دينار، وقال أردها إذا جاءني مال، ولم يتم أمره واستخفى.
ثم ظهر فطولب بالأموال، فقال إنما أخذتها للمسلمين وأردت أن أقضيها من أموالهم، والأمر إلى غيري.
فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها المأمون ومضى بها إلى إبراهيم بن المهدي فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلن هذه القصيدة إلى المأمون، فهاب إبراهيم أن يقرأ المأمون مثلها، وقال خذ مني بعض المال ونجِّمْ بعضَه ففعل أبي ذلك وأحلفه أنه لا يظهر القصيدة في حياة المأمون ووفى له بباقي المال، والقصيدة هي: (قصيدة اليوم)
والمقصود بمحمد في البيت الرابع الخليفة العباسي محمد الأمين أخو المأمون، قال الصولي: ويعني بالحسين: الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان: أخرج محمد الأمين على رؤوس الناس حاسرا حتى حبسه في مدينة أبي جعفر في الخضراء فلما كان الغد قال له الجند: كن في حيلة أرزاقنا. فدفعهم الحسين يومين ثم هرب في اليوم الثالث فتبعه تميم مولى أبي جعفر وغالب في جماعة فقتلوا وجاؤا برأسه إلى محمد وأخرجوا محمداً وهو عطشان قد كاد يتلف فردوه إلى الخلافة (1) قال الصفدي: (إبراهيم بن محمد المهدي أبو إسحاق أمير المؤمنين المبارك ابن المهدي العباسي الأسود الملقب بالتنين لسمنه، وكان فصيحاً مفوهاً بارع الأدب والشعر بارعاً إلى الغاية في الغناء ومعرفة الموسيقى، وأمه اسمها شكلة، روى عن المبارك بن فضالة وحماد بن يحيى الأبح، ولي إمرة دمشق سنتين ثم أربع سنين لم يقطع على أحد في عمله طريق، وبويع بالخلافة زمن المأمون وقاتل ابن سهل وهزمه إبراهيم فتوجه نحوه حميد الطوسي فقاتله فهزمه حميد واستخفى إبراهيم زماناً حتى ظفر به المأمون وحديثه في ذلك مشهور فعفا عنه وأورد صاحب الأغاني وغيره من ذلك جملة.وكان أسود حالكاً عظيم الجثة لم ير في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه ولا أجود شعراً. ولد سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي رحمه الله في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين وكان قد غلب على بغداد والكوفة والسواد، فلما قارب المأمون العراق ضعف أمر إبراهيم وركب بأبهة الخلافة إلى المصلى يوم النحر وصلى بالناس وهو ينظر إلى عسكر المأمون ثم انصرف من الصلاة وأطعم الناس بقصر الرصافة ثم استتر وانقضى أمره وظفر به المأمون سنة عشر وعفا عنه وبقي مكرماً إلى أن مات. ويقال إنه ما اجتمع غناء أخٍ وأختٍ أحسن من إبراهيم وأخته علية ابني المهدي، وله ترجمة طويلة في تاريخ دمشق تكون في سبع عشرة قائمة. وكان سبب ولايته الخلافة أن المأمون لما كان بخراسان جعل ولي عهده علي بن موسى بن علي الرضي فشق ذلك على العباسيين ببغداد وبايعوا إبراهيم ولقبوه المبارك لخمس بقين من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين وبايعه العباسيون في الباطن، ثم بايعه أهل بغداد في أول يوم من المحرم سنة اثنتين وأظهروا ذلك وصعد المنبر ثم إن إبراهيم اختفى لذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين ونظم فيه دعبل الخزاعي:
| نفـــر ابـــن شـــكلة بـــالعراق وأهلــه | فهفــــا إليــــه كـــل أطلـــس مـــائق |
| إن كــان إبراهيــم مضــطلعاً بهــا | فلتصـــــلحن مــــن بعــــده لمخــــارق |
| ولتصـــلحن مــن بعــد ذاك لزلــزلٍ | ولتصـــــلحن مــــن بعــــده للمــــارق |
| أنـــــى يكــــون وليــــس ذاك بكــــائن | يــــرث الخلافـــة فاســـقٌ عـــن فاســـق |
ومن شعر إبراهيم بن المهدي الأبيات التي نظمها في استتاره وهي يضرب بها المثل للشيء إذا أخلق فيقال: غنى بصوت ابن شكلة والأبيات:
| ذهبــت مــن الــدنيا وقــد ذهبــت منــي | هــوى الــدهر بـي عنهـا وولـى بهـا عنـي |
| فإن أبك نفسي أبك نفساً نفيسةً | وإن أحتســـبها أحتســـبها علـــى ضـــني |
قال المرزباني: وله فيه صنعة عجيبة في طريقة الثقيل الثاني وجعله نوحيا وغنى به المعتصم في آخر عمره وهو يبكي وجعله طريقاً إلى ترك الغناء.