بحر الأعراب
فيه مجمع أمثالهم وسجل أخبارهم وخزانة لغتهم
وبه كانت العرب تحدو إبلها وتهوم لأطفالها وتلبي تلبياتها وتقودها قادتها في الحروب
قال أبو العلاء في رسالة الغفران :
( والموزون من التلبية يجب أن يكون كله من الرجز عند العرب
ولم تأت التلبية بالقصيد ، ولعلهم قد لبوا به ولم تنقله الرواة )
ويفهم من كلامه على رجز الفاختة في " الصاهل والشاحج "
أن الرجز وضع أول ما وضع للحداء والتلبية وما شاكل ذلك
ولم يكن وارداً أن يخرج به إلى المديح وطبقات النسيب
إلا أن المتحققين خرجوا به إليهما وصرفوه مختارين في أنحاء كثيرة
وافتنوا في ذلك مثلما افتنوا في القصيد
واشتهر عن أبي العلاء الحط من قدر الرجز إلا أنه لم يترفع عن الكتابة فيه
وقد وصلنا من أراجيزه اثنتا عشرة أرجوزة ستٌّ منها في اللزوميات ومثلها في السقط
بالإضافة إلى بيتين هما من قصيد الرجز
وقد سخَّف أبو العلاء الرجز في مواضع متفرقة من " الصاهل والشاحج " و" الفصول
والغايات " و " رسالة الغفران "
فمن ذلك قوله في " الصاهل والشاحج " مشبهاً بحور الشعر بخيام العرب
: ( فما كان من بيوتهم مبنياً على ثمانية أعمدة أو نسائج ثمان فهو يشبه ما كان من
الشعر على ثمانية أجزاء وتلك بيوت أمرائهم وأملاكهم تشابه من الموزون قول الشاعر
" قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل "
وقول الآخر
" إنا محيوك فاسلم أيها الطلل "
وما كان منه على ست نسائج كان لمن هم في الرتبة دون الأمراء
وما كان على أربع نسائج فهي بيوت العامة
وما كان من بيوتهم على ثلاثة أعمدة أو مبنياً على ثلاث نسائج
فتلك بيوت الضعفاء والعبيد ، وتشبه من الموزون ما كان مشطوراً
على ثلاثة أجزاء مثل قول الراجز
يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي
عن سَمسمٍ وعن يمين سمسمِ
وما كان منه على عمودين فهو ما لا يمكن أن يكون بيت دونه
وهو المنهوك من الشعر كقول الشاعر
أضربهم # باليابس
ضرب غلا # م عابس
من الحيا # ة آيس )
انتهى كلام أبي العلاء وفيه تصريح بتقديم المتقارب على الكامل والوافر
والرمل والخفيف والمديد وهذا ما يستبعد وقوعه من أبي العلاء ؟
وقال في موضع آخر : ( والشعر جنس والرجز نوع تحته
ولا ريب أن الرجز أضغف من القصيد فرؤبة والعجاج أضعف في النظام
من جرير والفرزدق .
وقالة الرجز ثلاثة :
رجل لم يرو عنه غيره كرؤبة وهميان بن قحافة وغيرهما
ورجل غلب عليه الرجز وربما جاء بالقصيد كأبي النجم والأغلب العجليين
ورجل كان القصيد أغلب عليه وربما جاء بالرجز كجرير وذي الرمة
وربما لم يرو عن الشاعر رجز ألبتة مثل زهير وطفيل الغنوي
وقيس بن الخطيم )
ولما مرَّ في الجنة بأبيات ليس لها سموق أبيات الجنة
كما في " رسالة الغفران "
سأل عنها فقيل : هذه جنة الرجز يكون فيها أغلب بني عجل والعجاج
ورؤبة وأبو النجم وحميد الأرقط وعذافر بن أوس وأبو نخيلة
وكل من غفر له من الرجاز ، فيقول : تبارك العزيز الوهاب ، لقد
صدق الحديث المروي " إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها "
وإن الرجز لمن سفساف القريض ، قصرتم أيها النفر فقصر بكم .
وكان كلامه هذا تجسيداً لحالة الرجاز وخمولهم وتخلفهم عن شعراء القصيد
ورأى الشيخ جلال أن ذلك ربما كان نتيجة لأسباب اجتماعية
أدت إلى سوء الظن بالقوم ، لعل منها ما يتصل ببعض أخلاق الرجاز
كأبي نخيلة الحماني
كذلك ميل الرجاز إلى التسول المفضوح
ومن ذلك أن الرجاز حملوا على عاتقهم بداوة البادية في رجزهم
دون أن يراعوا للمدينة حقها كما هو دأب شعراء القصيد
ورأى الشيخ جلال في الرجز بداوة صارخة ، وذهب إلى أن تسمية الكامل
بالكامل إنما يراد بها مجموعة التعديلات التي أجريت للرجز فشذبت بداوته
وهذبت رتابته وجعلته حراً طليقاً .. إلى أن قال : وربما أريد بهذه التسمية
تكامل بناء أول قصيدة عربية نبغت من تفاعيل الرجز
وشفع رأيه هذا بنظرية تقدم بها شفيق الكمالي في كتابه " الشعر عند البدو "
ملخصها : أن الشعر في العهد الجاهلي كان ينظم على خطين " خط البدو "
ومنه قصيدة المرقش الأكبر
| هــل بالــديار أن تجيــب صـممْ | لـــو كــان رســم نــاطقٌ كلَّــمْ |
و " خط المتحضرين " وهو ما يمثله امرؤ القيس في غالب قصائده
ولبيد وعمرو بن كلثوم
ويرى الشيخ جلال في قصيدة المرقش هذه بداية تحول البدو من الرجز إلى الكامل
وننبه هنا إلى أن قصيدة المرقش هذه هي أحد الأصوات المائة المختارة
التي جمع أخبارها أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني
وكانت سبب تلقيبه بالمرقش لقوله فيها :
| والــدار وحــش والرســوم كمـا | رقــش فــي ظهــر الأديــم قلـم |
وقد أطال أبو الفرج في سبب قول المرقش هذه القصيدة واسمه عوف بن مالك .
وبالرغم من كل هذه المنغصات التي أحاقت بالرجز فإنه يبقى شطر العروض
وقد راق قديماً لطائفة من الناس فانصرفوا إليه بكليتهم وهجروا في حبه كل بحور
الشعر فعرفوا بالرجَّاز تمييزاً لهم عن الشعراء وعرف نتاجهم بالرجز والقطعة منه
بالأرجوزة تمييزاً له عن القصيد
وكانت تلك التسمية في أصل لغة العرب كتسمية الرمل والهزج ، وليس اسماً سماها به
من سمى بقية البحور كالطويل والبسيط والكامل والمديد والمتقارب
ومن تمعن في تسميات البحور رأى أنها لا تخلو من إشارة إلى ضرب من ضروب
الإيقاع والغناء كالخفيف والبسيط والرمل والهزج
إلا أن اختلاف مؤدى تلك المصطلحات وحاجة علم الموسيقى للاختصاص جعل
العروضيين يعزفون عن الاستعانة بها في فهم تلك المصطلحات
وقد نقل الأصفهاني عن ابن حبيب قوله : ( كانت العرب تقول الرجز في الحرب
والحداء والمفاخرة وما جرى هذا المجرى فتأتي منه بأبيات يسيرة فكان الأغلب
العجلي أول من قصَّد الرجز ثم سلك الناس بعده طريقته )
وقد عد الأغلب في كثير من كتب الأدب إحدى دعائم الرجز ، وهو جاهلي مخضرم
عمر طويلاً حتى حضر نهاوند واستشهد فيها وقبره هناك في قبور الشهداء
وهو أول من رجز الأراجيز الطوال . وإياه عنى الحجاج بقوله :
إني إذا الأغلب أمسى قد نشد
( أنواع الرجز )
بالنظر إلى الزحافات الأساسية التي تلحق " مستفعلن "
= وهي جواز حذف الأحرف الساكنة عدا الأخير لأنه ساكن الوتد =
نرى كم هي الفرصة متاحة للتحكم بأوزان الرجز عن طريق
التلاعب بالأحرف الصوتية التي جعلت الكامل طويلاً كما مر معنا
في الكامل
لذلك قلما يلحق الكسر بحراً كهذا
بل ينعدم الكسر فيه كما يقول الشيخ جلال بسبب أنه يجد منشده من
الانفعالات النفسية وحركات الجسم المصاحبة له ما يشبه الضوابط
الإيقاعية التي تحول دون النشاز النغمي
قال : وقد وصف العروضيون الرجاز بأنهم كانوا أشبه بمن
يُرعدُ عند الإنشاد
وقد تفنن الرجاز في استخراج الأوزان منه حتى تجاوزت الخمسين نمطاً
ما بين مشطور ومجزوء ومنهوك ومزدوج ومصرع ومربع وخماسي
إلا أن النمط العربي الصميم الذي تتجلى فيه سلاسة الرجز ويطفح بالبداوة والفصاحة
هو " المشطور "
ولم تكن الأرجوزة تسمى أرجوزةً إلا إذا كانت من هذا النمط
إلا أن هذا المصطلح تعرض للميوعة بعدما فتح الباب على مصراعيه لكل من سولت له
نفسه الكتابة في الرجز من فقهاء ومحدثين ونحاة وفلاسفة ومؤرخين وظرفاء وخلعاء
وأطباء وموسيقيين وجزارين وباعة
فاختلط الحابل بالنابل وضاعت في هذه الأموج لآلئ وطفت جيف ونال الظلم والحيف
كثيرين
ووقفنا في الموسوعة الشعرية برهةً ندرس السبل الكفيلة بإماطة الأذى عن الطريق
سيما وأن فيما بات يعرف بأراجيز الفنون عدد لا يستهان به من الأراجيز التي تقطع
الأنفاس بجمالها وروعتها
الأمر الذي حتم على إدارة الموسوعة تكليف لجنة بفرز هذه الأراجيز
وفهرسة ما لم تتم الموافقة على إدخاله في مواد الموسوعة .
ونعود إلى ما كنا بصدده من الحديث عن مشطور الرجز
وهو ما كان بيته يتألف من شطر واحد
لذلك يشترط فيه أن لا يقل عن ثلاثة شطور
والمشطور الثلاثي أعرق أنماط الرجز ، حتى قيل :
أن الرجز سمي بذلك من رجز الناقة وهو وقوفها على ثلاثة أرجل
ولكنه لا يشترط في المشطور أن يكون الشطر منه وافياً
فربما كان تفعيلتين تزيدان وتنقصان بعض الحركات
وعند ذلك يشترط أن تكون الشطور على وزن واحد
وقد نقل أبو العلاء في " الصاهل والشاحج " نموذجاً نادراً منه
وهو :
كيف رأيتِ زبرا
أأقطاً أم تمرا
أم قرشياً بازلاً هزبرا
قال: ألا ترى قصر البيتين الأولين وطول البيت الثالث
ولم يكن مألوفاً في الرجز إلا أن يأتي مشطوراً
ولكنه وبعد تعايش طويل بدت ثوابت الرجز الأساسية عرضة للاختراق
ولكنه استمر محافظاً على التصريع " التزام قافية واحدة لكل شطرين "
كميزة راسخة هي كل ما تبقى من حقوق الرجز
فإذا سقطت هذه السمة أصبح الرجز قصيداً
وأبرز من يمثل هذا النوع من القصيد ابن الوردي والسيد الحبّوبي وشرف الدين الحلي
وآخرون من شعراء الحلة والنجف كان رجزهم القصائدي أشبه بالدوبيت ، كقول ابن
الوردي
| يـا جيـرة ً حمـى حماةَ استوطنوا | طرفـي إليكـم حيـث كنتـم نـاظر |
| أعجــز عــن وصـفي ضـميري لكـمُ | إذ لـم تجـز أن توصـف الضـمائر |
ومن ذلك قول المفتي عبد اللطيف
يا من بهم أضاءت الأكوانُ
وهو رجزٌ إذا أشبعت الميم في قوله " بهم " صار من الدوبيت .
وأما مجزوء الرجز فهو من أشهر بحور الغناء
وقد تطرقنا للحديث عن هذه الميزة فيه أثناء الكلام على البحر السريع
وأشهر ما غني منه في تاريخ الغناء العربي الأول قصيدة دريد بن الصمة
| يـــا ليتنـــي فيهـــا جـــذعْ | أخــــــب فيهــــــا وأضـــــعْ |
قال الأصفهاني : ( وقد صنع فيه أمير المؤمنين المعتضد بالله لحناً من الثقيل
يجمع النغم العشر ، فأتى به مستوياً في الصنعة محكم البناء صحيح الأجزاء
والقسمة مشبع المفاصل كثير الأدوار لاحقاً بجيد صنعة الأوائل )
= انظر فيما يخص النغم العشر هذه " رسالة ابن المنجم في كشف رموز
كتاب الأغاني : تحقيق يوسف شوقي " وقد أطال المحقق في تقصي كلام
الباحثين والمستشرقين من أمثال " كولّا نجيت " و " كورت زاكس " و" فارمر "
وشيوخ الطرب كالحاج هاشم محمد الرجب وما ذهبوا إليه في تعيين النغم العشر
فاستغرق ذلك زهاء خمسمائة صفحة من القطع الكبير = من ص 330 حتى 827 =
وقد وضع إسحق الموصلي للنغم العشر دوائر كدوائر العروض انظرها في رسالة ابن
المنجم ص 423 و 755
قال أبو الفرج في أخبار إسحق ج 5 ص 269 : ( وهو الذي صحح أجناس الغناء
وطرائقه وميزه تمييزاً لم يقدر عليه أحد قبله ولا تعلق به أحد بعده ولم يكن مميزاً على
هذا الجنس )
وهو الذي اختار الأصوات المائة التي جمع الأصبهاني أخبارها وأرخ لها في كتابه
الأغاني وكان إسحق قد جمعها بأمر من الخليفة الواثق كما ذكر الأصبهاني في أخبار
فريدة حظية الواثق
وجدير بالذكر هنا أن المعتضد كان في تلحينه لرجز دريد ينافس وزيره
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بعدما سرق إليه الأبصار في عالم الغناء بتلحينه لقصيدة
إبراهيم بن هرمة ( وإنك إذ أطمعتني منك بالرضا )
وهو يجمع النغم العشر كلها ،وقد أثبته في كتابه الآداب الرفيعة
وقد كان المعتضد حالة نادرة في عناية رجالات القصور بالغناء وأهله مع ما خاضه
من الأهوال في سبيل إعادة هيبة الخلافة كما يفهم من الملحمة التي كتبها ابن المعتز في أخباره وحروبه على أن الحديث عن عالم الغناء في حياة الخلفاء لا يزال محاطاً بالكثير من الغموض
والمحاذير فقد سمعت من يكذب أن يكون السلطان العثماني سليم الثالث
المتوفى سنة 1808 م ملحناً موسيقاراً مع أن مؤلفاته في الموسيقى لا تزال
متداولة في تركيا حتى اليوم
و ربما تعد من المطاعن على المعتضد أنه بذل كل عبقريته الموسيقية ليلحن تلك
الأرجوزة التي يتمنى فيها ابن الصمة أنه كان فتى يوم حنين وكان قد شهدها مستشاراً
عسكرياً لهوازن وهو شيخ قد سقطت حاجباه من الهرم وقتل فيها على الشرك
أما منهوك الرجز :
= وهو ما سقط منه ثلثاه كما قال أبو العلاء في " الصاهل والشاحج " =
فقد ذكره الشيخ جلال
آخر الرجز الثامن ( مستفعلن مستفعلن # مستفعلن مستفعلن )
ومثل له بالبيت :
| كــــم اعتســــرْ ثـــم اتَّســـر | وكــــم قــــدرْ ثــــمَّ غفـــر |
إلا أنه لم يفرد له باباً مستقلاَ ولا سماه بالمنهوك
ومن هنا قيل : ربما يراد بالمنهوك المجزوء كمنهوك المنسرح
فقد ذكر أبو العلاء منهوك الرجز في رسالة الغفران ومثَّل له بما يُمثَّل به للمجزوء .
= انظر ذلك في آخر كلامنا عن المنسرح ومنهوكه =
إلا أنه في " الصاهل والشاحج " عرَّفه التعريف المشهور = كم مر آنفاً =
وقال في موضع آخر :
(وقول الناس " يا فاختة " سدس الرجز وربع المجزوء وثلث المشطور ونصف المنهوك)
وقد أنكر حازم أن يكون للرجز منهوك وأقر المجزوء
قال الشيخ جلال:
وقد عدَّ هذا الوزن في كتب العروض وزناً قائماً على تفعيلة واحدة هي في شطر تام على مذهب الزجاج وهو مذهب يفسد به نظام الشعر إلا إذا قيل إن منشأ الشعر كان على هذا النهج ، ولا نجادل في هذا
ومن أمثلته أبيات يحيى بن المنجم
| طيــــــــــــف ألـــــــــــم | بــــــــــــذي ســـــــــــلم |
| بعـــــــــــد العتـــــــــــم | يطـــــــــــوي الأكــــــــــم |
وأما المزدوج والمصرع
فهو أن يكون لكل شطرين من كل بيت في الأرجوزة قافية مستقلة
وأشهر المزدوجات مزدوجة أبي العتاهية التي سماها ذات الأمثال ، يقال أن
له فيها أربعة آلاف مثل ، منها الأبيات السائرة
| إن الشــباب والفــراغ والجـده | مفســـدة للمـــرء أي مفســـده |
| لكــل مــا يـؤذي وإن قـل ألـم | ما أطول الليل على من لم ينم |
| هــي المقـادير فلمنـي أو فـذر | إن كنـت أخطـأت فما أخطى القدر |
| يــا للشــباب المـرح التصـابي | روائح الجنـــة فـــي الشــباب |
أما الرباعي والخماسي :
فهي من مصطلحات الشعر الفنية كالموشح والمخمس والمسمط
ولا يشترط فيها أن تكون رجزاً فقد تكون من الوافر والرمل وغيرهما من البحور