سنعمد في ترجمة هذا البحر إلى تصوير موقف أئمة العروض من عروض الخليل
من خلال تقديم البحر البسيط كما عرفه الإمام الجوهري لنعطي للقراء فكرة ملخصة
عن تاريخ الدعوة للخروج على عروض الخليل منذ المحاولة الأولى التي شنها أبو
محمد العروضي الكوفي وما تلا ذلك من مساهمات أبي العباس الناشئ الأنباري
= 293 هجرية = وعلي بن هارون المنجم = 362 هجرية = وحازم القرطاجني وآخرين.
والإمام الجوهري هذا هو أبو النصر الفارابي إسماعيل بن حماد صاحب كتاب الصحاح
في اللغة ، وقد شارك الفيلسوف الفارابي في كنيته ونسبته !
وكان المؤرخون قد عجزوا عن تحديد سنة وفاته حتى رأى ياقوت الحموي قائلاً
يقول له في المنام : مات إسماعيل بن حماد الجوهري سنة ست وثمانين وثلاثمائة
مع أن في سبب وفاته ما لو كان صحيحا لأرخت الناس به
يقال : أنه صنع طائرة من خشب وصعد بها الجبل ونادى هلمّوا لقد صنعت عجباً
وألقى بنفسه في الوادي ظناً منه أنه يطير فكان ذلك سبب موته
وهو في الأعلام للزركلي من وفيات سنة 393 وفي إنباه الرواة سنة 398 .
وقد ناصرت الجوهري طائفة من العروضيين قديماً وحديثاً ،فأثنى ابن رشيق في العمدة
= ج 1 ص 88 = على اجتهاد الجوهري في تنمية العروض وإعطائه كما يقول الخفاجي
الصورة النهائية لفن العروض بعد الخليل وآثر مذهب الجوهري في اختزال البحور
فهي عندهما اثنا عشر بحراً = انظر العمدة ج2 ص232 =
جمع الجوهري مخالفاته لعروض الخليل في كتاب سماه "الورقة" وهو مطبوع مشهور ،
عمد فيه إلى التخفيف على الناس فجعل البحور اثني عشر بحراً ، مسقطاً السريع
والمنسرح والمجتث والمقتضب .
حيث عد السريع في مجازيء البسيط وعد المقتضب والمنسرح في مجازيء الرجز
وعد المجتث في مجازيء الخفيف
وقال : إما أن يكون لكل مجزوء بحر ، أو لا يكون ذلك لواحد منها
ثم اختصر تلك البحور إلى سبعة أبحر تستخرج منها خمسة مركبات
ثم نظر بين الزحافات والعلل وكيف تنقلب الأسباب أوتاداً في المضارع والخفيف
فاخترع تعريفاً جديداً للزحاف سقطت بموجبه العلل من قائمة عروضه فقال :
( والزحاف : كل تغيير يلحق الجزء من الأجزاء السبعة من زيادة أو نقصان )
قال ذلك لأن الزحاف عند الخليل يلحق الحرف الثاني والرابع في التفعيلات متأخرة
الأوتاد = إلا ما استثناه من الخفيف والمضارع = والخامس والسابع في التفعيلات التي
تتقدم فيها الأوتاد = أي فعولن ومفاعيلن ومفاعلتن =
وما زاد الطين بلة أنه اعتمد كل تسميات الخليل للزحافات والعلل بعدما جعلها شيئاً
واحداً ، فطالت تسمياته ونعوته للبحور ومجازيئها التي حشرها فيها كما أملته عليه
نظريته الجديدة فخرج بالتعقيد أكثر مما كان يطمح إليه من التجديد ، شأن الكثيرين
ممن حاولوا الخروج على عروض الخليل من مستشرقين وعرب وأعاجم
من ذلك ما تقدم به المستشرق " أولد " من مشروع رد العروض العربي إلى أصول
العروض اليوناني كما بين " ريت " في الجزء الثاني من كتابه " قواعد اللغة العربية "
قال الخفاجي في كتابه " النغم الشعري عند العرب " : وقد اكتفى " أولد " برد العروض
العربي إلى المقاطع الكمية دون أن يبصرنا بالإيقاع ، إذ الكم لا يكفي لإدراك موسيقى
الشعر ، بل لابد من الارتكاز الشعري الذي يقع على كل تفعيلة ويعود في نفس الموضع
على التفعيل التالي ، وهكذا
وأشار إلى محاولة الفرنسي جويار = سيأتي الحديث عنه = تطبيق مواضعات
الموسيقى على الشعر العربي
وقدم وصفاً مختصراً لمشروع جديد تقدم به باحث عراقي لم يسمه استطاع في بحثه
الطويل والذي جاء في زهاء ستمائة صفحة أن يرد دوائر الخليل كلها إلى دائرة واحدة
هي تفعيلة " فع لن " المقطوعة التي يعبر عنها بدق الناقوس
لكنه جعل هذا المعيار الأساسي لوزن الشعر عرضة لتغيير بعض الوحدات القياسية
فيه فأجاز حذف النون لتبقى الدال " د " وتحريك النون الساكنة تحريكاً وقتياً وطارئاً
بوضع علامة الفتح عليها وبذلك توصل إلى التحكم بالنقرات الثلاث الخفيفة والثقيلة
والصامتة ومن هذه النقرات الثلاث تتألف الأوزان الشعرية عند العرب
قال : وهذه النقرات كلها إذا وضعت على دائرة واحدة وبنظام خاص لتكون تسعاً
وعشرين نقرة تتجمع منها كل الألحان وأوزان الشعر المستعملة وغير المستعملة
ولتكون لهذه النقرات سيمياؤها وإغراؤها فإنها كما يقول بعدد أحرف الهجاء !
ومثل ذلك ما تقدم به الدكتور كمال أبو ديب في كتابه " في البيئة الإيقاعية للشعر
العربي " قال في الباب الذي عنونه بقوله " نحو بديل جذري لعروض الخليل "
ص 43 ( إن الخليل قام بمحاولة لوصف نماذج الإيقاع ووحداته المكونة كما بدت له
ولم يقدم تقعيداً علمياً لما يجب أن يكون عليه الإيقاع في الشعر العربي )
وأشار إلى عجز الدارسين عن تحسس الدور الحيوي للإيقاع في قصائد عديدة
لأبي تمام والمتنبي ، وعجزهم عن التفريق بين إيقاع قصيدة رائعة وأخرى سيئة
مكتفين بالقول إن كلّاً منهما جاءت على وزن الطويل أو الخفيف أو غيرهما
وهكذا وعبر 543 صفحة قدم نظرية جديدة أراح الناس بها من كل بحور الخليل
مقابل الرضا بالاكتفاء بالوحدتين الإيقاعيتين " فعولن وفاعلن " بتحولاتهما الممكنة
من خلال اعتماد ظاهرة رياضية كما يقول وهي تغيير الإيقاع باستحداث ما نشاء
من النواة " فا " في سياق " علن " ! !
ومن ذلك ما تقدم به المستشرق الفرنسي " ستانيسيلاس جويار في كتابه
" نظرية جديدة في ميزان الشعر العربي " أعرب في مقدمته عن قلة ثقته بالعلماء
العرب واستبعاده أن يأتي على يدهم ما من شأنه أن يلقي الضوء على الإيقاع في الشعر
العربي وذهب فيه ص 39 إلى أن شعر العرب غير موزون وغير موقع ، وسخر من
العرب كيف يجزمون أن شعرهم لغة موزونة موقعة ، وقد تصدى للرد عليه محمد
العياشي في كتابه " نظرية إيقاع الشعر العربي " إلا أنه حمل في كتابه حملة شعواء
على الخليل بن أحمد وعروضه وأتى بنظرية الاهتضام في الإيقاع لتحل محل زحافات
الخليل ودوائره ، وسفه الخليل وكل ما يمت إليه بصلة مستعملاً كل ما وقعت عليه يده
من مفردات التهكم والازدراء فمن ذلك قوله : ( ولا تخشع له = أي للخليل = إلا قلوب
البله من العامة والسذّج البسطاء ..فقد عمد إلى أعوص الأوزان فسماه المنسرح
وكان من الأنسب أن يسميه المستعصي أو الملتوي أو المحجر كما هو في الموسيقى،
اللهم إلا إذا أراد له التفاؤل .. وقاده ركوب الهوى للوقوع في الخلط الشنيع والفشل الذريع ،
فعمد إلى بحر مستقل فقضى عليه بالتبعية لبحر آخر وسماه مخلع البسيط وهما مختلفان
كل الاختلاف بحيث لا يشبه أحدهما الآخر إلا كما يشبه العلجوم ابن عرس .. وبسبب
عروضه اشتبه الكامل والرجز على أتباعه الذين ملئوا أعينهم بخزعبلاته مع أن الرجز
لا يشبه الكامل إلا بقدر ما يشبه السرطان ابن آوى .. ونتج عن ذلك أن فسدت إيقاعات
كالطويل والبسيط أو حرفت كالخفيف أو ضاعت كالأقصاق لأن الشعر المنظوم فيها لم
يصل إلى الخليل ، وحصل كل ذلك ولم يشعر الشعراء به ولا الخليل نفسه ولا تلاميذه
المنتحلون لطريقته من بعده ..وتلك هي البحور التي غامر فيها الخليل ، حتى إذا
تنازعته اللجج وتقاذفته الأمواج راح يستنصر الدوائر ويستصرخ التفاعيل لعله يسحر
بها عيون الناس ، ولكن خذلته التفاعيل ودارت عليه الدوائر ، ولم يزل يعالج العلة
موقوفاً مقطوفاً مكسوفاً حتى عاجلته التيارات الزاحفة من هاهنا وهاهنا فكفته ولفته
وخبلته وعقلته فكان أول المسحورين وما ذلك إلا لأنه نظر إلى الأوزان نظرة خاطئة
وعاملها معاملة النحاة لمسائل النحو والصرف : ألا ترى أنه يقسم البحور إلى خماسية
وسباعية باعتبار عدد الحروف التي تضمنتها التفعيلة ؟ ولئن كان لهذا التقسيم معنى في
الصرف فإنه مما لا معنى له في الإيقاع الشعري لأن العبرة فيه ليست بالحروف
وعددها ولكن بمقاطع الألفاظ .. = إلى أن قال = وأظن أن المستشرق فريتاق هو الذي
أعطى للمقطع الممدود = يقصد الحرف المتحرك الذي يليه ساكن = علامة
( ـ ) وللمقطع المقصور = الحرف المتحرك الذي يليه متحرك = علامة ( س )
وهذه الطريقة أحسن من الطريقة التقليدية بكثير ولكن العرب تمسكوا بالطريقة العتيقة
جهلاً منهم بفضل ما هو أفضل أو تعصباً للسنة الموروثة ، وهما أمران خيرهما ذميم .
وانتهى أخيراً إلى ما حكم به على العروض أنه علم قائم على أسس واهية متداعية لم
يجتمع من العيوب في علم من العلوم ما اجتمع فيه على وجه الدهر )
ونعلق هنا باختصار على شتائم العياشي بأن العروض حقيقة فنية قائمة بين الإيقاع
والموسيقى ، وهي شيء أرقى من رتابة الإيقاع فلذلك ربما تخبط فيها من استسلمت
نفسه لقوانين الإيقاع وهي شيء أقصر باعاً من الموسيقى ولذلك قد تفتقر لمعونتها فيما
تتعرض له من العقبات
ولا نريد أن نرد على العياشي هنا نظريته التي هدته إلى أن المتقارب ضرب من الخبب
دخله التنويع حسب نظريته ولكن نريد أن نظهر إلى أي مدى كان من ضحايا الإيقاع
عندماً عقد في كتابه فصلاً للبحور التي اكتشف بعضها بزعمه فقال فيما سماه بالبحر
الثقيل : وقد يكون وقع استنباطه في القرون الأخيرة ومنه الموشح الشرقي المعروف
| أحــــن شــــوقاً إلـــى ديـــارٍ | رأيـــت فيهـــا جمـــال ســلمى |
قال : والشعراء لم يستعملوه رغم ما له من القيم الجمالية فراراً من الأسر
ولكن هذا الذي سماه بالبحر الثقيل هو نفسه مخلع البسيط ، وقد امتلأت كتب العروض
بالشواهد على هذا الوزن الذي زعم أن الشعراء قد تحاشوه فراراً من الأسر
مع أن العياشي عدَّ المخلع ص 229 في الأبحار التي طالب باختراع أسماء جديدة لها
واقترح تسميته بالدارس
ولكن لابد أيضاً من إنصاف العياشي حيث أنه قدم نظرية مستقلة كل الاستقلال عن
عروض الخليل ولعله لو أدخلت نظريته في مجال التطبيق والتعليم المدرسي لأثمرت
أكثر مما يثمر عروض الخليل
والذي يبدو لي أن كل هذه التخبطات التي رافقت تلقي عروض الخليل كانت بسبب
ضياع مؤلفاته في الإيقاع والموسيقى
فقد استخرج الخليل عروضه كما يقول ياقوت من علم الإيقاع وكان ملماً به وله فيه
تآليف لم تصلنا
وأنا أضيف هنا أن كتاب الخليل في العروض أيضاً لم يصلنا ولا أراه وصل عصر
ياقوت ، ولو لم يكن قد فقد منذ زمن مبكر لما اختلف كبار العروضيين في تسمية دائرة
المشتبه والمجتلب ولرجعوا في ذلك إلى كتاب الخليل
قال التبريزي بعدما جعل المشتبه دائرة الهزج : وسميت بالمشتبه لأن أجزاءها متماثلة
وجعل المجتلب دائرة السريع قال : وسميت بالمجتلب لكثرة أبحرها لأن الجلب في اللغة
الكثرة وكذا فعل الزمخشري
أما ابن جني فجعل المجتلب دائرة الهزج وقال : سميت بذلك لأن جميع أجزائها مجتلبة
من الدائرة الأولى وكذلك فعل ابن عبد ربه في العقد الفريد والسكاكي في مفتاح العلوم
قال بعدما جعل المشتبه دائرة السريع : وسميت بذلك لوجود " مستفع لن " و " فاع لاتن
" فيها التي يشتبه فيها بينها وبين مستفعلن وفاعلاتن
ومن هنا قال الشهابي =ياسين بن حمزة المتوفى بعد عام 1086 هجرية = في كتابه
" الجوهرة " بعدما ذكر دائرة المجتلب :
| وبعـــــدها دائرة المشـــــتبه | واختــار عكســاً بعضـهم فـانتبه |
لذلك كله سوف ألخص هنا حاجة العروض للإيقاع وواجب الإيقاع من مراعاة العروض
ويمكن تجسيد ذلك في الكتابة العروضية لإظهار تلك العلاقة فما هي في حقيقتها إلا
نمط من أنماط كتابة الإيقاع وتحديد هويته .
فإذا أردنا تقطيع قول الشاعر ( أنا فيه لي شفة وفم )
لم نستطع تقطيعه إلا بالنظر إلى الإيقاع لأنه متقارب ومتدارك وكامل
وكلما حذفت من آخره جزءاً كلما برزت الحاجة إلى الإيقاع
فإذا بقي ( أنا فيه لي ) فهي ليست من المتقارب والكامل فحسب بل هي ثلثا البحور
ولا يفصل في ذلك إلا الإيقاع .
وهذا ما دعى الخليل بن أحمد فيما أرى إلى استحداث نظرية الأسباب والأوتاد
وتأخيرها وتقديما ليستوعب بذلك أنماط الإيقاع
فإن قطَّعت ( أنا فيه لي ) على أنها كامل وجب عليك إسقاط الألف وإسقاط الإشباع
الذي يلحق الهاء فتكتب ( أنفيهلي ) متفاعلن وإيقاعها ( تك تك دم تك دم )
وإن قطعتها على أنها وافر أو هزج وجب عليك أن تطلق الألف وتشبع الهاء
وتكتبها ( أنا فيهي ) مفاعيلن وإيقاعها ( تك دم دم دم )
وإن قطعتها على أنها رمل وجب عليك إسقاط الألف والإبقاء على الإشباع
وتكتبها ( أنفيهي ) فعلاتن وإيقاعها ( تك تك دم دم )
وإن قطعتها على أنها متقارب وجب عليك إطلاق الألف وحذف الإشباع
وتكتبها ( أنا في/ هليش / فتنوَ / فمو ) فعولن فعول فعول فعو وإيقاعها ( تك دم دم )
وإن قطعتها على أنها متدارك وجب عليك حذف الألف وزيادة إشباع الهاء
وتكتبها ( أنفي هيلي ) فعلن فع لن وإيقاعها ( تك تك دم ) (دم دم )
وإن قطعتها على أنها مقتضب وجب عليك تليين الألف وجعل حركة الهاء كسرة
وتكتبها ( أنا فيهِ ) معولات وإيقاعها ( تك دم دم تك )
وإن أرت أن تقطعها على أنها خفيف أو مديد فعلت ما فعلت في الرمل
وإن أردت أن تقطعها على أنها طويل فعلت ما فعلت في المتقارب
وأما بحور مستفعلن فلا مدخل لها في هذا الإيقاع لأن ثالث هذا الإيقاع ( دم )
وهو يستحيل في مستفعلن لأن ذلك يقلبها مفاعيلن ، وقد ساغ ذلك في متفاعلن لأنها
من التفعيلات ذوات الإيقاعين هي ومفاعلتن ، حيث يمكن فيهما أن يكون ثالثهما = دم
أو تك =
والنظرية التي أتى بها الخليل وسماها العروض هي هذه الأشياء التي تحذف أو يمتنع
حذفها وقد بين ذلك في تفاصيل طويلة في باب الأوتاد والأسباب والزحافات والعلل .
لذلك فإن الدعوة لجعل النقرات الموسيقية الثلاث أساساً للعروض ليست في الحقيقة إلا
دعوة للأخذ بعروض الخليل وإن ظن أصحابها أنها دعوة لشيء آخر .
إلا أن البون شاسع كما ترى بين محاولات المعاصرين في التخلص من عروض الخليل ومحاولة الجوهري التخفيف عن الناس فيه ، إضافة إلى ما افتتح به حديثه عن كل بحر من بيان ما هو قديم وما هو مستحدث من أنواعه الثمانية والسداسية والرباعية وهي تدل على اضطلاع بالأدب وكتبه وإن كان الكثير منها بحاجة إلى مراجعة وتثبت.
قال في البسيط : وهو مثمن قديم ، مسدس قديم ، مربع محدث
وقال وهو يعدد أنواع سداسي البسيط : ومنه ما سماه الخليل السريع ومثاله
| هـاج الهـوى رسـم بـذات الغضـا | مخلولــــق مســــتعجم محْــــولُ |
قال : وقد نقص منه " فاعلن " الأولى والثالثة
وبمثل هذه الطريقة جعل المنسرح ضرباً من الرجز فقال : ويجوز تفريق الوتد
فيصير " مستفعنْلُ " وهو الذي يسميه الخليل المنسرح
@ مخلَّع البسيط
وهو الذي زعم حازم القرطاجني أنه اخترعه وسماه " اللاحق "
وأكبر الظن أن الذي ابتكر هذه التسمية هو الإمام الجوهري ، ويرجح هذا الظن أن كل الذين سبقوه من أئمة العروض لم يستعملوا هذا المصطلح كصاحب العقد الفريد = ت 328 = فإنه لما أتى في الفصل الذي تناول فيه العروض على وزن المخلع سماه
المجزوء المقطوع ، ولكن العجب أن أبا العلاء أيضاً = وفي لزومياته سبعة وعشرون مخلعاً = لم تصله هذه التسمية كما يظهر ذلك في معالجته لوزن المخلع وهو الذي لم تفته في العروض فائتة ، حتى ما كان منها في كتب قدامة بن جعفر وننتهز الفرصة هنا لعرض نماذج من ملاحظاته العروضية التي ضمنها سخرياته في اللزوميات والسقط.
من ذلك قوله :
| وإن ألـق شـكوي ألقـه تحـت خفية | كجــزء بسـيط أولٍّ مـسَّ بـالخَبنِ |
وقوله :
| قصـرت أن تـدرك العليـاء في شرف | إن القصـائد لـم يلحق بها الرجز |
وقوله :
| بقــائي الطويــل وغيـي البسـيط | وأصــــبحت مضــــطرباً كـــالرجز |
وقوله :
| فلـو كنـت شـعراً كنت أحسن منشد | سـليم القـوافي لا زحـافٌ ولا خرم |
وقوله :
| تقلبنــا الأيـام فـي كـل وجهـة | كتقليـب وزن فـي فلـوك الدوائر |
وقوله :
| لــو نطــق الــدهر هجـا أهلـه | كــــأنه الرومـــي أو دِعبـــلُ |
| وفــــــاعلاتن ومفاعيلهــــــا | تكـــفُّ فــي الــوزن ولا تخبــلُ |
وقوله :
| كصـحيحة الأوزان زادتهـا القـوى | حرفــاً فبـان لسـامع نكراؤهـا |
وقوله :
| بنيـت علـى الإيطـاء سالمة من إل | إقـــواء والإكفـــاء والإصـــراف |
وقوله :
| ودادي لكـم لـم ينقسم وهو كامل | كمشـــطور وزن ليــس بالمتصــرِّع |
وقوله :
| تغشـى النـوائب حلـي وهي رازحة | كالشـعر يلقى زحافاً بعدما نُهكا |
وقوله :
| والسـيف إن قال أبدى نبأةً عجباً | فـي وزن حرفين لم يكثر ولم يطل |
أي قال : قب ، وهو صوت السيف عند وقوعه على الرأس كما ذكر الجاحظ في البيان والتبيين.
وقوله :
| غـدوتُ أسـيراً فـي الزمـان كأنني | عــروض طويـلٍ قبضـها ليـس يبسـط |
ويريد الإشارة إلى أن " مفاعيلن " التي تقع في آخر الصدر لا يصح أن تأتي إلا بحذف الياء = وهو القبض عند العروضيين =
وقوله :
| وأســباب المنــى أســباب شــعر | كففــن بعلــم ربــك أو قبضـنه |
أراد أن يقول : لقد تقطعت كل أسباب المنى لأن " الكف " سقوط النون من مفاعيلن
و "القبض " سقوط الياء وهما ساكنا السببين من مفاعيلن
وقوله :
| شــر الحيــاة بســيطة مذمومــة | عمـدت لهـا بالسـوء كـف الغـالث |
| وســلامة كســلامة الجــزء الــذي | بالضـرب لُـزَّ مـن الطويـل الثالث |
والمعروف أن للطويل عدة أوزان تعرف باختلاف ضروبها =أي آخر تفعيلة في البيت= وضرب الطويل الثالث " فعول " فأيُّ زحافٍ يطرأ عليها يخرب بيتها ..
وأراد بذلك أنها أضعف السلامة
وقوله :
| إذا المنهـوك فهـتَ بـه انتصـاراً | لــه مــن غيــره فضـل الطـويلا |
| وأنــت فكــاك دائرتَــيْ عــروضٍ | وهندســة حللــت بهــا الشـُكولا |
والمنهوك أقصر الأوزان
وقوله :
| وقد يخطئ الرأي الفتى وهو حازمٌ | كمـا اختلَّ في نظم القريض عَبيد |
وأراد بذلك بائية عبيد بن الأبرص التي سيأتي الكلام عليها
وقد أشار إلى قصيدة عبيد مرة أخرى بقوله :
| ويصــبح منثــور البلـى كنظيمـة | بناهـا عبيـد لا يقيم لها وزنا |
وقوله :
| فــإن الطويــل نجيــب البحـور | أخـــوه المديــد ولــم ينجــبِ |
وهي أقدم ملاحظة سجلت على وحشة البحر المديد، فيما بين أيدينا من كتب العروض
= انظر تفصيل ذلك في الكلام على البحر المديد =
وقوله :
| عـش يا ابن آدم عدة الوزن الذي | يُــدعى الطويـل ولا تجـوز ذلكـا |
| فــإذا بلغـت وأربعيـن ثمانيـاً | فحيــاة مثلـك أن يوسـد هالكـا |
وقوله في شكوى الحياة :
| وقــد طـوتني كـأني ضـرب منسـرحٍ | فيــا لطــيٍّ لطــيٍّ غيـر منتشـر |
وأراد بذلك ما اتفق عليه العروضيون من وجوب طي ( مستفعلن ) الأخيرة
في المنسرح = أي حذف الفاء منها = انظر تفصيل ذلك في مقدمة المنسرح
وقوله:
| أخــو الحـرب كـالوافر الـدائريِّ | أَعْضـــَبُ فــي الخطــب أو أعقــصُ |
| يـــري كامـــل ســـلمه كـــاملاً | فيخــزل فــي الــدهر أو يُـوقصُ |
| وإنــــك مقتضــــبٌ الشــــعر لا | يـــــزاد بحــــالٍ ولا يُنقــــصُ |
والأبيات بحاجة إلى تفسير مملّ ، فقد أراد في البيت الأول والثاني تشبيه حالة الإنسان المحارب الذي قضى معظم حياته في الحرب بأحوال هذين البحرين فإنه لابد من أن يكون قد فقد شيئاً من أطرافه ، وشأنه شأن البحر الوافر ، ربما جاء أعضب بل ربما جاء أعقص.
والعضب سقوط الحرف الأول من مفاعلتن
والعقص اجتماع العضب والنقص فيها
والنقص اجتماع العصب والكف
والعصب تسكين الخامس
والكف حذف السابع
ليبقى بعد كل هذا " فاعلْت "
وكذلك الكامل فإنه يتعرض في بعض أحوال للخزل والوقص
والخزل : اجتماع الإضمار والطي فيبقى مفتعلن
والوقص : سقوط الحرف الثاني فيبقى مفاعلن
وأراد بالبيت الثالث تشبيه حالة الرجل المسالم بأنه أشبه بالبحر المقتضب
ذلك أن العروضيين أوجبوا فيه قاعدة لا يشاركه فيها غيره فقالوا : إن عدة حروفه
أربعة وعشرون لا تزيد ولا تنقص
وقد كرر أبو العلاء الصورة السابقة في الصاهل والشاحج فقال : ( على أن ابن آدم
قد يخالف اللفظ في هذه الرتبة فيجتمع فيه من العلل الكثيرة ، ومثله في ذلك مثل البيت من الموزون يجوز أن يجتمع فيه زحاف وخرم وحذف ملازم وضرورة شعر ، وقد روي أن عطاء بن أبي رباح المكي كان أعور أشلّ أعرج ، ثم عمي وأقعد )
وقوله :
| مغـــــانيه محيلات المعــــاني | كــبيت الشــعر قطــع بــالعروض |
ويريد ما اعتاده الشعراء من وصف رسوم أحبتهم وأطلالهم بأنها أصبحت منكرة
قد تغير كل شيء فيها كما يتغير بيت الشعر إذا أجريت عليه التقطيع العروضي
فكيف تقرأ البيت الآتي
| سـقللا هربعيـأم معمـرن وإنعفـت | مغـاني هما سححن منلوب لهططالا |
إنه البيت :
| سقى الله ربعَيْ أمِّ عمروٍ وإن عفت | مغانيهمـا سـحّاً مـن الوبل هطّالا |
وقوله :
| تـــولَّى الخليـــلُ إلــى ربِّــه | وخلّــــى العــــروضَ لأربابهـــا |
وأراد بذلك أنه لم يقل الكلمة الفصل في بعض مواضيع العروض كالمتدارك
وترك العروض لمن لا يجيد القول فيه ، ويلمح أبو العلاء بهذا إلى قوله :
| مضــى قَيْــلُ مصــر إلــى ربــه | وخلّــــى السياســــة للخـــائل |
| ستصــغي إلــى الميــن أسـماعنا | ونصـــبو إلــى زخــرف القــائل |
هذه بعض آراء أبي العلاء في العروض ، بل هي بعض مفاكهاته لأننا لم نتطرق فيها
إلا لما ورد منها في شعره ولو رجعنا إلى كتبه النثرية لتطلّب ذلك عشرات الصفحات
وفي كل هذا ما يدل أن عدم استخدام أبي العلاء لمصطلح " المخلع " في صدد حديثه
عن وزنه دليل على أن هذه التسمية لم تصله ولم يسمع بها.
قال مؤلف " المدارس العروضية " في حديثه عن البحر اللاحق ص 563 : (وهو وزن من أوزان الشعر المستحدثة ، استحدثه حازم القرطاجني ويضارع مخلع البسيط ويتألف من أربعة أجزاء ساذجة تساعية ،وهي
| مســــــتفعلاتن مســــــتفعلاتن | مســــــتفعلاتن مســـــتفعلاتن |
)
أنكر حازم أن يأتي البسيط والطويل مجزوأين ، وردَّ مجزوآت البسيط إلى المجتث
وهي
| مســـتفعلن فـــاعلن مســـتفعلن | مســـتفعلن فـــاعلن مســـتفعلن |
| مســـتفعلن فـــاعلن مســـتفعلن | مســـتفعلن فـــاعلن مســـتفعلان |
| مســـتفعلن فـــاعلن مســـتفعلن | مســــتفعلن فـــاعلن مفعـــولن |
| مســـتفعلن فـــاعلن مفعـــولن | مســــتفعلن فـــاعلن مفعـــولن |
وأما المخلع وهو عند العامة
| مســــتفعلن فــــاعلن فعـــولن | مســــتفعلن فـــاعلن فعـــولن |
فقد جعله قائماً بنفسه وجعل تفعيلاته
| مســــــتفعلاتن مســــــتفعلاتن | مســــــتفعلاتن مســــــتفعلاتن |
وسماه اللاحق
وهو ذات البحر الذي وقعت نازك الملائكة في شباكه عندما زعمت أيضاً أنها اكتشفت
بحراً جديداً وشرعت تكتب على عروضه وتدعو الناس للكتابة فيه ونشرت قصة
اكتشافها للبحر في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " أعلنت فيه أنها وقفت عام 1974 م
على ابتكار وزن صاف جديد هو
| مســـــــتفعلاتن مســــــتفعلاتن | مســــــتفعلاتن مســــــتفعلاتن |
حتى همدت الزوبعة عندما قام من أخبرها أن واحداً من رجال القرن السابع الهجري
يقال له حازم القرطاجني قد سبقها إلى ذلك وكان هو أيضاً مسبوقاً ، لا بقصيدة
وقصيدتين ، بل بما لا يحصى من الشعر وحسبك أن تعلم أن الحصري المتوفى عام
488هـ له ديوان سماه " اقتراح القريح " وقد جعله برمته على المخلع مرتباً على
حروف المعجم
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النقاد عثروا على هذا الوزن في قصيدة عبيد بن الأبرص
البائية المشهورة باختلال أوزانها والتي وصفها السكاكي في " مفتاح العلوم " بقوله :
( وهي عندي من عجائب الدنيا في اختلافها في الوزن ، والأولى أن تلحق بالخطب كما
هو رأي كثير من الفضلاء )
وبائية عبيد هذه هي المعلقة العاشرة عندهم .
قال صاحب الجديد في العروض ص 29 : ولا ندري كيف عدت كذلك إذ أن هذه
القصيدة لم يكن لها أي اعتبار فني ، ثم إنها مخالفة للعروض فمن العروضيين من
جعلها من مخلع البسيط كقوله :
| فراكــــــــس فثعيلبـــــــات | فــــذات فرقيــــن فـــالقليب |
ولكن القصيدة لم تستمر على هذا الشكل ، بل كانت تتغير إلى أن تصل إلى أبيات لا
يمكن أن تعد من مخلع البسيط ، ولكن جاء رأي من رأى على أن هذه القصيدة من
مخلع البسيط هو لحيرته في أمرها
قال : وهناك طريقة أخرى وهي طريقة الآلات الحاسبة التي اكتشفها الدكتور محمد
طارق الكاتب ، حيث استعمل أوزان الشعر العربي بالأرقام الثنائية ، وله أثر في
الكشف عن وزن قصيدة عبيد ولو أن رأيه لم يكن واضحاً كل الوضوح
حيث ذهب إلى أن ابن الأبرص كتب القصيدة بحسابه عدد الأحرف والتزامه بها في
بعض الأبيات .
أضف إلى ذلك أن في شعر أبي نواس وأبي العتاهية وابن الرومي وطبقتهما الكثير من
المخلع .، منها مخلع سعيد بن وهب
| رئمــــان جــــاءا فحكَّمــــاني | لا حكـــــم قــــاضٍ ولا أميــــر |
ومنها في ديوان ابن الرومي القصيدة 1548 ج 5 ص2004
وفيها قوله : مستفعلن فاعلن فعولن
وفي هذا ما يحسم الجدل في أن هذا الوزن كان معروفاً وبنفس هذه
التقطيع قبل عصر ابن الرومي
ومسألة الخلاف حول المخلع مبنية على التفعيلة الثالثة : هل هي
مفعولن أم فعولن
فقد ذهب الشيخ جلال إلى نصرة المذهب القائل أن المخلع الصافي
هو مفعولن ورد " فعولن " إلى المنسرح
قال في صدد حديثه عن المنسرح الخامس ص 471: ( وهو ما أطلق عليه العروضيون
لقب " مخلع البسيط " كما سموه المكبول والوجيز وقال الحفناوي في : وقد أولع به
المولدون كثيراً لعذوبته وسلاسته . وبعضهم عده من أقسام البسيط ونماذجه ولكنا نراه
من المنسرح لا غير وإن صلته بالمنسرح ظاهرة الوضوح وقد أبى الذوق الأدبي
الشعري السليم إلا أن يجر كلاًّ من الدكتور صفاء خلوصي الشاعر والمؤلف العروضي
إلى أن يعد قول أبي العتاهية = لا عذر لي قد أتى المشيب = من المنسرح
والدكتور إبراهيم أنيس مؤلف " موسيقى الشعر " إلى عد قول أبي العتاهية
= الله أعلى يداً واكبر = من المنسرح
وقد أنكر عليهما الأستاذ عبد الحميد الراضي مستبعداً الشقة بين المنسرح والمخلع
= شرح تحفة الخليل 240 =
ولكن عند إدراك أن البسيط منتزع من المنسرح لا يكون هناك ما يدعو إلى الارتياب
في علاقة المنسرح بالمخلع والمخلع بالمنسرح
قال : ونريد بالمخلع هذا النمط من الوزن لا غير
أما النمط الآخر فقد أبقيناه على تسميته وانتسابه ، وهو ما مثل له العروضيون بالبيت
التالي
| مـــا هيــج الشــوق مــن أطلال | أضــحت قفــاراً كــوحي الـواحي |
ونعلق على قول الشيخ جلال بقولنا :
إن رد " مستفعلن فاعلن فعولن " إلى المنسرح لا غبار عليه من جهة الوزن
وأما اصطلاحاً : فالمعتمد في كتب العروض والأدب تسميته بمخلع البسيط وهو الوزن
الذي اختاره أبو العلاء في " الصاهل والشاحج "
قال : ( والضروب الثلاثة الأخيرة من البسيط فيهن انكسار وضعف وركاكة ، وهذه
الأوزان الثلاثة لا يستعملها المحدثون إلا أن يخبنوا الثالث منها في العروض والضرب
وإذا قدم عهد الشاعر كان ديوانه مظنة لمثل هذه الأوزان النادرة وما أفلح وزن منها قط
ولا يجيء حسناً في السمع إلا أن يلحقه بعض التغيير عما هو في الأصل
فمن ذلك قول عبيد :
| تصــبو وأنــى لهــا التصــابي | أنـــى وقـــد راعـــك المشــيبُ |
| مـــن يســأل النــاس يحرمــوه | وســــائل اللــــه لا يخيــــبُ |
فهذان البيتان إنما حسنا في الوزن لأجل شيء سقط منهما ، فقبلتهما الغريزة الخالصة
ألا ترى قوله :
| والمــرء مــا عــاش فـي تكـذيب | طـــول الحيـــاة لــه تعــذيبُ |
كيف هو مخالف لهذين البيتين )
ووزن هذا البيت الذي استثقله أبو العلاء هو نفسه الوزن الذي سماه الشيخ جلال
وآخرون المخلع الصافي
وقد نص الدماميني على أن " فعولن " من ضروب المخلع بقوله في " العيون الفاخرة "
معلقاً على البيت
| أصـــبحتُ والشــيب قــد علانــي | أدعــو حثيثــاً إلــى الخضــاب |
: وهذا هو المسمى عندهم بالمخلع . والمولدون التزموا الخبن في هذه العروض
وضربها لحسن ذوقه ، وهو من لزوم ما لا يلزم
أما قول الدماميني :( وقد جاء في مخلع البسيط " مفعولن " مكان " فعولن " وهو شاذ )
فهو كلام مختل لأنه استشهد لذلك بالبيت
| فســــر بـــودٍّ وســـر بكـــرهٍ | مـــا ســارت الــذلل الســراعُ |
انظر العيون الفاخرة طبعة البابي الحلبي ص 56
وقد جاءت عبارته في طبعة الخانجي ( وقد جاء في المخلع مفعولن مكان فاعلن . . .
الخ ) وهي أيضاً عبارة مضطربة
وتقطيع البيت يقتضي أن يكون الكلام :
وقد جاء في المخلع " فعلن " مكان " فاعلن "
وقد نص الجوهري على أن خبن مفعولن إلى فعولن من جوازات المخلع قال : (
والتخليع : قطع مستفعلن في العروض والضرب جميعاً فينقلان إلى مفعولن فيسمى
البيت مخلعاً وبيته
| مـــا هيـــج الشــوق مــن أطلال | أضــحت قفــاراً كــوحي الــواحي |
ويجوز خبن مفعولن . . لتبقى فعولن )
قال في التاج : والمخلع من الشعر مفعولن في الضرب السادس من البسيط وسمي بذلك
لأنه خلعت أوتاده في ضروبه وعروضه إلا أن اسم التخليع لحقه بقطع نون " مستفعلن "
لأنها من البيت كاليدين فكأنهما يداه خلعتا منه
ويذكر هنا أن السكاكي في " مفتاح العلوم " سمى كل مجازيء البسيط مخلعات
ومما تجدر الإشارة إليه في المخلعات أن معظم مخلعات ابن فركون جاءت أعجازها
" مستفعلاتن متفعلن "
وهو ما عده الشيخ جلال من البسيط التاسع وقطعه
" مستفعلن فاعلن فعلْ"
إلا أن صدورها " مستفعلاتن مستفعلاتن "
وهو نمط لم يذكره الشيخ جلال وقد فاته أيضاً أن يعد في مجازيء البسيط مجزوء حسن حسني الطويراني وهو ( مستفعلن فاعلن فاعلن )
وله على هذا الوزن قطعتان ، الأولى قوله :
| إن جئت أرض الصــــعيد احــــترز | مــن مائهــا بــل ومــن تربهـا |
والثانية قوله :
| لمـــا خلونـــا وطــاب اللقــا | والقـــرب عنــا أبــان النــوى |
وهو أقرب ما يكون إلى ما عده جلال من البسيط الثامن
وننبه أيضاً إلى أن " مستفعلن فاعلن فعيل " الذي عده الخفاجي في
أوزان الموشحات في كتابه " القصيدة العربية " ص 86 هو نفسه مخلع البسيط وقد مثَّل
له بالبيت
| يـــا جيــرة الأبــرق اليمــان | هــل لــي إلــى وصــلكم سـبيل |
ولاستجلاء أوزان المخلع ننوه إلى العلاقة بينه وبين مجزوء الدوبيت فليس بينهما إلا أن
تحذف الألف من مستفعلاتن الأولى التي في المخلع لتبقى
" مستفعلتن متفعلاتن " وهو مجزوء الدوبيت
وفي ديوان شرف الدين الأنصاري " ابن قاضي حماة "
نماذج من هذا الدوبيت
وهكذا أيضاً تستطيع تحويل الكثير من مجازيء الخفيف إلى
مخلع بإضافة حرف إلى أوله أو إلى أوله وآخره
ومثال ذلك قول أحمد تقي الدين
| دمـــت يـــا مـــوطني المفــدى | مــــــوطن المجــــــد والعلا |
| نحـــن نمشـــى فـــداك جنـــدا | نحـــــن أبنــــاؤك الأولــــى |
ومن المخلعات المشهورة أغنية " النهر الخالد "
وهي من شعر محمود حسن إسماعيل وألحان محمد عبد الوهاب
وأغنية " أغار من نسمة الجنوب "
وهي من شعر أحمد رامي وألحان السنباطي وغناء أم كلثوم
ومن نوادر المخلعات مخلع للكوكباني وهو القطعة السادسة في ديوانه
وأوله ( يا مخجل البدر في التمام )
وقد مزج فيه العامي بالفصيح فمن ذلك قوله
| ســـفرت عـــن غرتـــك فـــأغنت | بالليـــل عـــن غــرة الصــباح |
والكوكباني من رواد الشعر الممزوج " بين العامي والفصيح "