البحر المتدارك

بحر الغناء العربى القديم وملك البحور كما سماه أبو العلاء المعرى

بحر رائق هو بين البحور بمثابة الفتى المراهق ، قد تشبع من السذاجة والحلاوة وسلك خطى الشطار والعيار فضاق به العروض ذرعاً حتى أرغمه على إعطائه الحق في أن يكون له حكمه الذاتي ، وما هي إلا أن أخذ استقلاله وشيد لنفسه مملكة اجتلب إليها كبار الشعراء فلبوه وأحسنوا خدمته وأكرمهم فأحسن إكرامهم ، فيممته مشايخ الطرب وأساتذة الغناء وهجرت في محبته الكثير من الألحان الموروثة وهزَّ وبعمق مكانة طائفة من الأبحر الجليلة وخاصة تلك التي تتسم بالأصالة والمحافظة ، وجسد في كل ذلك حركة التطور الأدبي وقيمة الانفتاح ، فحلت الأصالة منه محل الهجنة وزادها إشراقاً تاريخ غضّ قضاه البحر المتدارك في أوساط النخبة من الشعراء والمغنين ورواد الجمال واستخرجت من بحره لآلئ القصائد المغناة من أمثال

" يا ليل الصب " و " مضناك جفاه مرقده "

و " رسالة من تحت الماء " و " قارئة الفنجان " و " زيديني عشقاً "

وسنعرض فيما يلي لما كتب عنه الشيخ جلال حنفي كونه معاصراً شهد ما انتهى إليه البحر المتدارك من المجد والشهرة

قال في كتابه " العروض وتهذيبه " ص 215 :

( وهو من جملة البحور التي ألمَّ بها الخليل بن أحمد ولم تخف عليه وقد يكون الأخفش قد أضاف إلى هذا البحر أوزاناً وقف عليها فظُنَّ أن الأخفش هو الذي تدارك أصل الوزن على الخليل وكان أبو الطيب الحلبي في كتابه مراتب النحويين قد قال: إن الخليل أحدث أنواعاً من الشعر ليست من أوزان العرب ثم أورد نماذج من المتدارك . وقيل : إن أبا العتاهية اخترع نماذج من هذا الوزن

ومن أجل ذلك جاءت تفرعات هذا البحر غير متجانسة ولم نقف منها على مطولات تتجلى فيها صوره وأطره غير أن ملامح النثر فيه ظاهرة وإنما تتعين إيقاعاته بأسلوب الإلقاء المتكلف في معظم الأحيان

قال: ولذلك اتخذ منه جماعة الشعر الحديث ركائز أساسية لمقولاتهم الشعرية )

ونضيف هنا أن صاحب شرح التحفة نسب للخليل بن أحمد بيتاً من المتدارك وهو قوله:

أوقفــتَ علــى طلــلٍ طربـاً فشـــجاك وأحزنــك الطلــلُ

= شرح التحفة ص 299 =

وكمثال على سعة صدر المتدارك أورد جلال نماذج نثرية تعتمد في التحكم بأوزانها على الخبرة في تأديتها وإتقان الانتقال بين أنواع المتدارك التي تفيض بها زحافاته الخصبة

وأكبر شاهد على ذلك قصائد "مظفر نواب "

قال :

وقد كثرت الأسامي التي أطلقت على هذا البحر كثرة ملحوظة

فمن ذلك " الغريب والخبب و المحدث والمتقاطر والمتداني والمتسق "

= وقد فات جلالاً أن يذكر الركض وهو الاسم الذي أطلقه الزمخشري في القسطاس

على المتدارك واختاره الشيخ علي درويش في كتاباته العروضية=

والحقيقة في أمر المتدارك أنه من غرائب البحور ويبدو أن الخليل سئم منه فترك حبله

على غاربه ولذا بات أمشاجاً وأنماطاً والذي لاحظناه أن هناك جذوراً جاهلية لهذا الوزن لم تعرف مراحل تطورها لدى العروضيين ، بل إن هذه الجذور نسبت إلى المنسرح خطأً

ثم أورد واحداً وعشرين نوعاً للمتدارك ومجازيئه سنعرض لبعضها لإعطاء فكرة عن اتساع أوزان المتدارك، فمنها المتدارك الأول وهو من أندر المتداركات، وهو المتدارك التام، ومثاله موشح (يا قمر) للشاعر نعمان ثابت عبد اللطيف، وأوله:

ما محول الربى وذبول الزهرْ وارتكـام الثلوج وخرس النهرْ

ومنها المتدارك الثالث

فـــاعلن فـــاعلن فــاعلن فـــاعلن فـــاعلن فـــاعلن

ومثاله :

الصـــديق الـــذي يرتجــى للملمــــات قـــد لا يـــرى

ومن بدائله :

فــع لــن فــاعلن فــاعلن فـــع لــن فــاعلن فــاعلن

ومثاله :

مــا فـي القـوم مـن عـالمٍ تســــتفتيه فـــي مســـأله

قال : و" فع لن " لا تقع إلا في بدء الشطور فإن وقعت في أوساطها نشأ المقتضب الرابع

والمتدارك الرابع

فـــــاعلن فـــــاعلن فعلان فـــــاعلن فـــــاعلن فعلان

ومثاله :

دار ســـعدى بشـــحر عمــانْ قـد كسـاها البلـى الملَـوانْ

والمتدارك الخامس

فـــــــاعلن فـــــــاعلن فـــــــاعلن فـــــــاعلن

ومثاله

قـــــف علــــى دارهــــم وابــــــــك أطلالهـــــــا

والمتدارك السادس

فــــــــاعلن فـــــــاعلن فـــــاعلن فـــــع لـــــن

ومن بدائله :

فــــــــاعلن فعلـــــــن فـــــاعلن فـــــع لـــــن

ومثاله :

لــــــــم أزل أبـــــــداً كــــــــاتم الســــــــرِّ

والمتدارك السابع

فـــــــاعلن فـــــــاعلن فـــــــاعلن فـــــــاعلان

ومثاله :

الزمـــــــان الــــــذي قـــــــد خلا لا يعــــــود

ومنه قصيدة الرافعي :

شـــــادن لـــــم يــــزل قاســــــــياً قلبـــــــه

والمتدارك الثامن

وهو المشهور وتفعيلته

فعلــن فعلــن فعلــن فعلـن فعلــن فعلــن فعلــن فعلـن

ومثاله :

أمـــم ذهبــت وأتــت أمــم ومضـــى زمــنٌ وأتــى زمــن

ومنه قصيدة أحمد بن سعيد الخروصي الستالي

= المتوفى سنة 676 =

( عجباً لأحبتنا رحلوا )

وهي من نوادر المتدارك ، ننبه إليها لندرتها

المتدارك الحادي عشر

فـــــــــاعلن فعــــــــلْ فـــــــــاعلن فعــــــــلْ

ومثاله :

مــــــــال واحتجـــــــبْ وادعـــــــى الغضـــــــبْ

ومنه قصيدة البارودي

املأ القــــــــــــــــدحْ بابنـــــــة الفــــــرحْ

المتدارك الثاني عشر

وهو أضعف أنواع المتدارك ويسمي " دق الناقوس "

وتفعيلته :

فع لن فع لن فع لن فع لن # فع لن فع لن فع لن فع لن

ومثاله :

إن الـــدنيا قـــد غرتنــا واســــتهوتنا واســـتلهتنا

قال الزمخشري ( وقد سموا هذا النوع خاصة المتسق والغريب وقطر الميزاب وركض الخيل )

قلت : وهذه التسميات التي ذكرها الزمخشري تسمية الأدباء وأما العروضيون فقد اصطلحوا على تسميته بالمقطوع

لأن القطع لحق كل أجزائه = والقطع حذف النون من كل تفعيلاته

وتسكين اللام فيصبح " فاعلْ " ويخلفه " فعْلن " =

ولم يسمع القطع في حشو بيت من الشعر إلا في هذا البحر

لأن القطع علة والعلة لا تكون حشواً

ولهذا أنكر بعضهم أن يكون مقطوعاً وسماه المضمر المخبون .

ولكثرة هذه الأوزان وتداخل إيقاعاتها شكك حازم القرطاجني أن يكون " المتدارك " من أوزان العرب ولكنه لم ينعته بما نعت به المضارع من السخف والمهانة وخالف الخليليين فجعل تفعيلته

متفـــــاعلتن متفــــاعلتن متفــــاعلتن متفــــاعلتن

وأخذ على حازم في هذا الصدد أنه جعل " متفاعلتن " تساعية ، في حين أنها ثمانية ولم يجد المحققون تفسيراً لذلك إلا تخطئته

وتجدر الإشارة أخيراً إلى ما بينه وبين أوزان السريع من القرابة

وهي إشارة ربما تستهجن للوهلة الأولى

وأقرب ما يمثل ذلك قول ابن المعز الفاطمي من السريع

( لو فرشَ المجلس بالدرِّ )