قف نحو أطلالٍ درسنَ خواليا
الأبيات 90
قــف نحــو أطلالٍ درسـنَ خواليـا وانـدب زمانـاً مـرَّ قلبـك خاليا
واذكـر لنا عهد الصبابة والصبا ولذيـذَ أُنـس كنـت تغنـم صـابيا
أو جــرَّ أذيــالِ الخلاعـة رافلاً أو جيــد عمـر بالمسـرة حاليـا
وانظـر إلـى الدُنيا وكيف تقلبت ومحــت رســوم أحبــة ومغانيـا
مـن كـان يأمنهـا ويـأمن مكرَهاً نبّهــه أن يلقـى الَّـذي لاقانيـا
نُــثرت ثريّاهــا وغـاب منيرُهـا وخلـت سـماها فانـدهينَ لما بيا
فاسـتقص فيـضَ الدمع بعدهما فما تبغـي مـن الـدنيا وتخضع راجيا
واجـرِ العيـونَ علـى جنانِ معاهدٍ فيهـا عهـدتَ القـربَ كأساً صافيا
واحـرق فـؤاداً كـان منـزلَ ودِّهم كــي لا تـراه لغيـر ذلـك آويـا
واذا اسـتغاث تجـاهلا ممـا جـرى قـل مـات ربُّـك عـاد ربعُك فانيا
يــا قلــب أيـن أحبـةٌ آويتَهـم حفظـوا العهود ولم يزلن غواليا
يـا قلـب أيـن البـدر آنَ محاقُه أم بات في الترب الدوارس خافيا
يا قلب أَين ذوو البشاشة والبها والحسـن والإحسـان مـات وداديـا
يـا قلـب جـدد لـي عهـودَ تشـوقٍ كـانت لهـم واليوم تلك كما هيا
يـا قلـب لـم يبقـى صـديقٌ مخلصٌ ترجــو وفـاه ولا يُجيـب مناديـا
أَسـفي عَلـى حسـن تكنّفـه الـردى حـتى هـوى في الترب فرداً ثاويا
أَســفي عَلىغُصــن تمايـل لا صـبا تهفـو ولا مـاء البشاشـة جاريـا
أَسـفي عَلـى تلـك المحاسن شأنها أَسـفٌ عَلـى مـن عـاش عنها راويا
يـا خيـرَ حافظـةِ الوداد فديتُها مـن نـازلٍ أوجَ النعيـم وراقيـا
أَبكـي عَلـى كيد الزمان وما عسى يجـدي البكـاء وما يحير ثباتيا
أتمـوت قبلـي في المقابر فانيا وأعيـش بعـدك في المحافل باقيا
أَشـكو إِلـى اللَـه زَماني والنَوى مـا كـانَ أعظمـه ظلومـاً باغيـا
مــن للخلاعـة والتنـادم بعـدها مــن للبشاشـة إذ تشـرّف ناديـا
مـن للسـتائر والقصـور وقد نرى حكـم الخفاء على المعالن باديا
فليبكهـا نوءُ السماء عَلى الثَرى وليرعَهـا طـرفُ الثـوابت سـاهيا
وليضـرم النيـرانَ قلـبٌ كـان في مـا قـد مضى مغرى الجمال ولاهيا
بـانت كبـانٍ رنّحتـه صـبا النَوى لـو يَـدْرِ حامـل نعشـها لنعانيا
يــا روضَ حســنٍ أينعـت أزهـارُه جفــت منــاهلُه فجُــدن مآقيــا
يـا شـمسَ حسـنٍ كنتِ أصبحَ ما أَرى لا كـان أَصـبح يَـومَ حـان فراقيا
يـا مـوت مالـك قد عبثتَ بمهجتي وسـلبتَ أنسـي واسـتبيت رشـاديا
غــادرتَني عنهــا وكـانت جنـتي فـتركتَ مـاءَ العيـن نهراً جاريا
قـد كنتُ شهماً في العظائم قبلها واليــوم أَيـن تجلُّـدي وعزائيـا
يــوم علــيّ ضـياءُ ثغـرِ صـباحِهِ أدهـى وأحلـكُ مـن ظلامـةِ حاليـا
والصــبر قــد زلزلتَـه فـتركتَه هبـأً وكـان الصـبر طـوداً راسيا
يـا عيـن جـودي بعـدَهم بمـدامعٍ تسقي الثَرى لنرى العُيون سواقيا
يـا عيـنُ مـن بعد الحَبيب ترينه حُسـناً ومـن يـدعي سـواك مواليا
يـا عيـن غضـي بعـدها عن كل ذي تيــهٍ ودلٍّ فـي الجمـال تناهيـا
يـا عيـن قـد غابت بواعثُ نورنا فبــأي نــور تنظريـن الفانيـا
يـا عيـن هـذا يـومُ صـبِّ مـدامعٍ تـدع الفيـافي كـالبحور طوافيا
يــا عيـن هـذا يـومُ أولِّ حسـرةٍ تبقــى لآخــر موعــدٍ بلقائيــا
يـا عيـن مَـن مِـن بعدَها تبكينه أو مـن عليـه بعـدَها قـد تبكيا
يـا عيـن فـابكي ثم فابكِهمُ فمن تبكيهــمُ عنــي ومــن تتواليـا
يـا عيـن إن لم تسعديني بالبكا فمـن الَّـذي يُـدعى سـوانا باكيا
يـا عيـن ودعنـا الأحبـة والَهوى يـا عيـن أَودعـت السهادَ مناميا
يـا عين لا تنسي الجمالَ وإن مضى فـالقلب ليـس مدى الأداهر ساليا
كــم مـرَّ مـن عيـشٍ بهـن غنمتُـه وظلال هاتيــك الغوايــة ضـافيا
والـدهر يضـحك والمعـالم تزدهي والقــرب دانٍ والتنـاءي نائيـا
واليــوم وجــهٌ ضــاحكٌ مستبشـرٌ والليــل سـاترُه لشـملي واقيـا
فـإذا غـدوت غـدوت ظـاهر غبطـة أو رحـتُ كـان مع السرور رواحيا
والعمــر نـورٌ والشـبيبةُ نضـرةٌ يـا حسـن ذا نـاد وذلـك زاهيـا
سـلك الهـوى ما بيننا في مهجتَيْ ذي خلـةٍ عَلَمـا الهـوى فتصـافيا
فــي مهـد ودٍّ قـد ربينـا صـحبةً وعلـى كـذا مضـت السنون تهاديا
ولكَـم ظننـا الـودّ يسعدُه البقا واحسـرتا مـاتت وعشـت بمـا بيا
فبــأي عــزمٍ لـي يسـوغُ تسـتري وبــأي حــزمٍ أســتزيل عنائيـا
وبــأي صــبر أســتطيع فراقهـا وبــأي مــاء تنطفــي نيرانيـا
فعـزاءَ يـا نعـم الخيلـة لا عزا وتأســيا حاشــا وليــس تأسـيا
فلئن محـت كـفُّ الـتراب محاسـناً فلقـد محـت صور الصفا عن باليا
والقلـب منـي لـم يزل لك منزلاً والطـرف منتظـراً لقـاك وهاميـا
والـــود منــي دائمٌ لا تنتهــي آنــاؤه حــتى أجــوب حياتيــا
حكــم الالـه بـأن يفـرق جمعنـا فأمـاد مـن مغنى الحبور مبانيا
أبكــي عليهــا حســرة وتلهفـاً لـو أنهـا تـدريهما لبكـت ليـا
يـا عزمَ قلبٍ كنت فيه على النوى مـا كـان أقاسـاه ولم يك قاسيا
يــا ويــح صـبٍّ بـان عنـه حبُّـه وتنـاهيت منـه الفـؤاد دواعيـا
إن أنَّ قـالوا أيـن مـن تبكيهـمُ وإذا بكـى قـالوا نـراك مرائيا
يشــتاق أحبابـاً لـه لـو أنهـم طلبـوا الفداء لكان عنهم فاديا
وكـذا زمـان السوء يفعل بالورى كـم جـار فـي قـوم وخان موافيا
ولـوَ انَّنـي خُيِّـرتُ كـانت بغيـتي أنـي أَرى مـا بألاحبـة مـا بيـا
لكنهـــا حكــمٌ بأيــدي قــاهرٍ قهــر العبــاد بعـزة وبكبرِيـا
ولقــد قضـى أن كـلُّ شـيء هالـكٌ فَــانٍ ويصــبح للفنـاء موافيـا
وهـو الَّـذي يبقـى فجـل جلاله ال فـرد المهيمـن غاليـا متعاليـا
كـم مـر مـن هـذا الطريق معاشرٌ وتـرى الَّـذي يمضـي يصـافح آنيا
ملكـوا الدنا وتبوأوا من رحبها ملكـاً وجالوا في الغَرام مجاليا
سـل شمسـها كـم أبصـرت من غادة وسـل الأهلـة كـم صـحبن مباهيـا
بـادوا جميعـاً وانقضـت أيـامُهم فكــأنهم كـانوا سـحاباً غاديـا
وسـل الـتراب فكـم طوى من عادل جـوراً وكـم أخفـى منيـراً هاديا
وفــرائدٍ صـار الـترابُ مراقـداً فيهـا ارتضين العيش صعباً جافيا
ألفَـت تفردهـا عَلـى حكـم القضا وتناسـت المفنـى العزيز تناسيا
ولـو انَّهـا الـدنيا صفت لمعاشرٍ مـا فرّقـت جمـعَ الكـرام الأنبيا
فعلام أرجـو الـبرءَ مـن داء نما وبلاء أيــــوبٍ أَراه شــــفائيا
عـدم الرسـوم وصـوله مـا بيننا فمـن المجيـب إذا يطـول ندائيا
يـا حـاملي نعـش الحبيب فديتُكم سـيروا رُويـداً وانصتوا لوداعيا
وتمهلـوا فـي سـيركم لا تعجلـوا مــا تلـك إلا سـاعة أولـى بيـا
وقفـوا بنـا نعطي الوداع حقوقَه فنــذيع مكتومـاً ونُظهـر خافيـا
يـا رحمة المولى على ذات البها يـا فضـله بالصـبر ثبـت راثيـا
وســقاه مـن جـدثٍ يضـمُّ قوامَهـا كالغصـن ميَّـل عطفَـه خمـرُ الحيا
لا تحسـبوا أن الهـوى بعد النَوى يحلــو مـذاقاً أو يمـر بباليـا
لعــداك عيـش مثـل عيشـي آسـفاً إنـي ذكـرتُ علـى الزَمان تدانيا
يـا مسـتريحاً في الثَرى أتعبتني يـا غافيـاً فيـه أطلـتَ سـُهاديا
لقّــاك مـولاك النعيـمَ فـدم بـه وليــرض عــذّالي عليـك شـقائيا
فكفــى محبــك حسـرةً مـن قـوله قــف نحــو أطلال درسـنَ خواليـا
حسن حسني الطويراني
1408 قصيدة
1 ديوان

حسن حسني باشا بن حسين عارف الطويراني.

شاعر منشئ، تركي الأصل مستعرب، ولد ونشأ بالقاهرة وجال في بلاد إفريقية وآسية، وأقام بالقسطنطينية إلى أن توفي، كان أبي النفس بعيداً عن التزلف للكبراء، في خلقته دمامة، وكان يجيد الشعر والإنشاء باللغتين العربية والتركية، وله في الأولى نحو ستين مصنفاً، وفي الثانية نحو عشرة. وأكثر كتبه مقالات وسوانح. ونظم ستة دواوين عربية، وديوانين تركيين. وأنشأ مجلة (الإنسان) بالعربية، ثم حولها إلى جريدة فعاشت خمسة أعوام. وفي شعره جودة وحكمة.

من مؤلفاته: (من ثمرات الحياة) مجلدان، كله من منظومة، و(النشر الزهري-ط) مجموعة مقالات له.

1897م-
1315هـ-