أَقلّي يا معلِّلتي العِتابا
الأبيات 83
أَقلّـي يـا معلِّلـتي العِتابـا فبعـضُ العَتب لا يُجدي اْقترابا
وليــس بــزائدي إلا وُلوعــاً مَلام قـــد أَرى فيــه خِلايــا
فكــم علّلــتِ بالآمـال نفسـي ولــم أَرَ ماءهــا إلاَّ سـَرابا
وكـم أَشـبعت مـن سـَغَبي بوعد وهلاً يُشــبعُ الأمــلُ السـِغابا
ومــا بـرّدتِ بالأوشـال وجـدي ولكــن زدتِ جمرتَـه اْلتهابـا
لـذا أَنـا مُكرهٌ في هجر قومي وشـدّي عـن ديـارهم الرِّكابـا
إلـى حيـث الرقـيُّ لـه سـبيل إذا مـا أحسـن المرء الطِلابا
إلـى حيـث الفـتى يرتاد عزّاً بهمتــه ولا يرقــى اْنتسـابا
وأســــباب الفلاحِ مُـــوفّراتٌ لمـن يبغـي حيـاة واْكتسـابا
إلـى هـذا المحيـط أَشد رِحلي واقتعــدُ المطيّـة والعُبابـا
نُزوحـاً عـن ديـار ليـس تُعلي أَخــا أَدب ولا تُعطــي ثَوابـا
وليــس بضــائري هجـران أرض تسـوم الناهضين بها اْكتئابا
ولــم أَرَ بلغـةً فيهـا لنفـسٍ تُغـارُ علـى سـًناها أَن يُشابا
فكـم قعـدتْ بـذي علـم وفضـل ولـم يحفـل بخـدمتها وِطابـا
وكـم غّنـى الهـزاز بها فصمّت وتُولي السمعَ والبصرَ الغُرابا
وتزعــم أنهـا خلقـت أَلوفـاً تُحـاذر عـن مبادئهـا أْنقلابا
فمـا أَحـرى سـكوتَكَ فـي رياض تُضـيع بهـا أغانيـكَ العِذابا
ومـا أحلـى انزعاجَكَ من ديار تُضـيع النابغون بها الحِقابا
فهـل وطن الفتى في العنق غلٌّ تأبّــد وضــعُه فيــه عِقابـا
وهـــل غـــبراؤه إلاَّ تــراب وأَنّـي ترتحـل تَعـلُ التُرابـا
فــإن الأرض اجمعَهــا كــبيتٍ يوحَــده بنـو الـدنيا مآبـا
ففـي أَيّ الـديار تعـزُّ شـأناً أَنِـلْ قـدميكَ مـن يدها وِثابا
أَلاَ زُمـي الركـائب واصـحبيني لنسـكن حيـث عيشُ المرء طابا
ونتّخِــذّنْ لنـا وطنـاً جديـداً تــوفَر عيشــةً وصـَفَا شـَرابا
إلـى أن يرتقـي لبنـانُ يوماً فنرجـعَ حيـث نسـتحلي الإيابا
فمــا أكملــتُ إلاَّ وهـي ظـبيٌ تأسـّد وانـبرتْ تُعطـي جَوابـا
رويـدَك أَيها الناوي اْغتراباً عـن الأوطـان تُصـميها حِرابـا
ولا ترضـي العِتـاب وأنت تدري بـأَن العَتْـبَ يستبقي الصِّحابا
وتُغرينــي بهجرانــي لأَهلــي كــأَنَّ الأهــل شـيء لا يُحـابى
وتُبـدي لـي المـواطِنَ مظلماتٍ لأَهــوى عـن دياجيهـا غِيابـا
فأَشــجتني منــاحٍ تبتغيهــا وتَســـآلٌ تُرجّــي أن يُجابــا
أّأُبــدل مــوطني بـأَعزَّ منـه لأَنـي قـد حُصـرتُ بـه اْنغلابـا
ومَــن يحمـي للبنـانٍ كيانـاً إذا فقـد المحبـة والشـبابا
وإمّــا يّطــرِحْ وطنــاً فتـاه أَيصــلُح شــيخُه عنـه نِيابـا
فليـس مـن العُلـى أَلا نُحـابي مواطنَنــا ونُعليهــا جَنابـا
وحقِّــك أننــي ســأَبرّ أهلـي وأَوطــاني وإن صـارت خَرابـا
ومهمــا يشــقَ لبنـانٌ فـانّي أَعـزُّ إلـى روابيـه اْنتسـابا
وإن يَغضــبْ علـيَّ الأرزُ يومـاً حَســِبتُ النـاس كلَّهـم غِضـابا
ومَـن هـو بـادل وطنـاً بأَرقى كمنتحــل أَبـاً أَعلـى نِصـابا
فمـا الآبـاءُ تُختـار اختياراً ولا الأوطـان تُنتخـب اْنتخابـا
ومـن يـكُ ذا أَب أَمسـى ضعيفاً أَيهجــرُه وَيجزيــه اْجتنابـا
كـذا وطنـي فـإن يكُُ في شقاء أَمتخـــذٌ بـــديلاً مُســتطابا
ومـن يـكُ فـي محيـط غيرِ راق أَمنتــدبٌ لخــدمته اْنتـدابا
فمالـك يـا أَخي قد ضِقتَ ذَرْعاً وعزمُـكَ قـد خبـا والظنُّ خابا
قضـيتَ الحـرب والأحقـابَ قبلاً وقـد كـانت أَشـدّ جـوىً ونابا
ولمــا أن أُقيـل لنـا عثـارٌ ومهّـدتِ الظـروفُ لنا العِقابا
واومــضَ بـارق الإصـلاح فينـا تحـاولُ عـن حمِـاك الاغترابـا
ففـي الهجـران كم خطب تدانى وكـم تلقى المخاطر والصِّعابا
نظـرتَ إلـى الأولى عادوا مِلاءً ومـا فكـرت كـم قاسوا عَذابا
وقـد أبصـرتَ مـن نالوا هناء ولـم تَرَ كَمْ فتى لبس التُرابا
فصـبراً يـا أَخـي وانهض لعيش سيصــلحُ إن صـَلُحتَ لـه طِلابـا
فهـاتِ يـداً تُضـمّ إلـى سواها لنُصـلحَ أَرْبُعـاً أضـحت يبابـا
تنبَّــه للزراعــة فهـي كنـز إذا أحسـنتَ في الأرض الكِرابا
وللأنهــار إن خُزنــت أقـامت مــن الهضـبات جنـاتٍ رِطابـا
تنبَّبــهْ للصـناعة فهـي ضـرع يـدرّ إذا عرفـتَ لـه اْحتلابـا
فليــس بقــائم عمـرانُ قـوم يحـوك الأجنـبيُّ لـه الثيابـا
ففــي الأوطــان أصـواف وخـزّ فـرقِّ النسـج فيهـا والإهابـا
تنبَّــهْ للتجــارة فهـي بـاب إلـى الإثـراء إن تُحسن ضِرابا
وفـي لبنـانَ منتجـعُ اصـطياف فحســـّنه لـــرائده شــِعابا
وعلــم الإقتصــاد فلا تــدعه فــإن بـه لـدنياك اْجتـذابا
ولا تنـسَ السياسـة فهـي علـم يعـاني الجاهلون له اْضطرابا
ستدرسـه علـى الأيـام فاقتـلْ مســــائلَه بلاءً واْحتســـابا
ولا تنــسَ التعصــب فهـو داء عُضـال مـا وجـدتُ لـه طِبابـا
فحــاربْهُ بعلــم فهــو جهـل يــدكُّ بنـاء مجـد إن أَصـابا
دعيتـم قاصـرين فـإن بقيتـم فلا مــالاً تــرون ولا حِســابا
فأَبـدوا للوصـيّ الرُّشـدَ حـتى يسـوسَ الرُّشـدَ فيكم والصَوابا
فلـم يَـرَ منكُـمُ إلا اقتتـالاً وحّبــاً للوظــائف واصـطخابا
رفعتـم رايـة الـوطن المفدّى فهلاَّ ترفعـــون لــه قِبابــا
ونــاديتم بالإســتقلال صـِرفاً فــأَبقوه بعصــبتكم عقابــا
فليــس بعــامر بنيـانُ قـوم إذا أخلاقهــم كــانت خَرابـا
ومـا مـن قيّـم يُوليـكَ رُشـداً إذا لـم تَبلغِ الرُّشدَ اْكتسابا
فكــن للنفـس معتمـداً وحـرّاً يُحـاذر في المكاسب أَن يُعابا
ولا تهجــر حِمــاكَ وجِـدَّ فيـه تجـد أَن الرقـيَّ إليـه ثابـا
فــإن يـكُ مَشـرفيَّ غيـرُ مـاضٍ فهـلْ يفـري إذا بدَلَ القِرابا
ومـا إن أكملـتْ حـتى عَـدَتني أَحيـرُ بحسـن مـا أَبدتْ جَوابا
نشــدتُكِ يــا معلّلــتي بحـق أَزيحـي الخدرَ شيئاً والنِقابا
فقــد أَشـبعتِ بالآمـال نفسـي وزدتِ لمــوطني منّــي حُبابـا
فرجّحــتُ البقـاء علـى نـزوح أَراه يزيد في الوطن المُصابا
فتــاةٌ أَنــتِ أَم مَلَـكٌ كريـم فقـالتْ لـم أطـأْ يوماً سَحابا
وبيـتي فـي ربـى لبنـانَ عالٍ يعـزُّ علـى سوى أهلي اْنتيابا
ربيــتُ بـه علـى فَقـري بعـزٍّ عَــداه طــالبٌ فتحـاً وَهابـا
فلسـتُ أرى السـعادة في سواه ودينــي أن يَعِـزَّ الأرزُ غابـا
أَلا تجــدنَّ فــي لبنـان عـزّاً فقلـتُ نعـمْ إذا كنَّـا صـِحابا
أحمد تقي الدين
188 قصيدة
1 ديوان

أحمد تقي الدين.

شاعر، ولد في بعقلين، ودرس في المدرسة الداوودية ثم مدرسة الحكمة.

ثم درس الشريعة على كبار العلماء ثم أصبح من محجاته في لبنان.

زاول المحاماة، ثم عين قاضياً وشغل مناصب القضاء في عدة محاكم منها، بعبدا وعاليه، وبعقلين وكسروان وبيروت والمتن.

وقد كان مرجعاً لطائفته الدرزية في قضاياها المذهبية

وقد كان شاعراً عبقرياً حكيماً، يعالج علل الأمة، بفكر ثابت ورأي سديد ومدارك واسعة.

له ( ديوان شعر - ط ).

1935م-
1354هـ-