الأبيات 60
بعــث الحــبيب رسـائل الأعطـار فـأتت تهيـم بهـا صـبا الأسـحارِ
مــرَّت بنـا سـكرى يضـمخ طيبهـا حلــل الــدجى وعمـائم الأشـجارِ
طـافت بقامـات الغصـون كؤوسـها فتمــايلت مــن هــزّةِ الإِســكارِ
واسـتقبلت دِمَـنَ القلـوبِ هشـيمةً فــأزاح باردُهــا مشــاعلَ نـارٍ
إِنَّ الحـبيب وإن تمذهب في الجفا قَصــْدَ الوفــا بمـواجب الأحـرارِ
والــدين مألفـة التقـى وعلامـة تمحـو الشـقا كالماء أو كالنارِ
لمـا رأى مـوتي ضـنى أمر الصَبا رأس الأطبّــة أن تعــوج بــداري
يـا نفحـة رشـفت لَمـاهُ فأرضـعت أحشـاء جسـم فيـه حكـم البـاري
خطـرت بمسـرَاها اللطيـف ضـعيفة تــدني الخطـأ مخضـوبة الأسـوارِ
عــوجي بجسـمي فهـو مثلـك رقـة واجـري بـدمعي فهـو إثـرك جـارِ
فلعـل خيـل الحـظ تركـض بي إلى أرض اللقــا فـي حلبـة الأقـدارِ
ولعـل كـف الـدهر تمحـو ما بدا مــن صــرفه بجميلــه الســتَّارِ
فلطالمـا خضـنا حشـى ليل الرضا قبــل الفـراق وللسـرور مجـاري
وكأنمــا المريــخ مجمــر فضـةٍ شــبت عليــه بقيــة مــن نـارِ
والليــل مسـود الجـبين تروعـه شــهب الســما كمطـالب بالثـارِ
يَســْودّ خوفـاً مـن أسـنّتها وقـد يــبيضّ أمنـاً مـن سـنى الأقمـارِ
لكـن جيـوش دجـاه قـد دفقت على اغــراق أعــداهُ عبــاب بحــارِ
فغـدا يجرّ بنا السرور إلى الذي نهـــوى وفيــه قــرة الأبصــارِ
َعَلا بنــا الإِقبــالُ أفـقَ حديقـةٍ جمَّاعـــةِ الأســـماع والأبصـــارِ
نَسـَج الربيـع لهـا بـروداً دُبِّجت مــن حســن لــونَي فضـّةٍ ونضـُارِ
نصـب الغمـام علـى رؤوس خيَامها للفـــاكهين ملاحـــف الأســـتارِ
قــد كللــت أشــجارها بجـواهر الأزهـــار لا بجــواهر الأحجــارِ
وشـقائق النعمـان تضـرم نارهـا لتـــذيب تـــبر غلائل الأزهــارِ
ونواضـر النـوار قـد فقـأت متى ذابــت عليهــا فضــة الأنهــارِ
والطيـر يشـدو في الغصون كأنما نَغَمـــاته ضــرب مــن الأوتــارِ
وتهـبُّ مـن بيـن الخمـائل نسـمة طـافت علـى الأحشـا بكـأس عُقَـارِ
للــه مـا أحلـى لُيَيْلتَنـا بهَـا جمعــت صــنوف الحســن للنظـارِ
فــالأرض فُــرْشٌ والنبــات أسـرِّةٌ والنَّشــرْ مسـك والمقـام نهـاري
والنهــر صـرف والكـواكب أكـؤس والطيــر عــود والغصـون جـوارِ
وقـد انتهـت حسناً ولم نبرح بهَا أكــرْم بهَــا مـن روضـة معطـارِ
وجـرى شذاها في الرياض كما جرى فضـل أبـن يوسـف سـائر الأقطـارِ
ذاك الامـــام المغربــي محمــد ذو الفضــل والمعـروف والإِيثـارِ
قطب الدنا ملك الورى طود العلا رب النـدى علـم الهـدى للسـاري
أنشــاه رب العــرش أكـبر آيـة فـي الأرض قـد بهرت أولي الأبصارِ
وأقــامه فـي العـالمين خليفـة لا زال يمحـــو آيـــة الكفــارِ
ولقـد تبحّـر في العلوم فلم يزل متــدفقاً فــي ســائر الأمصــارِ
نشـر المنـافع بالأراضـي قاذفـاً بجـــواهر الآثـــار والأذكـــارِ
تبـدي نتـائجه النفيسـَة نفعهـا لكـــن تقطــع أكبــدُ الأشــرارِ
وجـرى على الدين القويم فأشرقت أعلامــــه مكشـــوفة الأســـتارِ
فغــدا بـه بيـت الضـلال مهـدّماً خـــاوي الأوانــس دارس الآثــارِ
ولــه خصـال ليـس يـدرك شـأوها تســبي الأنـام ولات حيـن مُمـاري
قـد أفحـم البلغاء بالحجج الَّتي برهانهــا يغشــى علـى الأسـحارِ
قد أبطل الشجعَان في الوقت الذي أمــواجه تــزري علــى التيـارِ
قـد أعجـز النجباء بالهمم التي يُـوري بهَـا فـي الماء جذوة نارِ
قـد أزهـد الزهـاد بالورع الذي تنــذاب منــه قســوة الأحجــارِ
قـاد الزمـانَ ذكـاؤه فمضـى على أمــنٍ ولــم يــأذن لـه ببـوارِ
واســـتخدمت أيـــامُه أبنــاءه فجــرى بهـم فـي طاعـة الجبَّـارِ
وتقحمــت أهـواؤه مـا شـاء مـن نيــل الجميــل بجــده الوقَـارِ
وعلــت بــه هِمَـاته هـامَ العُلا حــتى اســتوى بأســرَّة الأقمـارِ
وتصــرَّفت أحكــامه بيـن الـورى فكـــأنه قَـــدَر مــن الأقــدارِ
وأطــاف بالـدنيا نـداهُ وعـدله فتكفّلا بإِزالـــــةِ الأكـــــدارِ
فكســَاه رب العــرش ثـوب سـلامة وجلالــــة وســــكينة ووقـــارِ
وغــدا وكــلٌّ وارد مــن فضــله إمــا لــدنيا أو لــدار قـرارِ
يـا مـن تـوطّن حبُّـه فـي مهجـتي هـب لـي غنـىً مـن غـامض الأسرارِ
وانْصـَب لربـك لـي فيرفـع رتبتي ويجرُّنــي مــن عــالَم الأغيــارِ
واسـألهُ يلهمْنـي العلـوم فإنني لا شــك مـن حلـل المعـارف عـارِ
فجــزاك مــن سـوَّاك فينـا حجـة أعلــى المقــام بجنّـة الأبـرارِ
وإليكهـا عـذراءَ ترفـل مـن بني مــدحي إليــك بســندس الأنـوارِ
وافـت لشـيخ سـوف يجلـو أجرَهـا بمـــديحه منـــي صــدى الأوزارِ
كملـت محاسـنه فلـم تـر مسـلكاً فـي الفضـل إلا وهـو فيـه جـاري
ابن شيخان السالمي
295 قصيدة
1 ديوان

محمد بن شيخان بن خلفان بن مانع بن خلفان بن خميس السالمي، ويكنى بأبي نذير، شيخ البيان.

شاعر عماني ولد بقرية الحوقين من أعمال الرستاق، وبسبب المعارك التي كانت قائمة في ذلك الأوان بين قبيلته وجيرانها رحل به والده إلى العاصمة الرستاقية حيث تلقى بها علمه.

وتتلمذ على يدي الشيخ راشد بن سيف الملكي.

كان ذكياً متوقد الذهن سريع الجواب حاضر الاستشهاد حافظاً لأشعار العرب وله تلاميذ كثر منهم عبد الله بن عامر العذري ومحمد حمد المعولي وتوفي بمدينة الرستاق بعمان.

له (ديوان -ط).

1927م-
1346هـ-