كَرِهْتُ القُصورَ وقُطَّانَها
الأبيات 34
كَرِهْــــتُ القُصــــورَ وقُطَّانَهـــا ومــا حولَهــا مــن صـِراعٍ عنيـف
وكَيْــدَ الضــَّعيفِ لِســَعْي القــويِّ وعَصــْفَ القــويَّ بجَهْــدِ الضــَّعيفْ
وجَاشــَتْ بنفْســي دُمُــوعُ الحَيَـاةِ وعَجَّــتْ بقلــبي رِيــاحُ الصــُّروف
لقَلْــبِ الفقيـرِ الحطيـم الكسـيرِ ودَمْــعِ الأَيـامَى السـَّفيحِ الـذَّريفْ
ونَــوْحِ اليتــامَى علــى أُمَّهــاتٍ تَـــوَارَيْنَ خلـــفَ ظَلامِ الحُتـــوفُ
فسرْتُ إلى حيثُ تأوي أَغاني الرَّبيعِ وتــــذوي أَمــــاني الخَريــــفْ
وحيـــثُ الفَضـــَا شــاعرٌ حــالمٌ يُنــاجي الســُّهولَ بــوَحْيٍ طَريــفْ
وقـد دَثَّرَتْـهُ غيـومُ المسـاءِ بظـلٍّ حزيــــــنٍ ضـــــَريحٍ شـــــفيفْ
وبيــنَ الغُصــونِ الــتي جَرَّدَتْهـا ليــالي الخَريـفِ القـويِّ العَسـُوفْ
وقَفْـــتُ وحـــوْلي غــديرٌ مــواتٌ تمـــادتْ بــه غَفَــواتُ الكُهــوفْ
قَضــَتْ فـي حفـافِيهِ تِلْـكَ الزُّهُـورُ فَكَفَّنهـــا بالصـــَّقيعِ الخَريـــفْ
ســـوى زهــرةٍ شــَقِيَتْ بالحَيَــاةِ وملْبَثهـــا بالمُقـــامِ المُخيــفْ
يُرَوِّعُهـــا فيــه قَصــْفُ الرُّعــودِ ويُحْزِنُهــا فيــه نَــدْبُ الزَّفيــفْ
ويَنْتابُهـا في الصَّباحِ السَّديمُ وفي اللَّيـــلِ حُلـــمٌ مُريـــعٌ مُخيــفْ
وتُرْهِبُهـــا غاديـــاتُ الغمـــامِ وتُؤلِمُهـــا كـــلُّ ريـــحٍ عَصــُوفْ
فَتَرْنــو لمَــا حولَهـا مِـنْ زُهـورٍ ومــا ثَــمَّ إلاَّ الســَّحيقُ الجَفِيـفْ
فتبكــي بكــاءَ الغريـب الوحيـدِ بشـــجْوٍ كَظيـــمٍ ونَـــوْحٍ ضــَعيفْ
تُبــاكي بــهِ لُبَّهــا المســتطارَ وَتَرْثــي بــهِ مَـا طَـوَتْهُ الحُتُـوفْ
وتشــكو أَســاها بَيَــاضَ النَّهـارِ وتنــدُبُ حَــظَّ الحَيَــاةِ الســَّخيفْ
ولكــنْ لقــد فَقَـدَتْ فـي الوُجُـودِ رفيقـــاً مُصـــيخاً وقلبــاً رَؤُوفْ
فمــا ثَــمَّ إلاَّ الصـُّخُورُ القَواسـي وإلاَّ الصــَّدى المُســْتَطارُ الهَتُـوفْ
فَجَـــادتْ بـــروحٍ شـــجيٍّ لقـــد عــــذَّبتهُ اللَّيــــالي صــــُنُوفْ
ومَـاتتْ وقـد غادَرَتْهـا بقـاعٍ مـنَ الأَرضِ ضــــنْكٍ حَيَـــاةُ الصـــُّروفْ
فبــانَتْ حَيــالَ الغــديرِ الأَصــمِّ وقــدْ أَخـرسَ المـوتُ ذاك الحَفيـفْ
وقــد خَضــَّبَتْها غيــومُ المســاءِ كغانيــــةٍ ضـــرَّجَتْها الســـُّيوفْ
فســلْها تُــرى كيـفَ غـاضَ الأَريـجُ وكيـــفَ ذَوَى ســِحْرُ ذاك الرَّفيــفْ
وكيـــف خَبَــتْ بَســَمَاتُ الحَيَــاةِ بأَجْفانِهـــا وعَرَاهـــا الكُســُوفْ
وكيــفَ لَــوَتْ جيــدَهَا الحَادِثـاتُ وأَلْــوَتْ بــذاك القـوامِ اللَّطيـفْ
ذَكَـــــرْتُ بمضـــــجَعِها المطمئنِّ ومرقَــدِها فــي السـَّفيرِ الجَفيـفْ
مصــــارعَ آمـــاليَ الغـــابراتِ وخيْبَتَهــا فــي الصـِّراعِ العَنيـفْ
فقلَّبــتُ طَرْفــي بمهْــوى الزُّهُـورِ وصــعَّدته فــي الفضــاءِ الأَســيفْ
وقلــتُ هـوَ الكـونُ مَهْـدُ الجمـالِ ولكِـــنْ لكـــلِّ جمـــالٍ خَريـــفْ
وأَطرقـــتُ أُصــغي لهَمْــسِ الأَســى وقــد غَشــِيَ النفــسَ هَــمٌّ كَـثيفْ
وَغَاضــَتْ ثُمالَــةُ نــورِ النَّهــارِ وأَرْخـــى ظلامُ الوُجُــودِ الســُّجوفْ
أبو القاسم الشابي
96 قصيدة
1 ديوان

أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الشابي. شاعر تونسي في شعره نفحات أندلسية، ولد في قرية الشابية من ضواحي توزر عاصمة الواحات التونسية في الجنوب. قرأ العربية بالمعهد الزيتوني بتونس وتخرج من مدرسة الحقوق التونسية وعلت شهرته. ومات شاباً بمرض الصدر ودفن في روضة الشابي بقريته. له (ديوان شعر -ط) و(كتاب الخيال الشعري عند العرب) و(آثار الشلبي -ط) و(مذكرات -ط).

مولده 24 فبراير 1909 ووفاته 9 اكتوبر 1934 .

1934م-
1353هـ-