أَلَم تَرَ أَنَّ الشَّيءَ لِلشَّيءِ عِلَّةٌ
القصيدة كتبها ابن الزيات يهدد بها إبراهيم ابن المهدي (1) أنه سينشدها بين يدي المأمون إذا هو لم يرد له ما اقترضه من أبيه، وإبراهيم ابن المهدي هو أخو هارون الرشيد، بويع بالخلافة يوم 25/ ذي الحجة/ 201هـ  ولقبوه (المبارك) ترجمته وأخباره مشهورة، ويعرف أيضا بابن شكلة وهي أمه وصلتنا قصة هذه القصيدة برواية ابن الشاعر واسمه عبيد الله فيما رواه عنه الصولي قال:

قال لما وثب إبراهيم بن المهدي على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا فأخذ من عبد الملك جدي عشرة آلاف دينار، وقال أردها إذا جاءني مال، ولم يتم أمره واستخفى.

ثم ظهر فطولب بالأموال، فقال إنما أخذتها للمسلمين وأردت أن أقضيها من أموالهم، والأمر إلى غيري.

فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها المأمون ومضى بها إلى إبراهيم بن المهدي فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلن هذه القصيدة إلى المأمون، فهاب إبراهيم أن يقرأ المأمون مثلها، وقال خذ مني بعض المال ونجِّمْ بعضَه ففعل أبي ذلك وأحلفه أنه لا يظهر القصيدة في حياة المأمون ووفى له بباقي المال، والقصيدة هي: (قصيدة اليوم)

والمقصود بمحمد في البيت الرابع الخليفة العباسي محمد الأمين أخو المأمون، قال الصولي: ويعني بالحسين: الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان: أخرج محمد الأمين على رؤوس الناس حاسرا حتى حبسه في مدينة أبي جعفر في الخضراء فلما كان الغد قال له الجند: كن في حيلة أرزاقنا. فدفعهم الحسين يومين ثم هرب في اليوم الثالث فتبعه تميم مولى أبي جعفر وغالب في جماعة فقتلوا وجاؤا برأسه إلى محمد وأخرجوا محمداً وهو عطشان قد كاد يتلف فردوه إلى الخلافة (1) قال الصفدي: (إبراهيم بن محمد المهدي أبو إسحاق أمير المؤمنين المبارك ابن المهدي العباسي الأسود الملقب بالتنين لسمنه، وكان فصيحاً مفوهاً بارع الأدب والشعر بارعاً إلى الغاية في الغناء ومعرفة الموسيقى، وأمه اسمها شكلة، روى عن المبارك بن فضالة وحماد بن يحيى الأبح، ولي إمرة دمشق سنتين ثم أربع سنين لم يقطع على أحد في عمله طريق، وبويع بالخلافة زمن المأمون وقاتل ابن سهل وهزمه إبراهيم فتوجه نحوه حميد الطوسي فقاتله فهزمه حميد واستخفى إبراهيم زماناً حتى ظفر به المأمون وحديثه في ذلك مشهور فعفا عنه وأورد صاحب الأغاني وغيره من ذلك جملة.وكان أسود حالكاً عظيم الجثة لم ير في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه ولا أجود شعراً. ولد سنة اثنتين وستين ومائة وتوفي رحمه الله في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين وكان قد غلب على بغداد والكوفة والسواد، فلما قارب المأمون العراق ضعف أمر إبراهيم وركب بأبهة الخلافة إلى المصلى يوم النحر وصلى بالناس وهو ينظر إلى عسكر المأمون ثم انصرف من الصلاة وأطعم الناس بقصر الرصافة ثم استتر وانقضى أمره وظفر به المأمون سنة عشر وعفا عنه وبقي مكرماً إلى أن مات. ويقال إنه ما اجتمع غناء أخٍ وأختٍ أحسن من إبراهيم وأخته علية ابني المهدي، وله ترجمة طويلة في تاريخ دمشق تكون في سبع عشرة قائمة. وكان سبب ولايته الخلافة أن المأمون لما كان بخراسان جعل ولي عهده علي بن موسى بن علي الرضي فشق ذلك على العباسيين ببغداد وبايعوا إبراهيم ولقبوه المبارك لخمس بقين من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين وبايعه العباسيون في الباطن، ثم بايعه أهل بغداد في أول يوم من المحرم سنة اثنتين وأظهروا ذلك وصعد المنبر ثم إن إبراهيم اختفى لذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين ونظم فيه دعبل الخزاعي:

نفـــر ابـــن شـــكلة بـــالعراق وأهلــه فهفــــا إليــــه كـــل أطلـــس مـــائق


إن كــان إبراهيــم مضــطلعاً بهــا  فلتصـــــلحن مــــن بعــــده لمخــــارق


ولتصـــلحن مــن بعــد ذاك لزلــزلٍ  ولتصـــــلحن مــــن بعــــده للمــــارق


أنـــــى يكــــون وليــــس ذاك بكــــائن يــــرث الخلافـــة فاســـقٌ عـــن فاســـق


ومن شعر إبراهيم بن المهدي الأبيات التي نظمها في استتاره وهي يضرب بها المثل للشيء إذا أخلق فيقال: غنى بصوت ابن شكلة والأبيات:

ذهبــت مــن الــدنيا وقــد ذهبــت منــي هــوى الــدهر بـي عنهـا وولـى بهـا عنـي


فإن أبك نفسي أبك نفساً نفيسةً   وإن أحتســـبها أحتســـبها علـــى ضـــني


قال المرزباني: وله فيه صنعة عجيبة في طريقة الثقيل الثاني وجعله نوحيا وغنى به المعتصم في آخر عمره وهو يبكي وجعله طريقاً إلى ترك الغناء.
الأبيات 43
أَلَـــم تَـــرَ أَنَّ الشـــَّيءَ لِلشـــَّيءِ عِلَّـــةٌ يَكـــونُ لَهـــا كَالنَّـــارِ تُقــدَحُ بِالزَّنْــدِ
كَـــــذلِكَ جَرَّبنـــــا الأُمــــورَ وَإِنَّمــــا يــدلكَ مــا قَــد كــانَ قَبــلُ عَلـى البعْـدِ
وَظَنِّــــــي بِــــــإبْراهيمَ أَنَّ مَكــــــانَهُ ســـَيَبعَثُ يَومـــاً مِثـــلَ أَيَّـــامه النُّكْــدِ
رَأَيــــتُ حســــيناً حِيـــنَ صـــارَ مُحَمَّـــدٌ بِغَيــــرِ أَمـــان فـــي يَـــدَيهِ وَلا عَقْـــدِ
فَلَــو كــانَ أَمضــى الســَّيفَ فيــهِ بِضــَربَةٍ تُصـــــَيِّرُهُ بِالقــــاعِ مُنعَفِــــرَ الخَــــدِّ
إِذا لَـــم تَكُـــنْ لِلجُنـــدِ فيـــهِ بَقِيَّـــةٌ فَقَــد كــانَ مــا بُلِّغــت مِــن خَـبر الجُنْـدِ
هُــــم قَتَلـــوهُ بَعـــدَ أَن قَتَلـــوا لَـــهُ ثَلاثيـــنَ أَلفـــاً مِــن كهــولٍ وَمِــن مُــرْدِ
وَمـــا نَصـــَروهُ عَـــن يَـــدٍ ســـَلَفَتْ لَــهُ وَلا قَتَلــــوهُ يَــــومَ ذلِـــكَ عَـــن حِقْـــدِ
وَلكِنَّــــهُ الغَــــدْرُ الصـــراحِ وَخفّـــة الْ حلــومِ وَبُعــدُ الــرَّأيِ عَــن ســُنَنِ القَصــْدِ
فَــــذلِكَ يَــــومٌ كـــانَ لِلنَّـــاسِ عِـــبرَةً ســَيَبقى بَقــاءَ الــوَحْيِ فـي الحَجَـر الصـَّلْدِ
وَمـــا يَـــوم إِبراهيـــمَ إِن طــالَ عُمــرهُ بِأَبعَــدَ فــي المَكــروهِ مِــن يَــومِهِ عِنْـدي
تَــــذَكَّرَ أَميــــرَ المُــــؤمِنينَ قِيــــامَه وَإيمــانَهُ فــي الهَــزل مِنــهُ وَفــي الجـدِّ
أَمـــا وَالَّـــذي أَصـــبَحتُ عَبْـــدَ خَليفَـــةٍ لَـــهُ خَيـــرُ إيمـــانِ الخَليفَــةِ وَالعَبْــدِ
إِذا هَــــزَّ أَعــــوادَ المَنـــابِر باســـتِهِ تَغَنّــــى بِلَيلــــى أَو بِمَيَّــــة أَو هِنْـــدِ
وَوَاللَّـــهِ مـــا مِـــن تَوْبَــةٍ نَزَعَــتْ بِــهِ إِلَيــــــكَ وَلا مَيــــــلٍ إِلَيــــــكَ وَلا وُدِّ
وَلكِـــــــنَّ إِخلاصَ الضــــــَّميرِ مُقَــــــرَّب إِلـــى اللَّـــهِ زُلفــى لا تخيــبُ وَلا تكْــدي
أَتــــاكَ بِــــهِ طَوْعـــاً إِلَيـــكَ بِـــأَنفِهِ عَلـــى رُغْمِـــهِ وَاِســتَأثَرَ اللَّــهُ بِالحَمْــدِ
فَلا تَــــترُكَنْ لِلنَّــــاسِ مَوضــــِعَ شــــُبهَةٍ فَإِنَّــــكَ مجـــزيٌّ بِحَســـْبِ الَّـــذي تُســـْدي
فَقَـــد غَلَطــوا لِلنَّــاسِ فــي نَصــْبٍ مِثلــه وَمــن لَيــسَ لِلمَنصــورِ بِــابن وَلا المَهْــدي
فَكَيــفَ بِمَــن قَــد بــايَعَ النَّــاسُ وَالتَقَـتْ بِبَيعَتِــــهِ رُكْبـــانُ غَـــوْرٍ إِلـــى نَجْـــدِ
وَمَــــن صـــَكَّ تَســـليمُ الخِلافَـــةِ ســـَمعَهُ يُنــادى بِهــا بَيــنَ الســماطين مِــن بُعْـدِ
وَأَيُّ اِمـــرئٍ ســـامى بِهـــا قَـــطُّ نَفْســـَهُ فَفارَقَهـــا حَتّـــى تَغَيَّـــبَ فـــي اللَّحْـــدِ
وَترجـــــمُ هـــــذي النَّابتيَّــــةَ أَنَّــــهُ إِمـــامٌ لَهـــا فيمــا تُجِــنُّ وَمــا تُبْــدي
يَقولــــــونَ ســـــُنِيٌّ وَأَيَّـــــةُ ســـــُنَّةٍ تَقــومُ بِجَــونِ اللَّــونِ صــَعلُ القَفــا جَيْـدِ
وَقَـــد جَعَلـــوا رُخْـــصَ الطَّعـــامِ بِعَهــدِهِ زَعيمــاً لَهُــم بِــاليُمنِ وَالكَــوكَبِ الســَّعْدِ
إِذا مـــــا رَأَوا يَومــــاً غَلاء رَأيَتهــــم يَحِنُّـــونَ تَحنانـــاً إِلـــى ذلِـــكَ العَهْــدِ
وَأَقبَـــلَ يَـــومَ العيـــدِ يوجِـــفُ حَـــوْلَهُ وَجيــف الجِيــادِ وَاِصــطِكاك القَنــا الجُـرْدِ
وَرجّالَـــةٌ يَمشـــونَ فـــي الـــبيضِ دونَــهُ وَقَــــد تَبعــــوهُ بِالقَضــــيبِ وَبِـــالبُرْدِ
فَـــإِنْ قُلـــتَ قَـــد رامَ الخِلافَـــةَ غَيــرُهُ فَلَــم يُــؤتَ فيمــا كــانَ حــاولَ مِــن جَـدِّ
فَلَـــم أجـــزِهِ إِذ خَيَّـــبَ اللَّـــهُ ســـَعيَهُ عَلـــى خَطَـــأٍ إِذ كــانَ مِنــهُ عَلَــى عَمْــدِ
وَلَـــم أَرضَ بَعـــدَ العَفـــوِ حَتّــى رَفَــدتُهُ وَلَلعَــــمُّ أَولــــى بِالتَّغَمُّــــدِ وَالرِّفْـــدِ
فَلَيــــسَ ســــَواءً خــــارِجِيٌّ رَمـــى بِـــهِ إِلَيــكَ ســَفاهُ الــرَّأيِ وَالــرَّأيُ قَـد يُـردي
تَعــــاوَت لَـــهُ مِـــن كُـــلِّ أَوبِ عصـــابَةٌ مَـــتى يـــورِدوا لا يُصــدِروهُ عَــنِ الــورْدِ
وَآخَـــر فـــي بَيـــتِ الخَليفَـــةِ يَلتَقـــي بِـــهِ وَبِـــكَ الآبـــاءُ فـــي ذُروَةِ المَجْــدِ
فَمَـــــولاكَ مَـــــولاهُ وَجُنـــــدُكَ جُنــــدهُ وَهَــل يَجمَــعُ القَيــنُ الحُســامَينِ فـي غَمْـدِ
وَقَـــد رابَنـــي مِــن أَهــلِ بَيتِــكَ أَنَّنــي رَأَيـــتُ لَهُـــم وَجْـــداً بِــهِ أَيَّمــا وَجْــدِ
يَقولـــونَ لا تَبْعُـــدْ مِـــن اِبـــنِ مُلِمَّـــةٍ صـــَبورٍ عَلَيهـــا النَّفـــس ذي مَــرَّةً جَلْــدِ
فَــــدانا فَهــــانَت نَفســـُهُ دونَ مُلكِنـــا عَلَيــهِ عَلــى الحِيــنِ الَّـذي قَـلَّ مَـنْ يُفْـدي
عَلــى حيــن أَعطــى النَّــاسُ صــَفوَ أَكُفِّهِــم عَلِـــيُّ بـــنِ موســـى بِالوِلايَـــةِ لِلعَهْـــدِ
فَمــا كــانَ مِنَّــا مَــن أَبـى الضـَّيْمَ غَيـرهُ وَلكِــن كَفانــا فــي القَبــولِ وَفــي الـرَدِّ
وَجَـــــرَّدَ إِبراهيــــمُ لِلمَــــوتِ نَفســــَهُ وَأَبـــدى ســـِلاحاً فَـــوقَ ذي مَيْعَـــةٍ نَهْــدِ
فَـــأَبلى وَمَــن يَبلُــغْ مِــنَ الأَمــرِ جَهــدَهُ فَلَيـــسَ بِمَـــذمومٍ وَإِن كـــانَ لَـــم يُجْــدِ
فَهـــذي أُمـــورٌ قَـــد يَخــافُ ذَوو النُّهــى مَغَبَّتَهــــا وَاللَّــــهُ يَهــــديكَ لِلرُّشــــْدِ
ابن الزيات
175 قصيدة
1 ديوان

محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة، أبو جعفر المعروف بابن الزيات.

وزير المعتصم والواثق العباسيين، وعالم باللغة والأدب، من بلغاء الكتاب والشعراء.

نشأ في بيت تجارة في الدسكرة (قرب بغداد) ونبغ فتقدم حتى بلغ رتبة الوزارة.

وعول عليه المعتصم في مهام دولته. وكذلك ابنه الواثق ولما مرض الواثق عمل ابن الزيات على توليه ابنه وحرمان المتوكل فلم يفلح، وولي المتوكل فنكبه وعذبه إلى أن مات ببغداد.

وكان من العقلاء الدهاة وفي سيرته قوه وحزم.

847م-
233هـ-

قصائد أخرى لابن الزيات

ابن الزيات
ابن الزيات
 لا يكاد يخلو ديوان من دواوين شعراء المعتصم العباسي من ذكر القصة التي تناولتها قصيدة الوزير الزيات هذه، وهي قصة لا أول لها ولا آخر، من أراد أن يجمع كل ما يتعلق بها من أخبار وأشعار وأيام وحروف فسوف يحتاج إلى عشرات السنين من العمل الدؤوب، وسوف