ترجمة الوزير أبي عامر في كتاب الذخيرة لابن بسام قال:
الوزير أبو عامر بن مسلمة
طائل الدهر، وعلم بردة ذلك العصر، وأحد جهابذة الكلام، وجماهير النثار والنظام، من
قوم طالما ملكوا أزمة الأيام، وخصموا بألسنة السيوف والأقلام، لم يزالوا أقمارا في آفاق
الكتائب، وصدورا في صدور المراتب، وكان أبو عامر هذا من شرفهم بمنزلة الفص من
الخاتم، وبمكان السر من صدر الحازم. ولما ثلت تلك العروش الأموية، واختلت تلك الدولة
القرطبية، تحيز إلى المعتضد، لأملاك قديمة كانت له في البلد، فعاش بفضل وفره، وتصون
عن الدخول في شيء من أمره، إلا عن زيارة لمام، ومنادمة في بعض الأيام، جذبه إليها،
وغلبه مضطرا عليها، ولم يزل يتخادع له عن ذلك استدفاعا لشره، ومداراة على بقية
عمره، حتى مات مستورا بماله، مبقي على أشكاله، وله منظوم مطبوع، ونثر بديع، وقد
وقع إلي من إملاءاته، وغرائب أداوته، تأليف جمعه للمعتضد سماه على ما اقتضاه مطابقة
الزمان، ومذهب الأوان "حديقة الارتياح في صفة حقيقة الراح" دل على كثرة روايته
وجودة عنايته، إلى غير ذلك من نظمه ونثره، وأوردت منه طرفا شاهدا على ما أجريت
من ذكره.
جملة من شعره
نقلت من خطه قال: كتبت يوما بهذه الأبيات إلى الأديبين أبي علي إدريس وأبي جعفر بن الأبار مستدعيا لهما:
| أيــــــا شـــــقيقي إخـــــاء | ويـــــا قســـــيمي صـــــفاء |
| ومـــن همـــا فـــي ذوي الفــه | م جــــــــوهر الأدبــــــــاء |
| تفضـــــــــلا وأجيبـــــــــا | إلــــــى نــــــدي نــــــداء |
| لتأنســـــــــا بحــــــــديث | وقهـــــــــوة وغنـــــــــاء |
قال، فأجابني إدريس:
| يــــا صـــنو مـــاء الســـماء | فــــــي رقــــــة وصــــــفاء |
| ويــــــا ســـــراج ضـــــياء | يجلـــــو دجـــــى الظلمــــاء |
| بهـــــرت ســـــيما ذكـــــاء | فــــــي بهجـــــة وذكـــــاء |
| وحـــــزت فـــــي العليـــــاء | قـــــــــوادم الجــــــــوزاء |
| يـــــا حـــــاتم الكرمــــاء | وأحمـــــــــد الشــــــــعراء |
| بادهتنــــــــــــــــــا بلآل | ســــــــــــــــــواطع اللألاء |
| قريــــــض حســــــن كـــــدر | علـــــى طلـــــى الحســــناء |
| يقــــود فــــي كــــل معنــــى | معنــــى الغنــــى والغنـــاء |
| وقـــد أجبنـــا إلـــى مـــا | دعــــــــــوت مـــــــــن آلاء |
| لا زال نجمــــــــك أســـــــمى | مــــن نجــــم كــــل ســـماء |
قال الوزير أبو عامر: وبعث إلي أبو الأصبغ بن عبد العزيز باكور بهار وكتب معها:
| وبهــــار ألــــم قبـــل الأوان | فــي بهــاء يـروق رأي العيـان |
| أمكـن القطـف فـي مـدى شـهر تشري | ن علــى غيــر عــادة الإمكــان |
| سـبق الزهـر فـي الفضـائل طرا | وكســا بالجمــال فضــل الزمـان |
قال، فأجبته:
| يـا إماما في السبق يوم الرهان | كـــل حيـــن يـــؤمني بالأمــان |
| وصـــل النرجــس المكــر يحكــي | ســبق عبــاد المليـك اليمـاني |
| يــا بهـار الريـاض أنـت بهـار | بــــاهر الأنـــوار والريحـــان |
قال الوزير أبو عامر: وأعلمت ابن الأبار بخبر البهارة، وكان عليلا وقلت له: إني نادمتها ليلتي، وجعلتها مؤنستي على قهوتي، فكتب إلي:
| بـــــالله كيـــــف النــــديمه | يـــا ذا الســـجايا الكريمــه |
| عــــــذراء تعبـــــق شـــــما | وأنـــــت تعبـــــق شـــــيمه |
| أحبـــب بهـــا بكـــر نـــور | مـــــن البهـــــار يـــــتيمه |
| فتلـــــك عنـــــدي والعــــو | د لا نــــــــديما جـــــــذيمه |
| فاصـــــبب فــــديت عليهــــا | مـــــن المدامـــــة ديمــــه |
| والــــدهر يمضــــي فبـــادر | مـــــن الزمـــــان غنيمــــه |
| وانعـــــم بدولـــــة ملــــك | ثنــــى الغيــــوث لئيمــــه |
| عبـــــاد المنصــــف المــــج | د بـــــــاللهى المظلــــــومه |
وله في وصف مشروب زبيب:
| مـــــزة مـــــاتت زمانــــا | بحجــــــــاب يحتويهــــــــا |
| لبثــــــت فــــــي بطـــــن أم | غيبتهـــــا عـــــن بنيهـــــا |
| ألحــــدتها الشــــمس دهــــرا | ثـــم عـــاد الـــروح فيهـــا |
| كـــان مـــاء المـــزن عيســى | إذ وضـــــــعناه بفيهـــــــا |
| فــــانبرى منهــــا ســــراج | رائق مـــــــن يجتليهـــــــا |
| وبــــــدت منهــــــا شـــــموس | غربـــــت فـــــي مطلعيهــــا |
| عزبـــــــت ألبابنـــــــا إذ | غربـــــت فــــي شــــاربيها |
والمصحفي قبله القائل:
| ولمـا تـولى بابنة الكرم جائر | عليهـا فأصـلها بزعمكم الشمسا |
| ولم يبق من جثمانها غير جلدها | غـدت للذي تحويه من روحها رمسا |
| وصلت بها الماء القراح محافظا | فـراح لهـا جسما وراحت له نفسا |
وذكر الوزير أبو عامر أنه ما رآه، ولا نظر إليه، ولا اعتمد عليه، ولا قصده، ولو سمعه لما أورده.
وقال:
| ومهفهــف غــض الشــباب منعــم | فيـه أطـرت إلـى الجمـاح جنـاحي |
| قـد جـاء يسـعى بالمـدام فقلت لا | إنــي هجــرت تعــاطي الأقـداح |
| لا تســـقني راح الكــؤوس وســقني | سـحر العيـون يقـم مقام الراح |
| فأقـام لـي مـن لحظـه ورضـابه | راحــا وقــام الخــد بالتفـاح |
| وضـللت فـي ليلـي فأبـدى غـرة | أغنــت عــن المصـباح والإصـباح |
قال: وبلغني أن ابن الأبار صد عنه يوما من يهواه، وواصل سواه، فكتبت إليه:
| قـــد هجـــر الأنـــس والســرور | إذ هجــــر الشـــادن النفـــور |
| وغيضــــت غيضــــة التمنــــي | فطــــرف نوارهــــا حســــير |
| وأقفـــر الربـــع بعــد أنــس | فعمـــر لهـــو الفـــتى قصــير |
قال: فراجعني بهذه الأبيات:
| يــا مــن بــه تزدهـي الـدهور | ومـــن لـــه تخضـــع البــدور |
| ومـــن إذا احتـــل فـــي علاه | فكــــل جفــــن بـــه قريـــر |
| قــد عــوتب الشــادن الغريـر | فعـــاد مـــن وصــله اليســير |
| ومـــن لـــي بــالجواب تيهــا | وهـــو بمـــا قلتـــه خــبير |
| فـــافتر عـــن واضـــح شــنيب | فيـــه لميـــت الهـــوى نشــور |
| ثــــم تلاقـــت لنـــا عيـــون | تخــــالفت تحتهـــا الصـــدور |
| ترجـــم بـــالثغر عــن معــان | ضــــن بإعلانهــــا الضــــمير |
| ولـــم نـــزل نعمــل الحميــا | واللحــظ مــا بيننــا سـفير |
| مدامـــــة أفنــــت الليــــالي | وأرضـــعت ثـــديها الـــدهور |
| تخالهـــا فــي الكــؤوس ســرا | وهـــــي لشــــرابها ســــرور |
| حــتى إذا مــا الصــدود أودى | تنــــاولت مزجهـــا الثغـــور |
| فاهنــأ بمــا قــد هنــا محـب | خطـــرك فـــي نفســه خطيــر |
| كــان لــك اللــه مــن وفـي | وفـــى بـــه دهرنــا الغــرور |
| إن الـــورى أصــبحوا أجاجــا | وإنـــك الســـائغ النميـــر |
| لطفـــت ظرفـــا وطبـــت حــتى | ترجـــم عـــن خلقـــك العــبير |
| لا زلـــت بالفضـــل لــي مليــا | فــــإنني بالثنــــا فقيــــر |
وقال الوزير أبو عامر:
| أهلا وســـهلا بوفـــود الربيــع | وثغــره البســام عنــد الطلـوع |
| كأنمـــــا أنـــــواره حلــــة | مـن وشـي صـنعاء السـري الرفيع |
| أحبــب بــه مــن زائر زاهــر | دعـا إلـى اللهـو فكنـت السـميع |
| بــــث علـــى الأرض درانيكـــه | فكــل مــا تبصــر فيهـا بـديع |
قال الوزير أبو عامر: وكتبت إلى ابن الأبار يوما بهذه الأبيات:
| قـــل لأبــي جعفــر المنتقــى | مـــن ســـر قحطـــان وخـــولان |
| انظـر إلـى الظـبي الأنيـق الذي | يختــال فــي أبــراد إحســان |
| كأنمــــا مقلتــــه بابــــل | حفـــت بســـحر الإنــس والجــان |
| كأنمــــا شــــاربه بهجــــة | زمـــرد مـــن فـــوق مرجـــان |
| كأنمــــا أردافــــه عالــــج | وقـــده غصـــن مـــن البـــان |
قال، فأجابني منها قوله:
| وابـــأبي ذاك الغـــزال الــذي | يجـــــول فــــي ســــر وإعلان |
| مقرطـــق يبســـم عـــن لؤلــؤ | رصـــــعه الحســــن بمرجــــان |
| أفـــديه مــن أحــور أجفــانه | نـــامت لكـــي تســهر أجفــاني |
| لمــا بــدا لــي جيــده متلعـا | قلــت لمــن قــد ظــل يلحـاني |
| لا فــزت منــه بجميــع المنـى | إن كـــان هـــذا عنــد رضــوان |
| مـــن أيــن للظــبي كأجفــانه | أو مثـــل ذاك الخــوط للبــان |
| مــــا هـــو إلا . . . برهـــان | وحجــة اللــوطي علــى الزانـي |
قال: وكتب إلي ابن الأبار أيضاً بهذه الأبيات:
| يـــا مفصــح الكــف واللســان | بــــالطول طـــورا والبيـــان |
| عنــــدي مـــن عنـــده فـــؤادي | ومـــن تجنيـــه قـــد برانــي |
| أظنهـــــا نومــــة لقــــردي | أو غفلـــة الغــر مــن زمــاني |
| وليــــس ســــر الســــرور إلا | ضـــــرة أخلاقــــك الحســــان |
قال فأجبته:
| يــا مالــك الســحر والبيــان | ونــــاظم الــــدر والجمـــان |
| أكـــرم بمـــولى أجــاب عبــدا | فأقبــــل الــــدهر بالأمـــان |
| وانـــتزحت دولـــة التنـــائي | واقــــتربت دولـــة التـــداني |
| وكـــل شـــيء يكـــون عنـــدي | ملكـــك يـــا نــاظر الزمــان |
| وقـــد بعثـــت المـــدام تحكــي | جـــزءا مــن اخلاقــك الحســان |
انتهى ما حكاه ابن بسام في ترجمة الوزير أبي عامر في الذخيرة
وقال في مكان آخر من الذخيرة:
فصل يشتمل على مقطوعات أبيات لجماعة من الأدباء كانوا بعصر المعتضد عباد ولم أجد لهم أشعاراً تفسح لي في طريق الاختيار، إلا ما أثبت لهم الوزير أبو عامر ابن مسلمة في عرض كتابه المترجم ب "الحديقة" فكل ما أثبت لهم في هذا الفصل فمن كتابه نسخت، ومن خط يده نقلت.
(وفيما يلي قائمة بأسماء من نقل ابن بسام شعرهم من كتاب الحديقة
الوزير أبو الأصبغ بن عبد العزيز
الوزير أبو الأصبغ بن سعيد
وأبو إسحق ابن خيرة الصباغ
وأبو بكر بن نصر الإشبيلي
محمد بن ديسم الإشبيلي
أحمد بن محمد البلمي الإشبيلي
الوزير أبو بكر ابن القوطية
@@@
وقال ابن بسام في ترجمة الوزوير أبي بكر ابن عمار بعدما ذكر قصة أقسامه:
قال ابن بسام: وكأن هذه الأقسام التي جرت على لسانه وحلف بها أجيبت عنه، فإنه لم
يرجع إلى إشبيلية بعد سفرته تلك لشيء صفا له، ولا رفا لابن عباد ولا وفى له.
وذكرت بهذه الفسام - إذ الشيء بالشيء يذكر، إذا كان من واديه، أو تعلق بألفاظه
ومعانيه - خيراً نقلته من خط الوزير أبي عامر ابن مسلمة، في كتابه المترجم ب "الحديقة"
قال: كنا يوماً في مجلس أنس مع أبي جعفر ابن الأبار، فغني بشعر الأشتر في التحريض على
معاوية، حيث يقول:
| بقيـت وفـري وانحرفـت عن العلا | ولقيــت أضــيافي بــوجه عبــوس |
| إن لـم أشـن على ابن هند غارةً | لـم تخـل يومـاً مـن نهاب نفوس |
قال أبو عامر: فسألت ابن الأبار الرد عليه، والإنضمام على السلامة من ذكر أحد، حمية للأموة وولاء إلى الحربية، فقال على الارتجال، وقد أخذت منه الجريال:
| غــادرت عرضــي عرضــة وأبحتـه | وتركــت نهــب نفــائس ونفـوس |
| وقـــذفت أم المــؤمنين تمــرداً | وكفــرت مــن حــرب بكـل رئيـس |
| إن لــم نصــبحكم بكــل مصــممٍ | وبكــل ذمـر فـي اللبـوس عبـوس |
| خيــل كأمثــال الأجــادل فوقهـا | ليــس غطــارف غامــدون لليــس |
| فــإذا كســوناكم حــداد مـآتم | أبنــا بصــافية الأديــم عـروس |
| نســقيكم خمـر الـردى بصـوارم | ونعــل مــن خمـر المنـى بكـؤوس |
قال أبو عامر: وقد سلم ابن الأبار لتلك الطائفة المردود عليها، وتخلص ألطف تخلص، على أن الاشتر ما سلم ولا كرم.
قال ابن بسام: والذي وصف الوزير أبو عامر من الحمية للأموية، وولائه لآل الحربية
صحيح، لأن جدهم الأول أبان بن عبيد المعروف بالشرخ مولى لمعاوية بن أبي سفيان،
أهدي إليه من سبي البربر، وأبان بن عبيد هو الداخل مع عبد الرحمن بن معاوية، فأنزله
بربض الرصافة من حضرة قرطبة، وتلك النزل دور يتوارثها بنو مسلمة من تاريخ دخول
عبد الرحمن إلى وقتنا هذا، لها بأيديهم نيف على أربعمائة سنة.