ألا لا تلمهُ اليومَ أن يتألما
الأبيات 36
ألا لا تلمـــهُ اليـــومَ أن يتألمــا فــإن عيــونَ الحـي قـد ذرفـتْ دمـا
رأى من صروفِ الدهرِ في الناسِ ما أرى وعلمـــه الـــدهر الأســى فتعلمــا
ولــم يــكُ ممـن يملـكُ الهـمُ قلبَـهُ ولكـنْ أتـاهُ الهـم مـن جـانبِ الحمى
هنالـــكَ حــيٌّ كلمــا عــنَّ ذكرهُــمْ تقســمَ مــن أحشــائهِ مــا تقســما
يمثلهـــم فـــي قلبــهِ كــلُّ لاعــجٍ وترمــي بــهِ ذكراهــم كــل مرتمـى
فمـن مرسـلٍ عينيـهِ يبكـي وقـد جـرتْ مـــدامعهُ بيـــنَ الغضــا لتضــرما
ومــن واجــدٍ طــاوٍ علــى حســراتهِ ولــو انهــا فــي شــامخٍ لتهــدما
ومـن ذي غنـىً يشـكو إلـى الله أمرهُ وقـد بـاتَ محتاجـاً إلى الناسِ معدما
ومـن ذاتِ خـدرٍ لـم تجـدْ غيـرَ كفِهـا نقابـاً ولـم تـترك لها النارُ محتمى
جــرتْ فــي مآقيهـا الـدموعُ غفيفـةً وقــد كشــفتْ للنــاسِ كفـاً ومعصـما
وبــاتتْ وبـاتَ القـومُ عنهـا بمعـزلٍ مناجيـــةً ربـــاً أبـــرَّ وأرحمـــا
وعــذراء زفتهـا المنـونُ فلـم تجـدْ سـوى القـبر مـن صـهرٍ أعـفَ وأكرمـا
فحطَّــتْ أكــفَّ المـوتِ عنهـا لثامهـا وهيهــاتَ بعــدَ المــوتِ أن تتلثمـا
ومـــن والـــدٍ بـــرٍّ وأمٍّ رحيمـــةٍ تنـوحُ علـى مـن غـالهُ المـوتُ منهما
فجيعــانِ حـتى لا عـزاءَ سـوى الرِّضـا وكـانَ قضـاءُ اللـهِ مـن قبـلُ مبرمـا
فـــإن رأيــا طفلاً تجشــمتِ البكــا علــى طفلهــا بعـدَ الرضـا وتجشـما
وإن هجعـا أرضـاهما الوهمُ في الكرى وســاءَهما بعــد الكـرى مـا توهمـا
ووالــــدةٌ ثكلــــى وزوجٌ تـــأيمتْ ومرضـــعةٌ حســـرى وطفـــلٌ تيتمــا
وقــومٌ وراءَ الليـلِ لا يطـرقُ الكـرى عيــونهمُ إن بــاتتِ النــاسُ نوّمــا
فمــن مطــرقٍ يـروي الـثرى بـدموعهِ كـأنَّ الـثرى يشـكو إليـهِ مـن الظما
ومـــن طامــحٍ للأفــقِ حــتى كــأنهُ علـى العـدمِ يسـتجدي من الأفقِ أنجما
حنانيــكَ يــا ربـاهُ كـم بـاتَ سـيدٌ يمــدُّ يــديهِ يســألُ النـاسَ مطعمـا
وكــم مــن أشـمِّ الأنـفِ أرغـمَ أنفـهُ ومـا كـانَ يومـاً يطـرقُ الرأسَ مرغما
إذا هــمَّ بالتســآلِ أمســكَ بعــدها حيــاءً فلــم يفتــح بمســألةٍ فمـا
وكـم مـن فـتىً غلـتْ يـداهُ عن العلا وقـد كـانَ مجـدولَ الـذراعينِ ضـيغما
أتتهمــم وراءَ النــارِ كــلُّ فجيعـةٍ تســوقُ لهــم فـي ميـت غمـرٍ جهنمـا
إذا عصــفتْ شــدَّت إلـى النـاسِ شـدّةً فلــم تبــقَ بيـنَ البائسـينَ منعمـا
وإن زفــرتْ شــابَ الوليــدُ لهولهـا وكــانَ خليقــاً أن يشــيبَ ويهرمــا
يحـومُ عليهـا المـوتُ مـن كـلِّ جـانبٍ وقــد نطــرَ الأرواح أقبلــتَ حوّمــا
فلـو كـانَ يستسـقى الغمـامُ بمثلهـا لأغرقنــا مـن صـيّبِ الغيـثِ مـا همـا
ســلامٌ علـى تلـكَ الـديارِ وقـد غـدتْ طلــولاً تناجيهــا الــدموعُ وأرسـُما
فكــم طلــلٍ قـد بـاتَ يرثـي لصـحبهِ ولــو أنــهُ اســتطاع الكلامَ تكلمـا
وكــم منــزلٍ قـد بـاتَ قـبراً لأهلـهِ وبــاتوا بــهِ جلـداً رفـاةً وأعظمـا
ســلامٌ علــى البــاكينَ ممـا دهـاهم علــى حيــنِ لا تجـدي دمـوعُ ولا دمـا
ســلامٌ عليهــم إن فــي مصــرَ عصـبةٌ سـراعاً إلـى دفـعِ الـردى أيـن خيّما
فكــم فرجــوا عـن كـلِّ نفـسٍ حزينـةٍ فمــا غبــسَ المحــزونُ حـتى تبسـما
مصطفى صادق الرافعي
347 قصيدة
1 ديوان

مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي.

عالم بالأدب شاعر، من كبار الكتاب أصله من طرابلس الشام، ومولده في بهتيم بمنزل والد أمه ووفاته في طنطا مصر.

أصيب بصمم فكان يكتب له ما يراد مخاطبته به.

شعره نقي الديباجة في أكثره ونثره من الطراز الأول.

وله رسائل في الأدب والسياسة.

له (ديوان شعر -ط) ثلاثة أجزاء و(تاريخ آداب العرب -ط)، (وحي القلم -ط) (ديوان النظريات -ط)، (حديث القمر -ط)، (المعركة -ط) في الرد على الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي وغيرها

1937م-
1356هـ-