يقظة الصباح

هذا ديوان يقظة الصباح وهو أحد أربعة دواوين أصدرها العقاد باسم الديوان في مجلد واحد سنة 1346هجرية/1928م وطبع بمطبعة المقتطف والمقطم بمصر وقدم له إبراهيم عبد القادر المازني

ويشغل هذا الديوان من ص 1 إلى ص 131

ويليه الجزء الثاني وهج الظهيرة من ص 135 إلى ص 194

ثم الجزء الثالث أشباح الأصيل من ص 201 الى ص 262

ثم الجزء الرابع أشجان الليل ما تبقى من الصفحات 

والمنشور في موسوعتنا هذه في هذه الصفحة الجزء الأول فقط وهو ديوان يقظة الصباح

قال العقاد:

مقدمة لصديقنا الشاعر العبقري الأستاذ المازني:

"بحر بلا انتهاء" 

هذا هو الذي بين أيدي القراء: 

موج فوق موج ودفاع بعد دفاع ورغوة من ورائها رغوة وحركة في اثر حركة وأواذي

 مصطفقة ورياح مصطخبة، ومد وجزر، وضوضاء، كأنما انطلقت شياطين الأرض تعوي، وظلام يصد العين عن النظر، وصفاء شفاف يغري بالخوض والسبح، وسحب ترق وتكثف وتتفرق وتتجمع وتهضب ثم تقلع 

وأمساء ماخرة أو مغرفة محطمة، ورعود مجلجة وأغاريد وأهازيج هافية، وآفاق تصفو وتغيم، وأنجم زهر تخفق على اللج، ودر وأصداف، وحصى وحجارة، وأعشاب نابتة وأحياء متصارعة وصور يختفي فيها الزائل في ثنايا الثابت، وتجتمع فيها الجنة والنار، والحاشية الرقيقة والجوف الغائر. ويلتقي عندها الحاضر والماضي، والسكون والحركة الدائمة، والعناء والخلود واللحظات والآدباد، والبر والبحر والشرق والغرب، والليل والنهار والشمس والقمر، وكل نفس ترى هذا 

البحر الزاخر بشتى الصور والحالات. ولكن ليس كل أحد بقادر على أن يرسمها لك ويلقي بها اليك

فلا يحسب القارئ أنه واجد هنا كلاما متشابها ونغما مطرداً في بعضه ما يغني عن سائره وفي قليلة ما يدل على كثيرة. 

أو تقليد أو محاكاة لقديم أو جديد وانما هنا كما يقول العقاد نفسه في أول كتاب أو ديوان 

ص4

فيه من الحكمة والغباء=...# 

وفيه من يأس ومن رجاء=...# 

وفيه من حب ومن بغضاء=...# 

صورة محياي لعين الرائي ...

فهو صورة صادقة لنفس صاحبه الحية، الواعية لما يدور فيها ويطيف بها ويجري حولها، ولكل طور من أطوارها وحالة من حالاتها وجانب من جوانبها:

والشعر ألسنة تفضي الحياة بها=الى الحياة بما يطويه كتمان# 

لولا القريض لكانت وهي فاتنة=خرساء ليس لها بالقول تبيان# 

مادام في الكون ركن للحياة يرى=ففي صحائفه للشعر ديوان# 

كما يقول في قصيدته الرائعة التي أسماها "الحب الأول" وعارض بها نونية ابن الرومي في مدح أبي الصقر.

وصدق العقاد وللشعر في مرد أمره كما وصف ولأحس بعد الفراغ من مراجعة ديوانه كأن تعبير الحياة لي كان حقيقا أن يكون ناقصا من بعض وجوهه، لو لم يقل العقاد شعره هذا.

وما أراني مبالغا ولا أنا أقول ذلك على سبيل المجاملة أو مدح صديق لصديق، لا والله وأحسب أني ما كنت لأشعر بذلك أو التفت الى هذا المعنى لو بقيت جاهلا شعره، أو كأن هو لم ينظمه ولتلك طريقتي في تقدير الكلام وهذا عندي المحك الذي لا يخطئ. فلست أنفك كلما قرأت شيئا أسأل نفسي:

هبني لم أكن قرأت هذا أو لم يكتبه صاحبه فماذا كنت أخسر؟

وأي نقص كنت حريا أن أحسه؟

ولقد نصبت هذا الميزان لنفسي فانتهيت إلى أنه لا خير فيما قرضت من الشعر وأن الأدب 

المصري لا يزيد به ولا ينقصه إذا فقده فكففت عن النظم ونفضت يدي من القريض وأكثر ما يجامل المرء نفسه لا غيره ولو كان هذا الغير العقاد. ومن العسير عليّ أن أبين على وجه الدقة ما أعني أو ان أقدر للقارئ أو لنفسي مبلغا في تعبير الحياة بغير هذا الشعر فهذا ما لا سبيل اليه ولا قدرة فيما أظن لأحد عليه.

وأحسبني أريد أن أقول إني اطلعت من شعر العقاد على نواحي كانت محجوبة عن عيني. وإني وجدت فيه التعبير عما كنت أحسه ولا أكاد أدرك كنهه أو ما أدرك ولا أقوى على العبارة عنه 

وإني زدت للحياة فهما وبها شعوراً وعلماً وماذا تبغي من الشعر بعد ذلك وهو شيء لا يؤكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يصلح أن يكون زينة ولا ينفع في معاش.

وفي هذا الشعر ما في الحياة والطبيعة وليس كل ما في الحياة معجبا مونقا ولا كل ما في الطبيعة 

الازهار والرياحين. فثم الى جانبها الشوك والجبال الجرداء والبراكين الفائرة الثائرة بالخراب والدمار والنقمة.

والعقاد نفسه يقر أن في ديوانه غباءً الى جانب الحكمة، ويأسا الى جوار الرجاء، وبغضا يناوح الحب وكثيرا غير ذلك مما ضاق عنه الشعر وأوجز في بيانه الشاعر. ومثل له لتقيس أنت عليه وما أظن به إلا أنه يعني "بالغباء" غباء من يمني نفسه في هذه الدنيا بالأدب والخلود وما الى ذلك مما هو منه بسبيل لا غباء من لا يفهم ولا يرى حين ينظر.

وكأنما أراد العقاد أن ينبه القارئ الى ما ذكرنا من أن ديوانه صورة من حياته تمثل أطوار نفسه وحالاتها وتنقل خوالجها فاستهله بهذه الأرجوزة القصيرة التي سقنا منها بيتين والتي يدفع بها كتابه الى أيدي القراء كما تدفع المدرعة الى المحيط ثم وزع أجزاءه على مدار الحياة:

فالأول (يقظة الصباح) الندي بالأمل والعزم والحرارة والفتوة 

والثاني (وهج الظهيرة) و ياله من وهج وما أحماها وقدة وأهولها دعكة 

ثم (أشباح الأصيل) إذ الشاعر جالس على ربوة الحياة أو قمة الجبل بعد أن أصعد فيه يدير عينه فيما ارتفع عنه ويجيل خاطره فيما يوشك أن ينحدر اليه ويعجب ويسخر وبحسبك منه من فوق هذه الرباوة العالية "ترجمة شيطان"

فإن فيها من فلسفة الحياة وعمق النظر وصحة الادراك ولذع الساخر الحكيم أكثر مما في دواوين بأسرها 

ولو لم يكن للعقاد سواها لكانت حسبه مخلدا لذكره بين الفحول.

ثم "أشجان الليل" من كل لون وطبق حتى ليكاد ينخدع القارئ ويحسب أن الرجل قد رده الله ناشئا في ريعان العمر وحرارة الصبا وما هو به الا من حيث احساسه بالدنيا والحياة. 

وبعد فهل يصلح هذا الكلام أن يكون مقدمة لهذا الديوان لا أدري 

وليس ذنبي ألا يكون كذلك فقد أردت شيئا وأراد العقاد خلافه وكان العزم أن أقول غير ما قلت وأن آخذ في نهج غير هذا النهج فأبى عل ما هممت به وردني عما شرعت فيه و ركب رأسه وأصر أن أعدل فإذا كان فيما كتبت قصور أو تقصير فالذنب له وحده دوني وما كنت أبغي إلا أن أقول كلمة حق أبرئ بها ذمتي وأنصفه حتى من نفسي فأباها علي واستنكرها مني كبرا أو تواضعا أو احياء أو مجاملة 

لا أدري وحسنا فعل أو شرا فعل فما بالعقاد من حاجة الى انصاف مني أو من سواي وانه للرجل 

الذي يلقي بديوانه الى الناس وهو يقول لهم:

هذا كتابي في يد القراء ...

ينزل في بحر بلا انتهاء=...#  

فليلق بين القدح والثناء=...#  

ماشاءت الدنيا من الجزاء=...#  

وعلى أنه ماذا يقول الكاتب في التمهيد لديوان ضخم كهذا؟

ماذا يأخذ وماذا يدع؟

وبأي جانب من جوانبه يتعلق وهي لا يأخذها إحصاء 

ليس بعضها بأحق بالعناية من بعض وعند أيه ناحية من التفاتات ذهنه ويقف وهي شاملة 

محيطة؟

كلا لا سبيل الى ذلك والقراء عندي كما هم عند جحا أحد رجلين:

واحد لا ينقصه الفهم وسرعة التلقف ولا حاجة بمثل هذا الى بيان نبسطه بين يديه 

وآخر يعوزه الذكاء أو ممن لا يريدون أن ينظروا بعيونهم ويفهموا بعقولهم ومن العبث خطاب أمثاله.

إذن فلينزل الديوان الى بحر الحياة كما شاء صاحبه أن ينزله مستغنيا عن الشراع والقلوع زاهدا في العجلات والدواليب ماضيا على دله بتوحده مستغراً بقوته الى تمرده.

                                      إبراهيم عبد القادر المازني 

يقظة الصباح  

مقدمة العقاد

ص8 _ص9

لقد كان كلفي بالشعر أول العهد ولعاً لا أعرف سببه ولكنني الآن أكلف به معتقدا أنه شاهد من شواهد 

نهوض الأمم ومرآة يتصفح فيها الناس صور نفوسهم في كل عصر وطور فهو التاريخ الصحيح الذي 

لا تكذب أسانيده ولا تختلف أرقامه.

ولست أنا من القائلين بأن الآداب مطلوبة لذاتها فإن هذا القول مبطل للحقيقة المقررة وهي أن لكل شيء سبباً ونتيجة.

ولكني أقول: إن الآداب مطلوبة لمنافعها بأوسع معاني المنفعة وإن كثيرا من منافعها ينظر بالأعين ويلمس الأيدي 

وليس معنى ذلك أن الناس يقصدون منافع الآداب إذ يشغفون بها بل هو شغف لدُني كاشتهاء الجائع الطعام 

فهو لا يجوع لأنه يعلم ان في الطعام قوام بدنه وإن كان الامر كذلك في الحقيقة 

ومن كان يماري في هذا القول فليراجع التاريخ وليذكر أمة واحدة نهضت نهضة اجتماعية فلم تكن نهضتها هذه مسبوقة أو مقرونة بنهضة عالية في آدابها. نعم إن الآداب تروج أحيانا في عصور الانحطاط ولكنها آداب الذكاء وينبغي أن يفوق الناقد بين آداب الذكاء وآداب الطبائع.

فآداب الذكاء زخارف أقوال وتصيد خواطر وتلفيقات أوهام وهي حبر على ورق وآداب الطبائع ايمان صادق وشعور دافق وعمل ناطق وهي كلمات من لحم ودم.

وليس هناك من يشك في أن الأدب الصحيح موصول بالطبائع القوية والفطر الحية فما بالهم يشكون في أن نهوض الأمم موصول بنهوض الآداب الصحيحة 

وينبغي أيضاً أن يفرق الناقد بين الذكاء والعقل فإن العقل بما فيه من ضبط النزوات وكبح الأهواء والموازنة بين الاحساسات مرجعه الى الطبع القوي لا الى الفهم الوحي بخلاف الذكاء فإن مرجعه الى الذهن وليس الذهن بشيء ان لم تمدده العوامل المحركة وتؤيده الخلائق المستمسكة. 

الشعر يعمّق الحياة فيجعل الساعة من العمر ساعات:

عش ساعة مفتوح النفس لمؤثرات الكون التي يعرض عنها سواك ممتزجة طويتك بطويته الكبيرة تكن 

قد عشت ما في وسع الانسان أن يعيش وملأت حقيبتك من أجود صنف من الوقت 

والوقت أيها القارئ أصناف:

فمنه ما يبخل به الابد على غير سكان السموات ومنه ما يطرحه للأبقار والحشرات

 فإذا قلنا لك أحبب الشعر فكأننا نقول لك عش وإذا قلنا إن أمة أخذت تطرب للشعر فكأننا 

نقول انها أخذت تطرب للحياة.

وها نحن أولا نرى اليوم في آدابنا نهضة فعسى أن تكون آداب طبائع لا آداب ذكاء 

لأن كل أدب خلا أدب الطبائع غير قمين أن يناط به الرجاء 

ص10

مقدمة الجزء الثاني:

الشعر والمدينة:

قال الكاتب الإنكليزي توماس لف بيكوك في رسالته عن أدوار الشعر الأربعة:

الشاعر في عصرنا هذا هو نصف همجي يعيش في عصر المدينة لأنه يقيم في الزمن الخالي ويرجع بخواطره وأفكاره وخوالجه وسوائحه الى الأطوار الهمجية والعادات المهجورة والأساطير الأولى ويسير يذهبه كالسرطان زحفا الى الوراء .....لقد كان الشعر نقرة تنبه الذهن في طفولة الهيئة الاجتماعية ولكن من المضحك 

في عصر النضح العقلي أن نعنى بألاعيب طفولتنا ونفسح لها موضعا من شواغلنا فإن هذا سخف يشبه سخف الرجل الذي يشتغل بألاعيب الصبيان ويبكي لينام على رنة الأجراس الفضية.

هذا هو الأساس الي أقام عليه الكاتب رأيه في رسالته وليس هو بالرأي الحديث ولكنه رأي قديم أورده أفلاطون في جمهوريته ولهج به بعض الكتاب في ابان النهضة الفرنسية مع انها في مراميها السياسية والاجتماعية أشبه برواية شعرية تمثل على مسرح الفن منها بالحقيقة العملية التي تجري في عالم الحياة وقد أحسن فيكتور هوجو في تفنيده هذا الرأي في كتابه (وليام شكسبير) فقال:

(ينادي كثير من الناس في أيامنا هذه ولا سيما المضاربون وفقهاء القانون بأن الشعر قد أدبر زمانه 

فما أغرب هذا القول؟

الشعر أدبر زمانه 

لكأن هؤلاء القوم يقولون:

إن الورد لن ينبت بعد وان الربيع قد أصعد آخر أنفاسه وأن الشمس كفت عن الشروق 

وانك تجول في مروج الأرض فلا تصادف عندها فراشة طائرة وإن القمر لا ينظر له ضياء بعد اليوم والبلبل لا يغرد والأسد لا يزمجر والنسر لا يحوم في الفضاء وإن قلال الالب والبرانيس قد اندكت وخلا وجه الأرض من الكواعب الفواتن والايفاع الحسان .

لكأنهم يقولون إنه لا أحد اليوم يبكي على قبر ولا أم تحب وليدها وإن أنوار السماء قد خمدت وقلب الإنسان قد مات 

والحق انه لا فرق بين القولين اذ الشعر لا يفنى إلا إذا فنيت بواعثه 

وما بواعثه إلا محاسن الطبيعة ومخاوفها وخوالج النفس وأمانيها فإذا حكمنا بانقضاء هذه البواعث 

فكأنما حكمنا بانقضاء الإنسان وليس من العجب أن يوجد في الدنيا أناس لا يهتزون للشعر وهي مكتظة بمن لا يهتزون للحياة نفسها غاصة بمن يمرون بها غافلين عن محاسنها وآياتها كأنهم سيمرون بها ألف مرة أو كأنهم يعودون اليها كلما شاءوا الكرّة.

انني لا أرى في ضروب الخطأ رأيا أخطل من زعم الزاعمين أن الشعر يحن الى الماضي ويحجم عن المستقبل هذا زعم تجرد أصحابه من أريحية الشعر ومن اصالة الفكر فلا هم في الشعراء ولا هم في الفلاسفة الحكماء.

ولو كان الشعر عاكفا على الماضي كما يزعمون لكان خليقا ألا تظهر نهضاته إلا في أعقاب الدول وأنقاض الحضارة.

وهذا خلاف ما نشاهده بين أيدينا من حقائق التاريخ و حوادث الأمم.

وانما يُلبس الصواب على بيكوك وأمثاله ويوهمهم ان الشعر خاصة من خواص الهمجية 

انهم لا يميزون بين اقتران السبب بالمسبب واقتران الأمرين في موضع واحد 

فالشعر عندهم لزيم الجهل لأن الهمج كانوا جهلاء وكانت أشعارهم من أبلغ الشعر وأقواه 

ولو قال ان العرب سمر الوجوه لأنهم يتكلمون اللغة العربية أو أنهم يتكلمون اللغة العربية 

لأنهم سمر الوجوه لما كان قوله هذا أغرب في العقل وأبعد من الصدق من قول هؤلاء الكتاب.

اذ الحقيقة ان الهمج لم ينظموا أبلغ الأشعار لأنهم جهلاء ولا كانوا جهلاء لأنهم نظموا أبلغ الأشعار 

ولكنهم طائفة من الخلق لها نفوس ومدارك قد بهرتها طلعة الطبيعة وأدهشتها بدائع الكون فماجت جوانجها بالإحساس وجاشت غواربها بالخيالات فاندفقت من الصدور الى الألسنة وأفصحت عنها كما يفصح الجاهل عما يتلجلج في صدره.

أحست نفوسهم فتحركوا للتعبير عنها فكانوا جهلاء في تعبيرهم ولم يكن تعبيرهم عن أنفسهم لأنهم جهلاء 

ولقد انجابت اليوم عصابة الجهل عن حواسنا ودرجنا من الهمجية الى المدينة ولكن الكون لم يصغر والدنيا لم تنقص ونواميس الطبيعة لم تضعف 

ولم يصبح هذا الكون اليوم أقل استحقاقا لإعجابنا ودهشتنا مما كان في أعين الهمج الجاهين فهل من فضل المدينة على أبنائها ألا يشعروا ببهجة الأزهار وروعة البحار أو ببهاء النجوم ووحشة الغيوم وألا تتفتح نفوسهم لنضرة الوجوه المشوقة ولا تطرب آذانهم لخرير الجداول المترقرقة وعجيج الأواذىّ المتدفقة وألا يأسفوا ولا يحزنوا ولا يحبوا ولا يبغضوا ولا يتمنوا ولا يتذكروا تنزها عن الهمجية وصونا لكرامة المدينة؟

أم من فضلها عليهم أن يشعروا بهذه الأشياء ثم يسكتوا عن شعورهم بها متباهين 

بهذا البكم المدني على ذلك المنطق الهمجي؟

أم ينطقون بها همسا لئلا يعترضوا مطارق المعامل ومقارع الآلات ولئلا يحجبوا صفير 

القاطرات وأزيز المركبات التي لا ينبغي للمدني أن يطرب لغيرها أو يتصنت لصوت 

غير صوتها؟

يقول بيكوك:

" نحن نعلم اليوم أن لا جنيات في حديقة هيدبارك ولا عرائس في قناة الريجنت"

وهو قول حق لولا أن الرجل قد نسى أن الأقدمين لم يعجبوا بالآجام والغدران لأنهم 

تخيلوا فيها الجنيات والعرائس 

بل هم تخيلوا فيها الجنيات والعرائس لأنهم أعجبوا بها وفتنوا بسحرها ونحن اليوم حدائقنا 

كما تسر الأقدمين أو رأوها 

فهل يكون من العبث نظم قصيدة في وصف سرورنا بها ولا يكون من العبث غرسها 

وتعهدها للتمتع بهذا السرور؟

ان المدينة لا تقتل النفس الإنسانية وما كانت المنافع المادية التي يعبدها كارهو الشعر 

ولن تكون غاية الإنسان القصوى في الحياة.

ولو أن مطالب الجسم كانت هي وجهة الحياة الإنسانية لكان العالم قد بلغ حده منذ آلاف 

السنين ولكانت الأجيال المقبلة أجيالا فضولية لا تزيد العالم ولا العالم يزيدها 

لأن الانسان قد عرف حاجات جسمه وبصر بوسائلها

فماذا بقى عليه منها وفيم تتعاقب الأجيال بعد الأجيال لتكرير حالة واحدة لا تفاوت 

فيها؟

لو كانت وجهته ما يسمونه بالمنافع المادية لكان حسبه ما بلغه منها وكفى ولكن الانسان مسوق الى وجهة بعيدة بميول نفسه وحوافزها. 

وإنما منافعه المادية زاده الى هذه الوجهة وكل هاتيك المنافع تنتهي الى معنى من المعاني 

الشعرية التي البلداء لغوا وهي هي جوهر الحياة ومتاع النفوس 

الانسان شاعر في مبانيه وعروضه ولباسه ومطاياه فلم لا يكون شاعرا في كلامه 

وهو مفتاح نفسه وأشرف مزاياه؟

ولم لا يكون شاعرا في الكلام الموزون وهو أجمل كلامه وأشجاه؟

يرفع الصروح باذخات تطاول الجبال الشماء وتخترق طباق الهواء.

فهل كانت تضيق بجسمه الصغير لو خفض من حجراتها ووطأ من أسوارها؟

ويملأ الخزائن بذهبه وفضته فهل تراه يهلك جوعا لو اجتزأ من هذه الخزائن بعشر معشارها 

ويقتني الحلل المسومة ألوناً وأزياء فهل يتقى بها القر والهجير؟

ويتخذ له المركبات الخاصة فهل هي أسرع في المسير أو أقل عليه كلفة من مراكب الجماهير؟

كلا ولكنه يبتغي بها أثرا في النفوس لا يختلف في صميمه عن الأثر الذي يبتغيه 

الشاعر بقصائده أثرا يحسه قلبه لا أعضاؤه، أثرا مداره عواطف النفس ورغباتها لا احجام المادة وكمياتها.

هذه هي الميول والحوافز التي تدير دولاب المنافع المادية ولا ضير منها على الشعر لأنها عنصره وينبوعه ولأن الشعراء الكبار في الأمة علامة على تيقظ هذه الميول والحوافز فيها وإن وراء منافعها المادية عاملا ينميها ويرقيها وأنها تجعل المنافع أداة لمطامعها وأمانيها. 

ولكن علام تدل المنافع وحدها تدل على أنها الغاية من حياة الأمة 

ولا مراء في مصير أمة أدركت من حياتها الشأو الأخير 

كذلك ترى الزهرة على غصون الدوحة الباسقة فتطلع منها على حياة نامية في جذوعها وأطرافها وجرثومة كفيلة بتجديد أزهارها وثمارها فإذا أخطأت فيها فقد لا يتقلص شبر من ظلالها أو يسقط فرع من غصونها ولكنها ليست بعد بالدوحة المنتجة و انما هي حطب منصوب تتوقعه النار تتربص به الفأس والمنشار 

البحور (14)

الرجز
الكامل
البسيط
الطويل
الخفيف
المجتث
المتقارب
الوافر
المنسرح
الرمل
السريع
الهزج
المقتضب

القوافي (17)

ء
ن
ب
م
ع
ر
ك
ت
ه
ح
ل
س
ي
د
لا
ق
ف

القصائد (142)

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد

فرضة البحر ص19

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد

فينوس على جثة أدونيس ص21

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد

الدهر الرقيق ص23

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد

 الانسان والوحش ص23

عباس محمود العقاد
عباس محمود العقاد

ألم اللذة ولذة الألم ص27