بِناءُ العُلَى بينَ القنا والبوارقِ
الأبيات 53
بِنـاءُ العُلَـى بينَ القنا والبوارقِ علـى صـَهوات الخيـلِ تحـت البيارقِ
وللــهِ ســِرٌّ فــي العِبـادِ وإنّمـا قليــلٌ مَحَــلُّ الســِّر بيـنَ الخلائقِ
يقلّـبُ هـذا الـدّهرُ أحوالنـا كمـا تَقَلَّــبَ فينــا لاحِقــاً إثـرَ سـابقِ
ولــولاهُ لــم تُكشــفْ ظُلامـةُ غاصـبٍ ولـم تُقـضَ فـي الدُنيا لَبانةُ عاشقِ
نعيـــمٌ وبــؤسٌ يَمضــيان كــرائدٍ لقلــبٍ علـى إثـر الفريقَيـن لاحـقِ
تُرِيـكَ الأمـاني العيـشَ دَفُعـةَ ماطرٍ وتلــكَ إذا حَقَّقــتَ لمعــةُ بــارقِ
ومـا الجهـلُ إلا فـي قَبُـولِ خديعـةٍ ومـا الحِلمُ إلا في اختبارِ الحقَائقِ
ولـولا اختبـارُ الدولةِ ابنَ سريرها لمـا اعتمدَتْهُ في المعاني الدقائقِ
كريــمٌ تــولَّى الأمـرَ يُصـلِحُ أمـرَهُ كفَتْـــقٍ تَـــولَّتْهُ أنامــلُ راتِــقِ
وقــامَ بأعبــاءِ المُلــوكِ مُشـمِّراً لهــا ذيــلَ طَلاَّعِ الثَّنِيــاتِ صـادقِ
حُسـامٌ خبـا السـُلطانُ للـدهرِ نَصَلَهُ كجــــوهرةٍ خبّأتهـــا للَمضـــايقِ
أتـى مـن لَـدُنْهُ خاتمَ الرُسلِ فاتحاً مَغـــالقَ طُــرْقٍ أشــكَلتْ وطــرائقِ
إذا اشـتدَّ خَطـبٌ أعجـزَ الناسَ كشفُهُ رمــاهُ بــه عـن مثـلِ قـوسِ جُلاهِـقِ
فــراضَ رِكابــاً أتعَبَـتْ كـلَّ راكـبٍ ومَهَّــدَ طُرْقــاً أعثَــرَتْ كـلَّ طـارقِ
أقـام السـَرايا يُنفِرُ الموجُ خيلَها بكــل لِــواءٍ فــوق لُبنـانَ خـافقِ
بِحــارٌ علـى وجـهِ البِحـارِ زواخـرٌ جِبـالٌ علـى متـنِ الجِبـالِ الشواهقِ
كأعجــاز نخــلٍ خاويــاتٍ عُـدَاتُها تَخِــرُّ لَــدَى غابــاتِ نخـلٍ بواسـقِ
تَجِـفُّ بأيـديها الـدِماءُ مـن الظُبَى فتَضــرِبُ لا تحتــاجُ قبـضَ الـبراجقِ
يقـود الـوزيرُ الجيـشَ غيـرَ مُخالفٍ وقـد سـاق عنـهُ الجيـشَ غيرَ موافقِ
ويَــذخرُ بيـضَ الهِنـدِ وهْـيَ كنـوزُهُ وتَهلِــكُ معــهُ بيــنَ نحـرٍ وعـاتقِ
يحـدِّثُ أهـلَ الغـربِ فـي كـلِّ ليلـةٍ بمـا فعلـتْ غـاراتُهُ فـي المشـارقِ
فيَعجَــبُ مــن أفعــالهِ كـلُّ عاقـلٍ ويُثنــي علــى أفضـالهِ كـلُّ نـاطقِ
شَكَتْهُ الظُّبى من كثرةِ الضربِ فاشتكى تَكَســُّرَها مـن ضـربهِ فـي المفَـارقِ
ومَلَّــت ظُهـورُ الخيـلِ منـهُ فَملَّهـا إذا لــم تُخَصــَّبْ مــن دَمٍ بشـقائقِ
إذا قـامَ مـن تحـتِ السُرادِقِ راكباً أقــامَ عَجاجــاً فــوقهُ كالسـُرادقِ
ولمــا رأينــا كيـفَ تَنقَـضُّ خيلُـهُ عَلِمنـا بهـا كيـفَ انقِضاضُ الصواعقِ
إذا مـا رَمـى يومـاً بِهـنَّ عواصـماً ضــَحِكنَ علــى أسـوارِها والخنـادقِ
ومــا السـُّورُ إلا بالرجـالِ فإنَّهـا بَنَتْــهُ فكـانَ الهـدمُ ليـس بعـائقِ
يُقَــدّمُ جيــشَ الرُعـبِ قبـلَ جيُوشـهِ نــذيراً وإن عــادت فغيـرُ مرافـقِ
تفـــارقُ أطـــرافَ البِلادِ خيــولُهُ وأصـواتُها فـي قلبهـا لـم تفـارقِ
يَطَـأنَ الحصـَى كـالتُرب غيـرَ عواثرٍ ومُلْـسَ الصـَفا كالرَّمـل غيـر زوالقِ
ويَحســبنَ وحـضَ الغـاب آرامَ رامـةٍ ويحسـبنَ غـابَ الـوَحشِ زَهْرَ الحدائقِ
عليهــا أُســودٌ تتقـي عـارَ هـاربٍ ولا تَتّقــي فـي الكَـرِّ وَقْبـةَ غاسـقِ
رِمــاحٌ بأيــديها رمــاحٌ طويلــةٌ تُمـزِّقُ شـملَ القـومِ فـي كـلِّ مـازقِ
يَنِـضُّ دمـاً مـا انـدقَّ منهـا فـإنَّهُ قتيــلٌ بِثـارات الضـُلوعِ السـواحقِ
إذا نـابَ خَطـبُ الـدَّهرِ فادعُ تَيَمُّناً بأســعَدِ خلــقِ اللـهِ دعـوةَ واثـقِ
عزيــزٌ أذلَّ الــدَّهرَ وهــو عــدُوُّهُ لأنَّ الخنــا فـي سـُوقهِ غيـرُ نـافقِ
كريــمُ السـجايا مِلـءَ قلـبِ مُؤمِّـلٍ وراحـــةِ مُســتَجْدٍ ومُقلــةِ رامــقِ
لـهُ فـي عُيـوبِ النـاسِ نظـرةُ غافلٍ وفــي غامضـاتِ السـِرِّ نظـرةُ حـاذقِ
مضــى يجمـعُ الأفضـالَ وهـي عبيـدُهُ فمــا فـاتَ منهـا فـرَّ منـهُ كـآبقِ
يُســَرُّ بمــا يُعطــي مَســرَّةَ آخــذٍ فيشــكُرُ منــا طارقـاً شـُكْرَ طـارقِ
صــحيحُ بَنـانٍ تَضـبِطُ المُلـكَ دهـرَهُ ولا تَضــبِطُ الــدينارَ بِضـعَ دقـائقِ
إلـى دارهِ الرُّكبـانُ تَهْـوِي فتنثني مُشـاةً لِـوقْر المـالِ فـوقَ الأيـانقِ
يربّــي جيــادَ الصــافناتِ كوالـدٍ ويُنشــي جِــدادَ المَكرُمـاتِ كخـالقِ
ويَعمُـــرُ أبيـــاتَ البِلادِ كمالــكٍ ويكفُــلُ حاجــاتِ العِبــادِ كـرازقِ
لـهُ فـي رؤوس القـومِ تيجـانُ نعمةٍ وأطـواقُ أمـنٍ فـي نُحـورِ العواتـقِ
وعَيــنٌ تُراعــي نفسـَهُ قبـلَ غيـرهِ فلا يتَـــولّى عِرضــَهُ ســهمُ راشــقِ
ختمــتُ علـى نظـمِ القـوافي ففَضـَّهُ كريــمٌ عليـهِ هـانَ فتـحُ المغـالقِِ
تَضـيقُ بِحـارُ الشـعرِ عنـهُ وتسـتحي ببحـرٍ لهـا فـي بحـر كَفَّيْـهِ غـارقِ
إليــكَ حملنـا طيِّـبَ الكَلِـمِ الـذي إلـى اللـهِ يُهدَى دُونَ جُردِ السوابقِ
ومـا كَتْـمُ قـولِ الحـقِ عنـد مُكاشَفٍ بـه دُونَ قـول الـزُورِ عنـدَ مُنـافقِ
لقـد فُقـتَ أهلَ الفضلِ فالقومُ فضلةٌ ومـن لـي بوَصـفٍ مثـلِ فَضـْلِكَ فـائقِ
إذا كنـتَ بِدعاً في الكِرام كما نرَى فَلبَّيــكَ إنّــي شــاعرٌ غيـرُ سـَارقِ
ناصيف اليازجي
478 قصيدة
1 ديوان

ناصيف بن عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط.

شاعر من كبار الأدباء في عصره، أصله من حمص (سورية) ومولده في كفر شيما بلبنان ووفاته ببيروت.

استخدمه الأمير بشير الشهابي في أعماله الكتابية نحو 12سنة، انقطع بعدها للتأليف والتدريس في بعض مدارس بيروت وتوفي بها.

له كتب منها: (مجمع البحرين -ط) مقامات، (فصل الخطاب -ط) في قواعد اللغة العربية، و(الجوهر الفرد -ط) في فن الصرف وغيرها.

وله، ثلاثة دواوين شعرية سماها (النبذة الأولى -ط) و(نفحة الريحان -ط) و(ثالث القمرين -ط).

1871م-
1288هـ-