إعداد بيان بازرباشي
يضم هذا الديوان مختارات من شعر رامي وليس الأعمال الكاملةوقد اعتمدت في جمعه نشرة دار الشروق الطبعة الأولى عام 1420هـ 2000م
وينقسم الديوان الى أربعة أجزاء:
خواطر من ص 31 الى ص 100
عواطف من ص 101 الى ص 159
رثاء من ص 159 الى ص195
أغان من ص 195 الى ص 287
وقد تصدرتها مقدمة بقلم ولده توحيد رامي ثم مقدمة بقلم الشاعر صالح جودت: 1973م هذا نصها:
ما أحببت في حياتي شاعرا قدر ما أحببت رامي
ولا حاربت في حياتي شاعرا قدر ما حاربت رامي
وقصة هذه الحرب أنه من ربع قرن كان كلما لقيني قال لي:
أهلاً بالشاعر الذي لم يزجل.
ذلك أنني الى ذلك العهد لم أكن قد مارست فن كتابة الأغنية الدارجة بعد وكنت أحس أن رامي يفخر بي إذ يقول لي عبارته تلك.
وأحس في الوقت ذاته أنه حزين النفس إذ أضاع زهرة العمر في نظم الأغنية الدارجة وهي ضرب من الزجل حتى عرفه الناس بها أكثر مما عرفوه شاعرا على حين أن الله قد خلقه شاعرا وأجزل له العطاء في موهبة الشعر ولمع اسمه في أوائل العشرينيات حتى خيل للناس أن لا خليفة لأمير الشعراء غيره.
ولكن القدر شاء أن يلتقي بأم كلثوم في منتصف العشرينيات فإذا هو يضعف أمام سحرها وتلين موهبته لإلهاماتها فينصرف عن الشعر الى نظم الأغنية الدارجة لها وتستمرئ عاطفته مرعى ذلك الصوت الخصيب حتى يكاد ينسى نفسه وينسى موهبته الأصلية وينسى ما جبل عليه وما خلق له قربانا لوتر أم كلثوم.
ومهما يكن من أمر فإن رامي في نزوله من قمة الشعر الى سهل الاغنية الدارجة لم يهبط عبثا وانما حمل رسالة أدبية وقومية ضخمة هي رسالة الوثوب بالأغنية الدارجة من السفوح الى القتن في الكلمة والمعنى معا واستطاع أن يطوع الصور والمعاني الشاعرية العالية للكلمة العامية وأن يرقق عواطف العامة بالشجى والأنين والذكريات وغيرها بشيء جديد هو قربها الى الشعر وحتى أصبح رامي زعيم مدرسة في الغناء لم يتأثر بها المؤلفون المحدثون وحدهم وانما امتد تأثيرها الى روح الملحن وحنجرة المغنى أيضاً.
أقول ما حاربت في حياتي شاعرا قد ما حاربت رامي
ذلك أنني عرفته منذ ثلاثين سنة وصاحبته منذ عشرين سنة ولازمته ملازمة الظل للظل منذ عشر سنوات لا يطيب لأحدنا يوم إلا إذا سمع صوت الآخر ولا تصفو لأحدنا ليلة إلا إذا ساهر الآخر.
وفي خلال هذه السنوات العشر حرضته على نفسه ليقاومها وأوغرت صدره على هواه ليقوى عليه ويغلبه وغايتي من كل ذلك أن يخلص رامي من الكلمة العامية والأغنية الدارجة ويخلص لوجه الشعر وحده ويرتد الى ما جبله الله وخلقه له.
وأحسب أنني انتصرت في هذه الحرب نصرا مطردا بدأ بالقليل وانتهى الى الكثير ولا أحسبني مخطئا إذا قلت إن ما نظمه رامي في السنوات الأخيرة من الشعر يعدل كل ما نظمه في حياته أو يزيد.
وقد لا يزيد في الكم ولكنه يزيد في الكيف ألف مرة ومرة.
ومصداق قولي في هذا الديوان الذي بين يديك أيها القارئ قصائده في دمشق وفي قصر المنتزه وفي معبد أبي سمبل وفي السد العالي وفي عائمة النيل وفي المطار وكلها من حصاد هذه السنوات الخمس.
وهكذا ارتد رامي...
ارتد عن الكلمة الدارجة الى الكلمة الفصحى وماهي بردة وانما هي عودة الى الايمان بما خلق من أجله وقد خلق ليكون على القمة التي يقف عليها أعلام الشعر العربي في هذا الجيل ولا أحسبهم أكثر من ثلاثة.
ولست أعرف بين سير الشعراء أكثر شاعرية من سيرة رامي الشاعر الذي انتقل من مروج النرجس في جزيرة طاشيوز
اليونانية الى الحياة بين القبور في حي الامام ثم الى مجامع المتصوفين في حي الحنفي ثم إلى عشرة الخيام تحت أضواء باريس ثم الى الفردوس الذي مدته لخياله أم كلثوم.
في يوم من أيام أغسطس سنة 1892 خرج أحمد الى النور في بيت عريق بحي لناصرية بالقاهرة وكان أبوه (محمد رامي) لا يزال يومئذ طالبا بمدرسة الطب.
ولد أحمد والنغم ملء أذنيه.
وهو يذكر فيما يذكر من خيالات طفولته الأولى أن جماعة من اهل الفن والطرب كانت تلتقى دائما في منظرة بيت أبيه وأن أباه كان شغوفا بالفن.
فلما تخرج الأب من مدرسة الطب اختاره الخديوي عباس ليكون طبيبا لجزيرة طاشيوز وهي جزيرة صغيرة على مقربة من (قوله) مسقط رأس محمد علي وكانت يومئذ من أعمال تركيا وهي اليوم من اعمال اليونان وكانت هذه الجزيرة ملكا خاصا لعباس الثاني.
والى هذه الجزيرة ذهب أحمد مع أبيه وقضى عامين كاملين ذهب وسنه السابعة وعاد وسنه التاسعة وهذه سنوات التفتح في براعم الأخيلة.
وهكذا تفتح برعم خياله على غابات اللوز والنقل والفاكهة والبحر والموج والشاطئ وكانت ملاعبه هناك بين مروج النرجس الكثيفة هذه المروج التي كانت من قبله ملاعب لهومير وغيره من شعراء اليونان الاقدمين
وعاد رامي من هذه الجنة ليلتحق بالمدرسة.
عاد الى القاهرة وقد وعى التركية واليونانية وهما لغتا أهل الجزيرة وما يزال يعي طرفا منهما ويترنم ببعض أهازيجهما
الشعبية حتى الآن.
عاد من الجنة الى اليباب فقد ترك أبويه هناك وأقام عند بعض أهله في بيت يقع في حضن القبور بحي الامام الشافعي فاستوحشت نفسه وانطوت على هم وحزن عميقين.
والتحق آنذاك بالمدرسة المحمدية الابتدائية بحي السيوفية.
فلما عاد أبوه من طاشيوز عادت الأسرة الى بيتها القديم بحي الناصرية بيد أن المقام لم يطل به في القاهرة
إذ التحق بالجيش وسافر الى السودان وتركه في رعاية جده وهو شيخ في السبعين يسكن في حي الحنفي فعاودت احمد الوحشة بعد ايناس لولا أن خففت حدتها على نفسه نافذة في غرفته كان يطل منها على تخوم مسجد السلطان الحنفي ليستمع طيلة الليل الى مجامع المتصوفة يتلون أورداهم ويرددون ابتهالاتهم واستغاتاتهم في نغم جميل.
وكان له قريب من بيت الرافعي وهو بيت علم وأدب وثقافة ووطنية وكان لقريبة هذا مكتبة عامرة أنس اليها أحمد فكان يقضي بها جل وقته.
وكان أول كتاب وقع في يد أحمد رامي فقرأه وتشبع به وحفظه عن ظهر قلب هو كتاب:
"مسامرة الحبيب في الغزل والنسيب" وكله مختارات من شعر العشاق والغزليين.
وهو الكتاب الذي لعب الدور الأول في حياة رامي فقرر مصير حياته
ثم قرأ في هذه المكتبة كثيرا وكان قد أدرك مرحلة الدراسة الثانوية بالمدرسة الخديوية وتعلقت نفسه بالأدب.
وكانت هناك جماعة أدبية على مقربة مما يقيم بحي السيدة زينب اسمها "جمعية النشأة الحديثة"
وكان بها رواق للأدب كل خميس تشهده جماعة من فحول ذلك الجيل منهم لطفي جمعة وامام العبد وصادق عنبر ومحمود أبو العيون وغيرهم.
وتوسم المرحوم صادق عنبر في أحمد الصغير خيرا وسمعه يتلو الشعر تلاوة طيبة فكلفه قراءة بعض المختارات من الشعر القديم في هذا الرواق الأسبوعي.
وواتته في هذه الرواق فرصة سانحة قرض فيها أول قصيدة من نظمه وهو يومئذ في الخامسة عشرة.
ومن عجب أن أولى قصائده لم تكن غزليه بل وطنية ومطلعها:
يا مصر أنت كنانة الرحمن=في أرضه من سالف الأزمان#
| ساعد بلادك يابن مصر ونيلها | واهتف بها في السر والاعلان |
وفي سنة 1910 نشرت له مجلة الروايات الجديدة أول قصيدة منشورة ومطلعها:
| أيهـا الطائر المغرد رحماك | فـإن التغريـد قـد أبكـاني |
| أنـت مثلت في الغباء غريبا | غـاب دهـرا عـن هذه الأوطان |
وأنجز احمد مرحلة الدراسة الثانوية وهم بدخول مدرسة الحقوق لولا أن نفسه كانت قد تعلقت بالأدب أيما تعلق
فلم يجد ما يروي غلته في هذا المجال إلا مدرسة المعلمين العليا فتحول اليها وتخرج فيها عام الحرب العالمية الأولى سنة 1914م.
وكان أول همه أن يتصل بشعراء ذلك الجيل وعلى رأسهم شوقي وحافظ ومطران وعبد الحليم المصري وأحمد نسيم وبقية رعيلهم فاتصل بهم وأحبهم وأحبوه.
تخرج أحمد في مدرسة المعلمين العليا وعين مدرسا بمدرسة القاهرة الابتدائية بالسيدة زينب.
وبعد عامين عين بمدرسة القربية الأميرية يدرس للناشئة اللغة الإنجليزية والجغرافيا والترجمة.
وفي هذه الآونة في سنة 1918 صدر ديوانه الأول أو على الأصح صدرت الطبعة الأولى من ديوانه
لأن لرامي طريقة فريدة في نشر شعره تلك أنه يراجع ديوانه في كل حقبة من عمره
فيتخير منه وينخل ويضيف ويعيد طبعه من جديد على الصورة التي ترضيه دون أن يغير اسم الديوان ذاته: ديوان رامي.
وكان صدور ديوانه حدثاً أدبيا في ذلك العهد فقد طالع قراء العربية بلون جديد من الشعر اختلفت فيه المدرستان القديمة والحديثة هذه تؤيده وتلك تنحاه هذه المعركة التي دامت التي دامت في حقل الشعر الحديث الى سنوات قريبة.
وضاق رامي بالتدريس ذراعا فعاد مرة أخرى الى رحاب مدرسة المعلمين العليا حيث عين أمينا للمكتبة فاطمأنت نفسه
وانصرف الى حياة أدبية خالصة وانكب على ما في المكتبة من آداب العالم الثلاث العربية والفرنسية والانجليزية.
وهكذا ظل حتى سافر في بعثة لدراسة اللغات الشرقية وفن المكتبات بباريس سنة 1923م.
وهناك في السوربون ومدرسة اللغات الشرقية قضى عامين هما أسعد ذكريات شبابه وكأنه كان على موعد هناك مع شاعر التاريخ عمر الخيام.
وعاد امي بعد العامين الى القاهرة حيث عين في دار الكتب المصرية وظل يتدرج في مناصبها حتى أصبح وكيلا لها وقد جاوز الستين.
ومع هذا فإنه لا يزال يلقب في المجامع والمنتديات بشاعر الشباب.
وقصة ذلك أنه كان في أوليات لياليه ينشر شعره بمجلة الشباب لصاحبها المرحوم عبد العزيز الصدر الذي أطلق عليه لقب:
"شاعر الشباب" نسبة الى المجلة.
وبقيت التسمية عالقة برامي حتى اليوم.
مارس رامي ثلاثة ألوان من الأدب هي الشعر الوجداني والعاطفي والوطني
ثم أدب المسرح فقد زود شاعرنا المصري بذخيرة ضخمة تبلغ نحو خمس عشرة مسرحية
مترجمة عن شكسبير الخالد منها هملت ويوليوس قيصر والعاصفة وروميو وجولييت
والنسر الصغير وغيرها مما قدمته مسارح يوسف وهبي وفاطمة رشدي في زمن عزة المسرح.
وانتهى الى نظم الأغنيات وبها اشتهر وطار ذكره حتى أوشك الناس أن ينسوا رامي شاعر الفصحى
ورامي كاتب المسرح ولم يذكروا إلا شاعر الأغاني الى أن ارتد الى ايمانه بالشعر كما فصلت من قبل.
وبعد أيها القارئ لا يطيب لي ان أختتم حديثي هذه اليك قبل أن أقول إن هذا الديوان الذي بين يديك ليس إلا أغنية
واحدة كبيرة .... أغنية من أجمل أغنيات هذا العصر من عصور الأدب العربي.
صالح جودت 1973م.