المجموعة الكاملة لأشعار أحمد الصافي النجفي غير المنشورة (1)
قدم لها وهيأها للطبع الدكتور جلال الخياط
الجمهورية العراقية
وزارة الاعلام
بعد نصف قرن من الطواف والتنقل والحرية والتشرد والفوضى والمنفى في إيران بدءاً وبعد سنوات في سوريا ولبنان يعود الينا الشاعر أحمد الصافي النجفي يحمل معه عشرة دواوين مطبوعة ومئات من القصائد غير المنشورة وتاريخ حياة مثيرة حافلة بمشاهد وتجارب وذكريات وجلسات في مقاه كثيرة لا تنتهي أصداء أحاديثها مع أدباء وشعراء العصر ومحبي الشاعر ومريديه وكلمات تتدفق على لسانه يحاول أن يكثف بها تلك الصور المتلاحقة التي صاحبت رحلته الطويلة وكيف اخترقت الطلقتان جسمه الناحل في بيروت وهو يبحث عن خبز: احداها مزقت ساقه والأخرى أصابت ظهره ونفذت من صدره
وكأن الزمن بجروحه الكثيرة شاء أن ينهي رحلة الشاعر برصاصات ألقته في الشارع ينزف دماً ،، وتمر سيارة اسعاف بعد ساعة فتنقل الجريح الى المستشفى وينجو بصدفة أخرى تضاف الى عشرات غيرها لعبت في مسيرة حياته دوراً كبيرا.
ولا يلتفت الشاعر الى الخطر الذي يحيق به ويريد أن يعود ليجمع اشعاره ويعجز فيطوف ذهنه في ذلك المكان النائي الذي خلفه وراءه وفيه دواوينه الخمسة غير المنشورة ويؤرقه ضياعها ويقلقه حتى تأتيه امرأة فاضلة هي جارته أم حسن تزوره وتبكي وتعده أن تنقذ قصائده وتحت وابل من الرصاص وبشكل يزري بقصص المغامرات تفلح أم حسن في جمع مخطوطات شعره وتنقلها الى السفارة العراقية في بيروت
لأن المتاريس حالت بينها وبين صاحبها في المستشفى فيطمئن الشاعر ويرضى ويصل بعد ذلك الى موطنه يحمل أغلى ما يملك: تلك القصائد الجديدة ولكن بعد أن انطفأت أنوار عينيه فأي ألم يضيئه وأي حنين ولهفة وهو ينصت الى ما يدور من همسات ولا يرى شيئاً:
يا عودة للدار ما أقساها=أسمع بغداد ولا أراها#
ولم تعد تهم الشاعر سوى دواوينه غير المنشورة يخشى أن يفقدها فلا تطبع وقبل أن يصاب كانت رصاصات خمس قد أخطاته وهو في غرفته دون أن يعيرها انتباها:
| بيــن الرصـاص نفـذت ضـمن معـارك | وبرغـم أن المـوت هـا أنـا سالم |
ولها ثقوب في جداري خمسة=قد أخطأت جسمي وهن علائم#
ولدي خمس مجامع مخطوطة=فيها من الشعر الغريب عوالم#
للعالم الأدبي فيها ثروة=ماذا سيفقد لو أصبت العالم#
وتتعبه فكرة بقاء أشعاره مخطوطة ويود لو يستطيع بنفسه أن يعدها للطبع:
| عنــدي عــوالم فـي دواويـن ولـم | تطبـــع وبعـــدي هـــذه ذريــتي |
| أخشــى رداي يصـيب شـعري بـالردى | بعـدي فهـل فـي النـاس مثل بليتي |
| مـن لـي بمـن أجـد الوثوق يطبعها | فيــه لكــي ألقــي لــه بوصـيتي |
ويجد الشاعر من يثق به وتقرر مديرية الثقافة العامة في وزارة الاعلام طبع مجموعته الكاملة غير المنشورة
وكنت قد كتبت عن الشاعر فعهد الي أمر العناية بهذه المجموعة والصافي يرحب بمشروع وزارة الاعلام ويحييه بإخلاص ويثمن طبع المجموعات الكاملة لشعرائنا وكتابنا البارزين وينحسر عنه القلق الى أيد امينة تتعهد دواوينه بالرعاية.
وتسلمت مخطوطة هذه المجموعة الكاملة غير المنشورة بعد لقاء طويل مع الصافي لمست فيه راحة نفسية تعاود الشاعر واطمئنانا ووثوقا وكأنه أزاح عن نفسه عبء بقاء قصائده دون نشر وألقاه علي وظننت أنني أستطيع في أيام أن أقدم المجموعة الى الطبع ولكن الأمر استغرق مني ثلاثة أشهر قراءة وتدقيقا وحلا لألغاز خطوط كثيرة شارك أصحابها في كتابة القصائد
فالشاعر لما أصاب عينيه كان يستعين بالآخرين وتنافرت الخطوط وكثرت الخطوط وكثرت الأخطاء وتشابكت الكلمات وكانت تهيئة هذه المجموعة للنشر أصعب عمل أدبي قمت به ولكنني حجبت عن نفسي الاعتذار وبدأت أقرأ البيت بعد البيت وأوضح الغموض وأضيف الناقص واحذف الزائد وأنجح حيناً وأعجز حياناً وأستعين بالشاعر وفي ذهني أنني ان لم يكن بمقدوري أن أقرأ أجزاء من أبيات وقصائد فما الذي يفعله مرتب الحروف؟
وكان الصافي قد هجا الطباعين لأخطاء وردت في دواوينه المنشورة ولا نريد لأنفسنا هجاء ونتمنى أن تخرج هذه المجموعة الشعرية في أبهى حلة متقنة متكاملة ويتطلع الشاعر بعدها الى طبع دواوينه المنشورة لنفادها وندرتها.
أصدر الصافي عشرة دواوين مطبوعة:
الأمواج، أشعة ملونة، الأغوار، والتيار، وألحان اللهيب، هواجس، حصاد السجن، شرر، اللفحات، الشلال
وهناك سبع سنوات لم يواته فيها الشعر حتى جاء ديوان الشلال وهو وحيد أيام ثورة لبنان عام 1958 ولمدة
خمسة أشهر في فندق بصيدا هجره أصحابه ونزلاؤه خوفا من الموت وكان الصافي يكتب الشعر:
| وكيـف سـبع سـنين مـا نطقـت بهـا | شـعراً ومـا كـان تفكيـري بمـأثور |
| وكيـف مـن بعـدها الشـلال فاجـأني | شـــلال در تمنتــه طلــى الحــور |
ومرت سنوات أخرى بعد الشلال من غير شعر حتى عاود النظم ثانية منذ عام 1964م بعد أن يئس وتوالت القصائد وحاول الشاعر أن يبوبها ويقسمها على دواوين ليأتي الديوان الحادي عشر وتعقبه الدواوين الأربعة الأخرى ويسميها: (شباب السبعين، بلا اسم، كما جاء، تمرد المشيب، المطعم )
وجهدت معه أن نعرف قصائد كل ديوان جديد فالصافي حريص محب لدواوينه وما تحمل من اعداد يسمي العشرة المطبوعة ابناءه ويريد لهم أن يكثروا حتى يبلغوا خمسة عشر ولكن ذهبت جهودنا سدى
فلا فواصل بين الدواوين والقصائد اختلطت بظروف كتابتها وتجميعها ولم نتواصل الى حدود خاصة بكل ديوان لتشكل هذه المجموعة خمسة دواوين منفصلة يحمل كل واحد منها عنوانا كما شاء لها الصافي
| عجــب النــاس مـن دواويـن شـعري | كيــف كــل يختــال باســم مجيـد |
| قلــت كـل يهفـو لـه اسـم فيـأتي | ويــرف العنــوان فــوق القصــيد |
حتى إذا ما رغب الشاعر أن تكون كل مئة صفحة ديواناً وجدت الأمر متعذراً حين لا تستقل تلك بمضامين يمكن أن يؤطرها اسم وغلاف ديوان خاص وبذلك العدد المحدد من الصفحات والمجموعة مخطوطة لا تشكل خمس مئة صفحة وقد نعطي لقصائد معينة اسم ديوان آخر وهناك قصائد ومقطوعات كثيرة لا عنوان لها والأشعار جميعها بلا تاريخ.
وكانت رغبة وزارة الاعلام في طبع هذه المجموعة الكاملة لأشعاره غير المنشورة حلاً لما وقعنا فيه من حيرة وجاءت هذه المجموعة وهي تمثل في الأصل خمسة دواوين فيكون للشاعر عشرة متفرقة مطبوعة وخمسة أخرى ضمتها هذه المجموعة الكاملة.
الرفض المعنوي أساس حياة الصافي وعطائه الشعري ولد في عام 1897ووعى وجوده في مطالع هذا القرن
وما كان له سوى أن يصبح كالشعراء الآخرين امتداداً لشعراء القرن التاسع عشر المقلدين
فيرثي ويهجو ويصف أو أن يندرج مع الشعراء المعلمين المصلحين الذين برزوا في النصف الأول من
القرن العشرين كالزهاوي والرصافي ولكنه يرفض ذلك جميعاً ويحيل حياته بما فيها من تفصيلات دقيقة
مادة لشعره ويفرض الشعر سجلاً عامراً لمذكرات شخصية يومية ولمشاعر وأحاسيس إزاء من يلتقيه
أو ما يعتريه يضيق بتقاليد وقيود ويكره الزيف والنفاق ويمنح لنفسه حرية مطلقة ولا يحترم غير مزاجه
فيحرره من جمود وتصنع ويخلص له ويبالغ في ذلك الإخلاص ويسقط ما لا يتفق معه ويكون تابعا
له ومعبراً عنه.
وهكذا يمثل الصافي ذاته بلا تمويه أو تضليل ويصبح في مقدمة الشعراء الذين خرجوا على طوق الأغراض
الشعرية المحدودة المألوفة ومنذ مطالع هذا القرن وقبل أن يتبلور هذا الاتجاه عند الشعراء الجدد.
عني الشاعر بمضامين خاصة وبالشعر الوثائقي الشخصي وكانت مدرسة الحياة تمدّه بموضوعات لا تنتهي
وأنماط من أناس يثيرون عنده ردود أفعال مختلفة تنعكس في أشعاره وتأملات فكرية وموقف إزاء الوجود
ووصف لرحلة التنقل والطواف والتشرد فالصافي شاعر في ذاته أولاً وقبل أن يكون شاعرا في دواوينه
وليس لشاعر لا حدود لموضوعاته أن يقدم قصائد بمستوى واحد لأن بواعثها متباينة في قوتها ودفقها
وملاءمتها للأداء الشعري وإذا استوعبنا الحرية الشعرية التي منحها الصافي لنفسه وعرفنا أنه ينظم ولا يلح في
معاودة ولا ينقح ولا يزوق ولا يسقط من قصائده أبياتاً ولا من دواوينه قصائد ويترك للعفوية أبعادها الكاملة
فيما يفعل استطعنا أن نلغي كثيرا من النظرات النقدية التي يمكن أن توجه الى قسم من أشعاره:
| جئت فـــي عــالم القريــض بفــن | لســت تلقــاه عنــد انــس وجــن |
قيل عرفه اهدنا بسناه=قلت فني أن لست أعنى بفن#
@
| فــدم القلــب مــن يراعـي يجـري | وتضـــيء الســطور شــعلة روحــي |
وحين يولد الشاعر تتصاعد من داره أنوار يراها الجيران فينظم بعد ذلك قصيدة يؤكد فيها أن ما رأوه ايذان بتفرده وتميزه:
| نــــوراً رأى الجيــــران فــــي | بيــــــتي عشـــــية مولـــــدي |
| هــــــذي روايـــــة أســـــرتي | آمـــــن بهـــــا أو فاجحــــد |
| أمــــا أنــــا فــــأرى بـــأش | عـــــاري الكثـــــار مؤيــــدي |
| هــــذي العـــوالم لـــي أتـــت | مــــــن دون ســـــعي مجهـــــد |
| جــــــاءت الـــــي بوحـــــدتي | وأنــــا لهــــا لــــم أجهـــد |
| وكــــم اقتــــدى بـــي شـــاعر | وبشــــــاعر لــــــم اقتـــــد |
الحرية والتشرد الفوضى الطرافة الغربة العناد الإباء الفطرة السخرية الصدق من دعائم حياة الصافي وشعره منحته خصوصية معينة وأبعاد مكنته دون قصد أن ترتبط عند المتلقى بعالم عجيب لا يشبه معطيات الشعراء قديما وحديثا وأدت الى غرابة موضوعاته وتنوعها وشموليتها:
غرابة شعري من غرابة أوضاعي=وعادي ما عندي يسمى بإبداع#
| فشـــعري مرآتـــي ولا تعــب بــه | وهـل تتعـب المرآة من عكس أوضاع |
فأي شاعر يود أن تكون له إذاعة خاصة ليبث أشعاره منها فيبتعد عن طرق لا يرتضيها للمذيعين في القاء قصائده:
| وداعــاً لكــم أيهــا الســامعون | لروحــــي تبــــث بأشــــعاريه |
| أخـــاف عليهــا جمــود المــذيع | فليــس ســوى الــوزن والقــافيه |
فيا ليت لي دار بث لكي=تخص بشعري وانشاديه#
| لأبقـــى أبـــث لكــم كــل يــوم | أحــــاديث نفســـي وأفكـــاريه |
ولا أظن أن شاعراً ما قد كره المذياع وهجاه ووقف منه موقفاً عدائياً صارماً في أكثر من قصيدة كما فعل الصافي:
| الراديـــات مصـــيبة بضـــجيجها | ان أمســـكتها كـــف جلــف ضــار |
| ليــس الحمــار بمزعـج فـي صـوته | أبـــداً كمــذياع بــبيت حمــار |
ويود من صميم قلبه أن يجاور دوما البلداء فتلك نعمة كبرى:
| لا أشـــتهي الجـــار لــي ذكيــاً | أفكــــــاره جمـــــة كبـــــار |
| يـــــثير تفكيـــــره شــــعوري | فلا هــــــــدوء ولا قـــــــرار |
| وأعشـــق الجـــار لـــي بليــدا | كـــــأنه الصــــخر والجــــدار |
| بحمــــد ربـــي رزقـــت جـــاراً | أبلــــد مـــا ضـــمت الـــديار |
ويضنيه غباء بعض الناس ويبحث عن حل لهذه المعضلة فلا يجده الا في القنبلة الذرية ويضمن آراءه في قصيده يكون العلاج عنوانا لها:
| لـم تحـل فـي عينـي قنابـل ذريـة | الا غـــداة أرى بغـــال النـــاس |
| لــم ألــق غيــر قنابــل ذريــة | لعلاج هــذا الــداء بعــد اليـاس |
أما الرقباء فلهم أكثر من ذلك القنبلة الهيدروجينية:
| لقــد رق بالجهــد قلــب الحـبيب | فـــرق الهـــي قلـــب الرقيـــب |
| وإلا فقنبلـــــــة للرقيـــــــب | مهدرجـــــة غيــــره لا تصــــيب |
ولا ينجو الخنافس من أبيات له كثيرة:
| لــو رأت هــذه الخنــافس حــواء | لحـــارت هـــل هـــؤلاء بنوهـــا |
وللشعر خنفسة أيضاَ:
| لمـاذا يكـون الـذوق للقبح سائراً | دليلـي علـى هـذا خنافسـة العصـر |
| تطورتمــو والشــعر لكــن بأقبـح | فشـعركمو مـن قبحـة خنفـس الشـعر |
ويربط بين الشعر الحديث واللحى حين يدخل مقهى فيرى شعراء بلحى طويلة قيل أنها فنية بدونها لا يصبح الشاعر محدثاً:
وصادمين بأشكال اللحى نظراً=وشعرهم يصدم الأنظار يلطمها#
| تحـار أفكارنـا فـي فهـم شـعرهمو | أشــعارهم كلحــاهم ليـس تفهمهـا |
ويقف موقفا مناوئاً من النقد والنقاد:
منذ القديم عدو الشاعر الناقد=معرقل حجر في دربه حاسد#
ويقترن النقد الأدبي عنده بالتضخم النقدي ولا يحيا الشعر إلا بمحق النقد و الناقد:
| النقــد كالنقــد المضــخم وافـر | والشــعر قــد أضـحى كنقـد نـادر |
| الشـــعر لا يحيـــا حيــاة حــرة | الا بقتـــل الناقـــد المتـــآمر |
وأي شاعر يتخذ من الصحف متكاً لراحته:
| جعلـت علـى الصـحف اتكائي لراحتي | فليــس ســوى جلــد وعظـم مجالـدِ |
خلا العظم من لحم يقيه صلابة=فعوضته عنه بلحم الجرائد#
ويرفض حفلات التكريم ودعوات الشعراء للاحتفاء به لأنه يجدها مصطنعة وبعد أن يلح عليه في يوم ما وفد من الأدباء اللبنانيين ليحتفلوا به يضجر ويخرج الى الشارع وحيدا حتى يقتعد رصيفا وهناك يقام له مهرجان حقيقي:
كنت فوق الرصيف أجلس يوما=وعليه للعابرين زحام#
| جــاء مــن لـم أعرفـه قـال سـلام | قلـت مـن قـال مـن بشـعرك هـاموا |
| أنــت ذاك المحكــي بيـن الطيـور | وســــواك الاصـــداء والنظـــام |
| كــان ذاك الســلام لــي مهرجانـا | مهرجــاني علــى الرصــيف يقــام |
ويختار لأحد دواوينه الخمسة التي تشكل هذه المجموعة عنوانا غريبا وهو المطعم ويشرح سبب هذا الاختيار في قصائد كثيرة:
| غــذيت عصــري مـن حسـي وأفكـاري | هيـا الـى مطعمـي يـا ضيف أشعاري |
| ذا مطعمــي مــا بـه غـشٌ ولا خـدع | ولا صــباغ وقــد أرخصــت أسـعاري |
ويرفض الشاعر الزواج وهو ليس نصيرا للمرأة ولا شك أن الظلم الذي حاق بها في أكثر أشعاره كانت له أسباب ينفرد بها الشاعر:
إذا شاعر رام اقترانا بزوجة=ففي البيت مجنونان يصطرعان#
| كفــاني جنــون العبقريـة شـاغلا | أأصــفي عليــه مـن جنـون غـواني |
فكيف إذا زوجت شاعرة إذن=أعيش ومجنونين يصطدمان#
فللمرأة الحسناء تأثير خمرة=فما اجتمعت والعقل ضمن مكان#
ويخاطب النساء في قصيدة طويلة بعنوان الدكتورة:
| كــــــم ســــــائقي ســـــيارة | بلحــــــــاظكم دهورتمــــــــو |
| رقصــــت عـــروس الشـــعر فـــي | شـــــعري غـــــداة هجيتمـــــو |
من أنتمو تغزلنا =بكم من أنتمو#
| لـــو لــم يــك المجنــون منــا | لــــــم تكــــــن ليلاكمــــــو |
| رقصـــا علـــى نغـــم الحـــذاء | علـــــى طريـــــق مشـــــيتمو |
| كنتــــــم قـــــوارير كمـــــا | قـــــال النـــــبي الاكـــــرم |
| واليــــوم صــــرتم كالحديــــد | بــــــه الــــــرؤوس تحطـــــم |
وتنتهب النساء نصف عقل الرجل كما يرى الصافي ويجهز الأبناء على النصف الثاني
| مـن رام حفظـاً لعقـل عـاش مبتعدا | عـن ثرثـرات النسا أو صخب ولدان |
| فـالزوج تأخـذ نصـف العقـل زوجته | ويأخـذ الولـد منـه نصفه الثاني |
ويدعو الى الفوضى:
| فوضـــى حيــاتي كــونت شخصــيتي | هيهــات أبــدلها بــألف نظــام |
| هــل شــاعر عـاش الحيـاة منظمـا | ان النظـــام أختـــص بالنُظّــام |
وللغربة أنواع ومنها الغربة العظمى:
| وجربــت أنــواع التغــرب كلهــا | فمن غربة في الدار والقوم والعمر |
| الـى غربة في الزي والذوق والهوى | الى غربة في الخلق والدين والكفر |
| فأبصـرت طعـم الكـل مـرا وقاسـيا | ولـم أرَ أقسـى قـط من غربة الفكر |
وحين تقترن القصيدة في أذهان كثير من ناظميها بالجد والتزمت فيندر الشعر الذي يكشف عن الجوانب المفرحة من الحياة أو يتناول ما يمر بالشاعر من وقائع طريفة يحيى الصافي في هذا الجانب المهمل ويتميز به درن أن يقصده قصداً ولا يبخل علينا تحت وطأة الزنزانة الصارمة المفتعلة بمشاعره التي تتبع منحى
طريقا لا نحس فيه بتزييف منها أن للتشرد طقوسا و أجوءاً:
| قـد اخـترت منذ القدم عيش التشرد | لفقــري وللفوضــى وحــب التجـرد |
| ولـو أننـي أسـلو التشـرد عاد لي | فكيــف سـلوي رفقـتي فـي التشـرد |
| تعلمـت مـا لم تعطني الكتب منهمو | فجئت الـى الـدنيا بهـذا التجـدد |
| معاشــهمو مــا يكســبون بيـومهم | ومرقــدهم مــا عــنّ مــن متوسـد |
وواحدهم ان لم يجد متوسدا=توسد مرتاحا وأغفى على اليد#
| يعيشــون فــي مقــاهمو كعشــيرة | وان ينتســـب كـــل لأرض ومحتـــد |
| وهــل نســب مثــل التشـرد جـامع | تجمـــع فيــه كــل شــمل مبــدد |
| فليــت بــه جمعيـة الأمـم اقتـدت | لتهـدي للتوحيـد مـن ليـس يهتـدي |
آراني حرا إذ أكون بجمعهم=ولي في سواهم عيش عبد مقيد#
فشيطان شعري فوضوي بطبعه=له ولع مثلي بعيش التشرد#
وما أكثر الموضوعات التي ضمتها دواوينه يصعب حصرها واحصاؤها تضفي على الشاعر نوعا من التفرد بين معاصريه جميعا وتمنحه سمات ومؤشرات واضحة لهذا الربط المحكم الصادق بين حياته وشعره
في عالم عفوي حر مطلق كان الصافي يمسك بالمبادرة دوما وبإخلاص وتصميم لم يدع لغيره أن يعكر صفو مساره الشعري ومهما أوغل الشعراء المحدثون في آفاق شعرية جديدة وابتكروا وأوجدوا أساليب تنبئ عن مستقبل زاهر للشعر العربي تظل للصافي أصالة ونكهة ومكانة خاصة
كلية الآداب _جامعة بغداد جلال الخياط
وجاء في خاتمة الديوان ما نصه:
رحيل الشاعر
بينما كانت هذه المجموعة في طريقها إلى المطبعة نعت وكالة الأنباء العراقية
الشاعر أحمد الصافي النجفي في 27/6/1977م
إن الصافي في اخريات حياته وقد وهت قواه وخبا بصره وزادت رصاصات الغدر
من أسقامه سر كثيرا بنشر هذه المجموعة وله أبيات وقصائد تفصح عن خشيته أن
تموت فلا تطبع وكنا نتمنى جميعا أن يراها بين يديه ويطمئن ويرضى.
نظم الشاعر أكثر قصائد هذه المجموعة وهو في السبعينات من عمره
وبناء على وصيته لم نشأ أن نحذف منها شيئا ولا شك أن هذه المجموعة
وحدها لا تقدم للقارئ فكرة متكاملة عن الشاعر دون الرجوع الى دواوينه العشرة المطبوعة.
والصافي لا ينقح أو يعيد النظر فيما ينظم ويعتقد أن الشعر يجيئه عفوا فلنتمهل إذن قبل أن نصدر
حكما سريعا وقد يكون قاسيا على جملته الشعرية التي تتفاوت متانة وقوة ما بين قصيدة وأخرى.
إن تراثه الشعري كظاهرة غريبة متمم لجوانب من بحوث تتناول الشعر العراقي الحديث باتجاهاته
المختلفة من تقليد وتجديد ومحاكاة وابتكار.
رحل الشاعر وخلف ذكريات لا تنسى وسيرة ذاتية تضمنتها دواوينه ومثالا لشخصية نادرة اتصفت بالصدق والعفوية
والبساطة والإخلاص.
(1) أعدته للموسوعة السيدة بيان بازرباشي ويضم خمسة دواوين بلا عناوين وقد وصفها الصافي بقوله قبل موته بأيام يتذكر ما جرى له في بيروت في الأيام الأولى من الاقتتال الطائفي والتي استمرت خمسة أيام.:
| بيــن الرصـاص نفـذت ضـمن معـارك | وبرغـم أنـف المـوت هـا أنا سالم |
| ولهــا ثقــوب فــي جـداري خمسـة | قـــد أخطــأت جســمي وهــنّ علائم |
| ولـــدي خمـــس مجــامع مخطوطــة | فيهـا مـن الشـعر الغريـب عـوالم |
| للعـــالم الأدبــي فيهــا ثــروة | مــاذا سـيفقد لـو أصـبت العـالم |
وقوله ص723
| عجبــوا كيــف ليــس ينفـد قـولي | والـــدواوين صــرن خمســة عشــر |