غَنَّاهُ الأَمْسُ وأَطْرَبَهُ
الأبيات 30
غَنَّــاهُ الأَمْــسُ وأَطْرَبَــهُ وشـَجَاهُ اليـومُ فَمـا غَدُهُ
قَـدْ كـانَ لهُ قلبٌ كالطِّفْلِ يــــدُ الأَحلامِ تُهَدْهِـــدُهُ
مُذْ كانَ له مَلَكٌ في الكونِ جَميــلُ الطَّلعَــةِ يَعْبُـدُهُ
فـي جـوفِ اللَّيْـلِ يُناجيهِ وأَمــامَ الفَجْــرِ يُمَجِّـدُهُ
وعلــى الهَضـَباتِ يُغنِّيـهِ آيــاتِ الحُــبِّ ويُنْشــِدُهُ
لــولاهُ لمــا عَـذُبَتْ فـي الكـونِ مَصـَادِرُهُ ومَوارِدُهُ
ولَمـا فاضـَتْ بالشِّعْرِ الح يِّ مَشـــَاعِرهُ وقَصـــَائِدُهُ
تمشـي فـي الغابِ فتَتْبَعه أَفــراحُ الحُــبِّ وتَنْشـُدُهُ
ويــرى الآفـاقَ فيُبْصـِرُها زُمَـراً فـي النُّورِ تُراصِدُهُ
ويـرى الأَطْيـارَ فيَحْسـَبُها أَحلامَ الحُــــبِّ تُغَـــرِّدُهُ
ويـرى الأَزهـارَ فيَحْسـَبُها بَســماتِ الحُــبِّ تُـوارِدُهُ
فَيَخَــالُ الكـونَ يُنـاجيهِ وجَمــالَ العـالَمِ يُسـْعِدُهُ
ونُجــومَ اللَّيـلِ تُضـاحِكُهُ ونَســيمَ الغـابِ يُطَـارِدُهُ
ويَخــالُ الـوَرْدَ يـداعِبُهُ فرحــاً فتعــابثه يَــدُهُ
ويـرى اليُنْبـوعَ ونَظْرَتَـهُ ونَســيمُ الصــُّبْحِ يُجَعِّـدُهُ
وخريـرُ المـاءِ لـهُ نَغَـمٌ نَســَماتُ الغــابِ تُـرَدِّدُهُ
ويـرى الأَعشـابَ وقَدْ سَمَقَتْ بَيْــنَ الأَشــجارِ تُشـاهِدُهُ
ونِطــاقُ الطِّفـلِ تُنَمِّقُهـا فَيَجُــلُّ الحُــبَّ ويَحْمــدُهُ
يــا للأَيَّــامِ فكـم سـَرَّتْ قلبـاً فـي النَّاسِ لتُكْمِدُهُ
هـيَ مِثْـلُ العاهِرِ عاشِقُها تســقيهِ الخمـرَ وَتَطْـردُهُ
يُعْطيــكَ اليـومُ حلاوتهـا كالشــَّهْدِ ليَسـْلُبَها غَـدُهُ
بــالأَمسِ يعَانِقُهـا فرحـاً ويضــــاجعُها فَتُوَســـِّدُهُ
واليـومَ يُسـايِرُها شـَبَحاً أَضــناهُ الحــزنُ وَنَكَّـدَهُ
يتلـو فـي الغابِ مَرَاثيهِ وجُــذُوعُ السـَّرْوِ تُسـانِدُهُ
ويُماشـي النَّـاسَ وما أَحَدٌ مِنْهُــمْ يَشــْجِيهِ تَفَــرُّدُهُ
فـي ليـلِ الوَحْشـَةِ مسْراهُ وبِكَهْــفِ الوَحْـدَةِ مرقَـدُهُ
أَصــواتُ الأَمــسِ تُعَــذِّبُهُ وخيــالُ المــوتِ يُهَـدِّدُهُ
بـالأَمسِ لهُ شفَقٌ في الكونِ يُضـــيءُ الأُفْــقَ تــورُّدُهُ
واليـومَ لَقَدْ غَشَّاهُ اللَّيلُ فمـا فـي العـالمِ يُسعدُهُ
غنَّــاهُ الأَمــسُ وأَطْرَبَــهُ وشـَجَاهُ اليَـومَ فَمـا غَدُهُ
أبو القاسم الشابي
96 قصيدة
1 ديوان

أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الشابي. شاعر تونسي في شعره نفحات أندلسية، ولد في قرية الشابية من ضواحي توزر عاصمة الواحات التونسية في الجنوب. قرأ العربية بالمعهد الزيتوني بتونس وتخرج من مدرسة الحقوق التونسية وعلت شهرته. ومات شاباً بمرض الصدر ودفن في روضة الشابي بقريته. له (ديوان شعر -ط) و(كتاب الخيال الشعري عند العرب) و(آثار الشلبي -ط) و(مذكرات -ط).

مولده 24 فبراير 1909 ووفاته 9 اكتوبر 1934 .

1934م-
1353هـ-