حَتّامَ تَجذِبُني القُدودُ وَأَجنَحُ

ص174

وكتبت إلى صديقي أيوب أفندي عون مدير مدرسة الكاثوليك في حلب الشهباء

الأبيات 36
حَتّــامَ تَجــذِبُني القُـدودُ وَأَجنَـحُ وَيَصــُدُّني عَنهــا الصـُدودُ وَأَجمَـحُ
وَيَهيجُنــي سـوقُ الحِسـانِ وَأَدمُعـي أَبَـداً عَلـى سـَفحِ المَعاهِـدِ تُسـفَحُ
غاضـَت دُمـوعي بَعـدَ فَيـضِ شـُؤونِها وَعَهِـدتُ عَيـنَ الـدَمعِ لَيسـَت تَنـزَحُ
وَبَقيــتُ فيمـا بَيـنَ لَـذعِ صـَبابَةٍ يَكـــوي وَبَـــرْحٍ دائِمٍ لا يَـــبرَحُ
أَحيــي اللَيــالي آمَلاً أَن تَنجَلـي صــُبحاً وَلَيــسَ بِأَمثَـلٍ مـا تُصـبِحُ
إِن كـانَ يوحِشُني الظَلامُ لِذي النَوى فَـالهَجرُ فـي يَـومي لِعَينـي أَوضـَحُ
وَلَقَـد أَتـوقُ إِلـى الكَـرى فَلَرُبَّما طَيــفُ الحَـبيبِ بِـزَورَةٍ قَـد يَسـمَحُ
فَلَئِن يَكُــن ذاكَ الغَــزالُ مُحرِّمـاً وَصـْلي فَحَسـبي فـي الكَرى ما يَسنَحُ
يـا لَيلَـةً بِـالجَزعِ تَجزَعُنـي بِهـا نوحــاً وَراقـي الأَيـكِ مِمّـا تَصـدَحُ
بــاتَت تُــذَكِّرُني لَيــالي بَينِهـا كُنّــا وَكــانَ المُنحَنــى وَالأَبطَـحُ
مـا بَيـنَ هاتيـكَ الظِبـاءِ سَوانِحاً تَمشــي بحَبّــاتِ القُلــوبِ وَتَمـرَحُ
بـاتَت تَـتيهُ بِها العُقولُ إِذا بَدَت تيهــاً كَبانــاتِ النَقــا تَتَرَنَّـحُ
مِــن كُـلِّ مَيّـاسٍ أَغـنّ إِذا اِنبَـرى فَالعَقــلُ يُعقَـلُ وَالنَـواظِرُ تَطمَـحُ
يَلهـو وَيَجـرَحُ فـي النَهـارِ وَإِنَّما قَــد ظَـلَّ يَجـرَحُ مُهجَـتي إِذ يَجـرَحُ
يــا مَــن يُعَـذِّبُني وَيَحسـَبُ أَنَّنـي لِعَــذابِهِ طــولَ الزَمــانِ مُرَشــَّحُ
يَســـطو عَلَــيَّ وَلا يَــرِقُّ فَعِنــدَهُ قَلـــبٌ وَلَكِــن بِالحَديــدِ مَصــفَّحُ
دَلَّهتنـي فـي ذا الغَـرامِ فها أَنا قَيـــسٌ وَلَكــنْ بِــالفِراقِ مُلَــوِّحُ
فَـإِلى مَ تَهجُرُنـي وَقَـد كادَ الصِبا يَـــذوي وَرَطــبُ غُصــونِهِ يَتَصــَوَّحُ
مـا كُنـتُ أَيّـوبَ الصـَبورَ وَإِن يَكُن بِالصـَبرِ مَعنـى اسـمي بِفارِسَ يُشرَحُ
ذاكَ السـَمِيُّ البـاهِرُ الشـِيَمِ الَّتي أَخلاقُــــهُ بِالأَروَعِيَّــــةِ تَطفَـــحُ
المُشــبعُ العَقــلِ الَّــذي أَخلاقُـهُ غُــرُّ الوُجــوهِ حَســيبَةٌ لا تُرجَــحُ
الواســِعُ الفَضــلِ الَّـذي لِثَنـائِهِ فــي كُــلِّ خلــقٍ مِــن عُلاهُ مَفتَـحُ
الناصــِحُ الجَيــبِ الَّــذي آثـارُهُ عَـن حُسـنِ مـا يَطـوي عَلَيـهِ تُصـرِّحُ
يُثنــىَ عَلَيــهِ بَالوَفــاءِ وَإِنَّمـا تَمــــديحُهُ بِوَفـــائِهِ لا يُمْـــدَحُ
حُـــرٌّ تَفَتَّـــحَ لِلــوِدادِ فُــؤادُهُ وَكَلامُـــهُ عِنــدَ الثَنــا يَتَفَتَّــحُ
فَهوَ الَّذي إِن ضاقَ في الخَلقِ الوَلا فَفُــؤادُهُ بِــالوُدِّ مَغنــى أَفيَــحُ
وَإِذا تَزَحــزَحَ رَكبُــهُ عَـن أَرضـِنا فَهـوَ الَّـذي فـي العَهـدِ لا يَتَزَحزَحُ
لا غَــروَ إِن شــَطَّ المَــزارُ فَـإِنَّهُ قَلَــمُ اللَــبيبِ بِكُـلِّ مِسـكٍ يَنفَـحُ
سـَمْحُ القَريحَـةِ فـي رِهـانِ قَريضـِهِ يَجـري كَمـا يَجـري الجَـوادُ الأَقرَحُ
تَلَقّـاهُ يَرعَـفُ فـي الطُـروسِ يَراعُهُ كَالسـَيلِ فـي بَطـنِ الجَـوا يَتَبَطَّـحُ
وَيَخـوضُ فـي لُجَـجِ الفُنـونِ وَيَجتَني دُرَراً بِهــا صــَدرُ الزَمـانِ مُوَشـَّحُ
تَزهـو جِنـانُ العِلـمِ بَيـنَ سـُطورِهِ إِذ كُــلُّ مــا فيهـا لِعَيـنٍ مَسـرَحُ
غُــرَرٌ تُتَرجِــمُ عَــن عُلـوِّ مَقـامِهِ وَلَعَلَّهــا مِــن كُــلِّ مَــدحٍ أَفصـَحُ
يـا صـاحِباً سـَمَحَ الزَمـانُ بِبُعـدِهِ وَبِبُعــدِهِ وَجــهُ الزَمــانِ مَكلّــحُ
لا بِــدْعَ إن تُبعَــدْ وَأَنـتَ عَزيـزُهُ فَالـدَهرُ يُبعِـدُ في الوَرى ما يَمنَحُ
أَثـوَيتَ فـي الشـَهباءِ أَفسـَحَ مَنزِلٍ لَكِــن مَحلُّــكَ فــي فُـؤادي أَفسـَحُ
شكيب أرسلان
89 قصيدة
1 ديوان

شكيب بن حمود بن حسن بن يونس أرسلان.

من سلالة التنوخيين ملوك الحيرة، عالم بالأدب والسياسة،مؤرخ من أكابر الكتاب، ينعت بأمير البيان.

من أعضاء المجمع العلمي العربي، ولد في الشويفات (بلبنان) وتعلم في مدرسة (دار الحكمة) ببيروت، وعين مديرأً للشويفات سنتين فقائم مقام في (الشوف) ثلاث سنوات وأقام مدة بمصر وانتخب نائباً عن حوران في مجلس (المبعوثان) العثماني وسكن دمشق في خلال الحرب العالمية الأولى ثم (برلين) بعدها وانتقل الى جنيف (بسويسرا) فأقام فيها نحو 25 عاما وعاد إلى بيروت فتوفي فيها ودفن بالشويفات.

عالج السياسة الإسلامية قبل انهيار الدولة العثمانية وكان من أشد المتحمسين من أنصارها.

واضطلع بعد ذلك بالقضايا العربية فما ترك ناحية منها إلا تناولها تفصيلاً وإجمالاً وأصدر مجلة باللغة الفرنسية (La Nation Arabe) في جنيف للغرض نفسه وقام بسياحات كثيرة في أوربة وبلاد العرب وزار أميركا سنة 1928 وبلاد الأندلس سنة 1930 وهو في حله وترحاله لا يدع فرصة إلا كتب بها مقالا أو بحثا.

جاء في رسالة بعث بها إلى صديقه السيد هاشم الأتاسي عام 1935 م، أنه أحصى ما كتبه في ذلك العام فكان 1781 رسالة خاصة و176 مقالة في الجرائد و1100 صفحة كُتُب طبعت.

ثم قال:وهذا (محصول قلمي في كل سنة) وعرفه (خليل مطران) بإمام المترسلين وقال: (حضريّ المعنى،بدويّ اللفظ، يحب الجزالة حتى يستسهل الوعورة، فإذا عرضت له رقة وألان لها لفظه، فتلك زهرات ندية ملية شديدة الريا ساطعة البهاء كزهرات الجبل).

من تصانيفه (الحلل السندسية في الرحلة الأندلسية-ط) ثلاثة مجلدات منه، وهو في عشرة، و(غزوات العرب في فرنسة وشمالي إيطالية وفي سويسرة -ط) و(لماذا تأخر المسلمون -ط) و(الارتسامات اللطاف -ط) رحلة إلى الحجاز سنة 1354ه،1935م، و(شوقي، أو الصداقة أربعين سنة-ط)، و(السيد رشيد رضا، أو إخاء أربعين سنة-ط)، و(أناطول فرانس في مباذله -ط)خ لبنان-خ)، و(ملحق للجزء الأول من تاريخ ابن خلدون-ط).

وغيره الكثير.

وله نظم كثير جيد، نشر منه (الباكورة- ط) مما نظمه في صباه، و(ديوان الأمير شكيب أرسلان- ط).

1946م-
1366هـ-

قصائد أخرى لشكيب أرسلان