أكاروس هذا مسبح الطير فاركبِ

قصص وأماثيل من ص33 الى ص45

أكاروس

قصة «ديدالوس» و«أكاروس»

الأبيات 69
أكـاروس هـذا مسـبح الطيـر فـاركبِ وتلـك المهـاوي مـن خضـارة فاجنبِ
زوى الغاشـم المخـدوع عنـا سـفينه ونــادى، فنحــى جنـده كـل مركـبِ
وظـن بنـا عجـزًا، فيـا سوء رأيه! مـتى حيـل مـا بيـن السـماء وكوكبِ
أدر مركـب الريـش الـذي ما استقله أنيـــس ولا جـــن ولا ذات مخلـــبِ
وطِـرْ نلتمـس عـبر الشـمال ونرتحل علـى سـنة الطيـر الـتي لـم تُهـذَّبِ
تراهــا إذا ضــاقت بلاد بســربها علــى أهبــة فــي جوِّهـا المتقلـبِ
ألا وادخــر عزمًــا يقــودك شــرخه إلــى الأوج فــاحفظه لشـوط مغيـبِ
وســر قــدمًا إن المطــار لواحــد ولكــن ســبيل الأوج ليــس بمقـربِ
أكاروسـ! إنـا هاربـان مـن الردى فلا تجعــل العقـبى إلـى شـر مهـربِ
توســط فلا تهبــط ولا تعــلُ مصـعدًا ولا تـكُ مـن يعلـو إلـى غيـر مطلبِ
فإنــك إن تغــتر بالشــمس ينخـذل جناحــك أو تبتــلَّ بالمـاء ترسـبِ
هنـا لافـح يـوهي اللحام، وها هنا لريشــك وهــيٌ مــن رشــاش مرطَّــبِ
أكاروسـ، إنـي بـاذل لـك مـن يـدي ومـن خـبرتي ذخـر الصـناع المجربِ
تـذكَّر عظـاتي واعلـم اليـوم أنـه صـنيع الحجـى لا الكـف أنفـس مكسبي
ولا تتخــذ ريشــي وتنــسَ نصـيحتي يخُنْــكَ جنـاح الـرأي يومًـا فتعطـبِ
أقــل مـن الصـخر امـرؤ ضـم جسـمه أمانــة روح لــم يصــنها لمـأربِ
ولــي فيــك أعمـار طـوال وللـدنى فأسـند إلـى عـزم الصبا حزم أشيبِ
حياتـك مـن بعـدي معادي، ولن ترى فـتى صـالحًا يجنـي الفنـاء على أبِ
ولِلأمـسِ شـوقٌ أن يَـرى الغـدَ طالعًـا فـإن مـات يـومٌ قبـل ماضيه فاعجبِ
بُنَـيَّ اسـتمع قـولي فمـا بعـد نسيه ســـبيل إلـــى تكــراره لمعقــبِ
إِلـى الجـو هـذا يـا بنـي وداعنـا وللأرض منـــا لهفـــة المتغـــربِ
فإمــا لقــاء بعـدُ فـوقَ صـَعِيدِها وإمــا فــراق شــاعب كــل مشــعبِ
وصـاة لديـدالوس وصـى بهـا ابنـه ونِعْــمَ الموصــِّي مــن حكيـم مـدربِ
صـــناع لــه كــف كــأن أكفنــا مـن العجـز إن قيسـت بهـا لم تركبِ
عليــم بأســرار الفنـون، وإنهـا لتُقبَــس مــن سـر الحيـاة المحجـبِ
ومـن يـؤتَ تصـريف الجمـاد يضـف به أكفًّــا وأعضــادًا إلـى كـل منكـبِ
وناهيــك ديــدالوس مـن ذي حصـافة قــدير علـى فعـل الأعـاجيب معجـبِ
يُعِيــرك مــن يمنــاه صـوله قشـعم وخلســـة ثعبــان وحيلــة ثعلــبِ
ويبنـــي فمبنـــاه عمــاد لأمــة وبيـــت لأجيـــال وزيـــن لمنصــبِ
ولكنــه بئس الغيــور علــى اسـمه وقـد يحمـل الغيـران أوزار مـذنبِ
تغيـــظ لمــا بــزه فــرع صــنوه ولـم يـرع حـق الأخـت في ابنٍ محببِ
فأصـماه، لـم يشـفق عليه من الردى وواراهــ، لـم ينـدم ولـم يتحـوبِ
ومــا كــان إلا أن نبــا بكليهمـا فضــاء أثينــا مــن مقيـم ومعـزبِ
فهــذا مســجى فــي ثراهــا مـترب وهــذا مزجــى دونهــا كــالمتربِ
تشــرد واســتعدى لإخفــاء أمــره ذكـاء يريـك النجـم فـي جنـح غيهبِ
ووارتـه مـن عيـن الغريـم فنـونه وكــانت منــارًا بيـن شـرق ومغـربِ
ومــا زال يغــروري البلاد ويتقــي تصــعد أثنــاء الــذرى بالتصـوبِ
إلــى أن تلقتــه «كـريت» وربهـا علـى خيـر أهـل فـي حماهـا ومرحـبِ
وأمَّــل «مينـو» منـه حصـنًا لملكـه فحصـــنه «مينــو» بملــك مؤشــبِ
ومــا ملــك إلا لــه مــن صــناعة معاقــل يبنيهــا ليــوم عصبصــبِ
هنالـك كـان الأمـن لـو يأمن امرؤ يُخــاف ويُرجــى للمخــوف المــؤربِ
تحيَّــر ديــدالوس مــا بيـن منكـر وشــكر، وغـب اثنيهمـا غيـر طيـبِ
أيحمـل شـكر الملـك أم كيـد عرسـه وأنجاهمــا فــي طيــه سـم عقـربِ
غوت عرس مينو واشتهت ساء ما اشتهت مـن الناسـ، لا بـل مـن بهيم مذنبِ
تحــن إلــى ثـور وتهـوى اقـترابه وليــس ولــي العهـد منـه بمعجبِ!
فأولــدها طفلًا لــه مثــل ظلفــه إلـــى شــر وجــه آدمــي ومنكــبِ
ويـا رب أنـثى تعشـق الثـور كلمـا سـباها فتى بالجسم لا الروح يستبي
فمـن غيـر ديـدالوس يخفـي شنارها ويرعـى مهـاد الطفـل رعـي المـؤدبِ
أهــابت بــه أمًّــا وأنـثى حريصـة ومالكـــة حيرىــ، فلــم يتهيــبِ
بنـى لسـليل الثـور حـرزًا، وليته تلمــس حــزرًا مــن غــوائل مغضـبِ
غـوائل «مينـو» حيـن ثـارت ظنـونه وضــاجع أشــجان المعنَّـى المعـذَّبِ
وأقســم لا واقٍ مــن المــوت عنـده ولا وائل مـــن ســـخطه المتلهــبِ
وأهـول مـن هـول الخضارم في الدجى ضـــراوة مهتـــوك وغيــظ مخيــبِ
فلمـا تنـادى الجنـد وارتجت القرى وخيــف الأذى مــن حاضــرين وغيـبِ
وقـالوا: أمـن رب الجزيـرة حربـه يـوقيه عـرض البحـر أو طـول سبسـبِ
أهــاب الصــناع العبقــري بفنــه فلبـاه، فاسـتعلى بـه متـن أشـهبِ
تســربل مــن ريــش وســربل نجلـه خوافــق لــوّى بينهـا ألـف لـولبِ
فحلـــق مزهـــوًّا وفـــر مظفـــرًا وأغــرى لســان السـخر بـالمتعقبِ
مضـى ناجيًا من بأس «مينو» فهل نجا فتـاه مـن البـأس الذي فيه يختبي
بلـى قـد نجـا لـولا طمـاح سـما به إلـى الشمس في ثوب من النار مذهبِ
تعشــــقها مفتونــــة فتقبلـــت هــواه بــوجه صــادق النـور خلـبِ
وأسـكره الشـوق الجديد فما ارعوى لنصـــح نصـــيح أو لزجــر مــؤنبِ
ومــا هــي إلا وثبــة بعــد وثبـة إلـى الشـمس حـتى عـزه كـل مـوثبِ
تعشــقها نــارًا، فـإن جـاءه الأذى مـن النـار، فليعتـب فلا حين معتبِ
علا بــــدم حـــي وخـــر مضـــمخًا بــه فــي جنــاحي أرجـوان مخضـبِ
طريحًــا علــى صـخر تغشـيه رغـوة مـن العيلـم الغضـبان في غير مغضبِ
وراحـت بنـات المـاء ينـدبن حـوله ومـن يـر أنقـاض الصبا الغض يندبِ
ومــا مــن عـزاء للشـباب علمتـه سـوى مـدمع مـن أعيـن الحسـن صـيبِ
إذا جـال فـي حسـبانه هـان عنـده دمـوع ذراهـا الحـزن مـن طرف أشيبِ
عباس محمود العقاد
748 قصيدة
8 ديوان

عباس بن محمود بن إبراهيم بن مصطفى العقاد: إمام في الأدب، مصري، من المكثرين كتابة وتصنيفاً مع الإبداع. أصله من دمياط، انتقل أسلافه إلى المحلة الكبرى، وكان أحدهم يعمل في "عقادة" الحرير. فعرف بالعقاد. وأقام أبوه "صرافا" في اسنا فتزوج بكردية من أسوان. وولد عباس في أسوان وتعلم في مدرستها الابتدائية. وشغف بالمطالعة. وسعى للرزق فكان موظفا بالسكة الحديدية وبوزارة الأوقاف بالقاهرة ثم معلما في بعض المدارس الأهلية. وانقطع إلى الكتابة في الصحف والتأليف، وأقبل الناس على ما ينشر. تعلم الإنكليزية في صباه وأجادها ثم ألم بالألمانية والفرنسية وظل اسمه لامعا مدة نصف قرن أخرج في خلالها من تصنيفه 83 كتاباً، في أنواع مختلفة من الأدب الرفيع، منها كتاب (عن الله) و (عبقرية محمد) و (عبقرية خالد) و (عبقرية عمر) و (عبقرية علي) و (عبقرية الصديق) و (رجعة إبي العلاء) و (الفصول) و (مراجعات في الأدب والفنون) و (ساعات بين الكتب) و (ابن الرومي) و (أبو نواس) و (سارة) و (سعد زغلول) و (المرأة في القرآن) و (هتلر) و (إبليس) و (مجمع الأحياء) و (الصديقة بنت الصديق) و (عرائس وشياطين) و (ما يقال عن الإسلام) و (التفكير فريضة اسلامية) و (أعاصير مغرب) و (المطالعات) و (الشذور) و (ديوان العقاد) وكلها مطبوعة متداولة. وصدر له بعد وفاته كتاب سماه ناشره (أنا بقلم عباس محمود) وكان من أعضاء المجامع العربية الثلاثة (دمشق والقاهرة وبغداد) شعره جيد. ولما برزت حركة التحلل من قواعد اللغة وأساليب الفصحى عمل على سحقها. وكان أجش الصوت، في قامته طول، نعت من أجله بالعملاق. توفي بالقاهرة ودفن بأسوان. (عن الأعلام للزركلي)

قلت أنا بيان: 

أصدر العقاد حتى سنة 1921م ثلاثة دواوين هي 

يقظة الصباح 1916

وهج الظهيرة 1917

وأشباح الأصيل 1921

ضم إليها 

ديواناً رابعاً هو أشجان الليل نشرها في عام 1928م في ديوان واحد باسم "ديوان العقاد".

وفي سنة 1933 أصدر ديوانين هما: وحي الأربعين وهدية الكروان 

وفي سنة 1937م أصدر ديوان عابر سبيل 

وفي سنة 1942م أصدر ديوانه أعاصير مغرب وكان عمره قد نيف على الخمسين.

 وبعد الأعاصير1950 

وما بعد البعد عام 1967م

وفي عام 1958 أصدر كتاب " ديوان من الدواوين" اختار منه باقة من قصائد الدواوين العشرة: 

يقظة الصباح 1916

ووهج الظهيرة 1917

وأشباح الأصيل 1921

وأشجان الليل1928

 وعابر سبيل1937

 ووحي الأربعين 1942

وهدية الكروان1933 

 وأعاصير المغرب1942

 وبعد الأعاصير1950 

وقصائد من ديوان : ما بعد البعد الذي نشر لاحقا عام 1967م

وجمع الأستاذ محمد محمود حمدان ما تفرق من شعر العقاد في الصحف ولم يرد في هذه الدواوين ونشرها بعنوان "المجهول المنسي من شعر العقاد" وسوف أقوم تباعا إن شاء الله بنشر كل هذه الدواوين في موسوعتنا

1964م-
1383هـ-

قصائد أخرى لعباس محمود العقاد