يا ليلةً ليست من الزمان

رحلة إلى الخزان ص93

البيت السابع: 

الفيح: أي الفسيحة

الأبيات 55
يـا ليلـةً ليسـت من الزمان جـاءت مـن الربيـع في إبّان
يممـت فيهـا وجهـة الخـزان فـي زمـرة من صفوة الفتيان
علــى نــواج ضـمّرِ الأركـان خفيفـة الخطـو على الكثبان
معـــوّداتٍ صــحبة الإنســان قـد تفهم القول عن الركبان
مـا عجلـتْ في ساعة التواني ولا ونــت بــالراكب العجلان
فالحـذق أغناهـا عن الأرسان ...
والبـدر قـد ضاءت له عينان إلـى الوهـاد الفيح ترنوان
يعلّهــا بنــوره الروحـاني فـاعجب لـه قد آب في الأوان
أمعجــب يـا بـدر بالمكـان أم مغـرم يـا بـدر بالسكان
أم أنـت غيـر مطلـق العنان ورب نجـم فـي السـماء عـان
مقيــد ولـم يكـن بالجـاني لكنهـــا شــريعة الأكــوان
فـارجع لنـا يـا بدر كل آن أسـرِ علـى الخراب والعمران
علـى المـوامي وعلى الجنان علـى القبـور وعلـى الأفدان
علـى الأعـادي وعلـى الإخوان علـى ذوي المخلـب والبنـان
فنحــن فـي ظلـك كالضـيفان وإن ظـــلّ هـــذه القنــان
أثبت منا في الوجود الفاني يـا مـن بـه يتصـل الضـدان
ما الأرض في عالمك النوراني إلا مهــاد شاســع الجـدران
مشـتبه العنـوان بـالعنوان لكنهـا فـانظر مـن الأدانـي
شــتى ديــار جمـة القطّـان كــلُّ تزيليــن بهـا خصـمان
هـا أنتذا في جيرة الذؤبان كالواغل الساطي بلا استئذان
أمـا تراها وهي في الغيران حــاردةً تنقــل عـن حـردان
كأنهـــا قــالت بترجمــان لا مرحبـاً يـا أشأم الجيران
إنـا اقتسـمنا شـقى الأوطان فـالأرض فيمـا بيننـا نصفان
لنــا كهــوف ولكــم مغـان تــالله إن خطــرة الإنسـان
بيـن الجبال الشم والعقبان فــي ليلـة هاجعـة الأجفـان
أبلغ في البغي وفي الطغيان مـن خطـرة الضباع والسرحان
فـي وضـح الصـبيحة الضحيان بين المروج الخضر والبلدان
قلـت وهـل يفهـم عـن لساني مـا بيننا يا ذئب من أضغان
فـاذهب إلـى وردك فـي أمان لا يحـرم المـاء علـى عطشان
فمــر يعـدو كاشـر الأسـنان وهــو ينادينــا ولا يـداني
حــتى وردنـا أول البنيـان علـــى دويّ هــائل مرنــان
مــوّار مـاء ثـائر الـدخان كالنقع قد ثار على الفرسان
مصــطفةً فـي حلبـة الرهـان قـد غلـب الصـوتُ على الآذان
فبـات أدنـى الهمـس كالآذان مســـتويين ليــس يُســمعان
وشـرّد النـوم علـى الجنّـان فـرددت صـداه فـي الرّعـان
وتحسـب المـاء مـن النيران منــدلعاً يقــذف بالصــّوان
طرائفـاً فـي الأرض ذا ألوان كـالليث أحيانـا وكالثعبان
منــدفقاً منحســراً فــي آن مرتفعـــاً منحــدراً ســيان
ملتئمــا منشـعب الثغبـان يـبيض كـالمحض مـن الألبـان
مجـذذ الرغـو علـى الصـُّمّان قـد شـنها في تلكم القيعان
شـعواء تغري القرم بالطعان وتحفـز الخيـل إلى الميدان
وتجعــل الراضـي كالغضـبان وتبعـث النخـوة فـي الجبان
قـامت عليهـا أعين الشهبان وأرؤس الجبـــال تشـــهدان
وكـم لهـذا المـاء من معان فـي قـوة البطش وفي الليان
وفـي اختلاف الشكل والجثمان كــأنه يلبــس ثـوب الجـان
فصـاعد فـي الجـو كالعقبان وسـارب فـي مزحـف الديـدان
وغـائص فـي الأرض كالشـيطان ولاعــبُ الأمــواج كــالحملان
وطـائر البخـار فـي الأعنان كـالنفس الخـافي عن العيان
وفيـه مـن أمـن ومـن عدوان فهـو قـوام الـزرع والأبدان
وهو الوباء الجارف الطوفان وهـو هو الدنيا لدى الظمآن
وهـو هو الموت لدى الغرقان شــارفته والليــل شـطرتان
فمـا صـغا الليـل لصوت ثان ولا أمــال مســمع الأمــاني
إلا إلــى هــاتيكم الألحـان كأنهــــا تجـــاوب الغيلان
ثمــت أدلجنـا إلـى أسـوان وفـي طريـق الصـبح غلوتـان
فيالهــا ومـا عـدوت شـانى مـن رحلـة طيفيـة الألـوان
عباس محمود العقاد
748 قصيدة
8 ديوان

عباس بن محمود بن إبراهيم بن مصطفى العقاد: إمام في الأدب، مصري، من المكثرين كتابة وتصنيفاً مع الإبداع. أصله من دمياط، انتقل أسلافه إلى المحلة الكبرى، وكان أحدهم يعمل في "عقادة" الحرير. فعرف بالعقاد. وأقام أبوه "صرافا" في اسنا فتزوج بكردية من أسوان. وولد عباس في أسوان وتعلم في مدرستها الابتدائية. وشغف بالمطالعة. وسعى للرزق فكان موظفا بالسكة الحديدية وبوزارة الأوقاف بالقاهرة ثم معلما في بعض المدارس الأهلية. وانقطع إلى الكتابة في الصحف والتأليف، وأقبل الناس على ما ينشر. تعلم الإنكليزية في صباه وأجادها ثم ألم بالألمانية والفرنسية وظل اسمه لامعا مدة نصف قرن أخرج في خلالها من تصنيفه 83 كتاباً، في أنواع مختلفة من الأدب الرفيع، منها كتاب (عن الله) و (عبقرية محمد) و (عبقرية خالد) و (عبقرية عمر) و (عبقرية علي) و (عبقرية الصديق) و (رجعة إبي العلاء) و (الفصول) و (مراجعات في الأدب والفنون) و (ساعات بين الكتب) و (ابن الرومي) و (أبو نواس) و (سارة) و (سعد زغلول) و (المرأة في القرآن) و (هتلر) و (إبليس) و (مجمع الأحياء) و (الصديقة بنت الصديق) و (عرائس وشياطين) و (ما يقال عن الإسلام) و (التفكير فريضة اسلامية) و (أعاصير مغرب) و (المطالعات) و (الشذور) و (ديوان العقاد) وكلها مطبوعة متداولة. وصدر له بعد وفاته كتاب سماه ناشره (أنا بقلم عباس محمود) وكان من أعضاء المجامع العربية الثلاثة (دمشق والقاهرة وبغداد) شعره جيد. ولما برزت حركة التحلل من قواعد اللغة وأساليب الفصحى عمل على سحقها. وكان أجش الصوت، في قامته طول، نعت من أجله بالعملاق. توفي بالقاهرة ودفن بأسوان. (عن الأعلام للزركلي)

قلت أنا بيان: 

أصدر العقاد حتى سنة 1921م ثلاثة دواوين هي 

يقظة الصباح 1916

وهج الظهيرة 1917

وأشباح الأصيل 1921

ضم إليها 

ديواناً رابعاً هو أشجان الليل نشرها في عام 1928م في ديوان واحد باسم "ديوان العقاد".

وفي سنة 1933 أصدر ديوانين هما: وحي الأربعين وهدية الكروان 

وفي سنة 1937م أصدر ديوان عابر سبيل 

وفي سنة 1942م أصدر ديوانه أعاصير مغرب وكان عمره قد نيف على الخمسين.

 وبعد الأعاصير1950 

وما بعد البعد عام 1967م

وفي عام 1958 أصدر كتاب " ديوان من الدواوين" اختار منه باقة من قصائد الدواوين العشرة: 

يقظة الصباح 1916

ووهج الظهيرة 1917

وأشباح الأصيل 1921

وأشجان الليل1928

 وعابر سبيل1937

 ووحي الأربعين 1942

وهدية الكروان1933 

 وأعاصير المغرب1942

 وبعد الأعاصير1950 

وقصائد من ديوان : ما بعد البعد الذي نشر لاحقا عام 1967م

وجمع الأستاذ محمد محمود حمدان ما تفرق من شعر العقاد في الصحف ولم يرد في هذه الدواوين ونشرها بعنوان "المجهول المنسي من شعر العقاد" وسوف أقوم تباعا إن شاء الله بنشر كل هذه الدواوين في موسوعتنا

1964م-
1383هـ-

قصائد أخرى لعباس محمود العقاد