ما المجدُ إلا بحُسن الصُّنع والعملِ
الأبيات 99
مـا المجـدُ إلا بحُسن الصُّنع والعملِ بهمَّــةٍ لا تُــرى للبُطــء والمهَــلِ
بهمَّـــةٍ تُكســب الأوطــانَ مَنقبَــةً تَبقـى تُعـدُّ مـدى الإشـراقِ والطَّفـل
إنــي وحقــكَ لــم أعبـأ بشـرذمةٍ تظــنُّ جهلاً بلأنَّ المجـدَ فـي الحِيَـل
عِظــمُ العمامَـة أو تـوفيرُ لحيتِـه أو التَّعطــرُ والتســويدُ بالكُحُــل
أو التَّبخــترُ فــي مشــيٍ لمسـخًرةٍ أو التَّـــأبطُ للحمـــرا بلا مَلــل
أو التَّــأنقُ فــي بنيـانِ ذي شـرهٍ وفـي المراكبِ أو في الحلي والحُلل
أو التعــرض للأجيــال فــي عِــوجٍ أو التشــدقُ فـي الأخبـار والمثُـل
أو التَّــبرز لِلتَّهــويسِ فــي حِلَـقٍ يُملـي المسـائلَ بـالتحريفِ والوهَل
أوِ اسـتراقُ الـذي قـد كان في كُتُبٍ مُســـطَّراً لِـــذوي عِلــمٍ بلا خجَــلِ
وإن بُلــي بامتحــانٍ فــي تَشـدُّقِه تكشـَّف الحـالُ فـي بلـواهُ عـن خَلل
هيهــاتَ ذاك ضــَلولٌ قــد تربَّعفـي بيــت الغوايـةِ للتَّصـدير والقِبَـل
يزيَّــنُ الجســمَ لَلتلـبيسِ فـي مَلأٍ يَرنـو إليـه بطـرفِ المقـتِ والثِّقَل
شــمِّر بنـيَّ لِنيـل العِلـم مبتـدِراً خـوفَ الشـماتة لا تصـبو إلى الكسَل
لا تفخـــرَن بجـــدودٍ إن ذا غلــطٌ إن الفخــارَ أتــى بأجمـلِ الفِعَـل
ليـس الفخـارُ سـوى بـالعلمِ نهضتُه تُجـري المنـافعَ عـن وبـلٍ بلا وشـَل
لاســيّما أنـتَ فـي عصـر بـه ظهـرت معــارفُ هــي فينـا مُنتَهـى الأمَـل
هـذي المناطيـدُ فـوق الجو تُنشدُنا هـذي المـآثرُ والآثـار فـي الـدُّولِ
هـذي السـيَّارةُ فـي الأنواع تُتحِفُنا قـربَ المـزار ويمـنَ السير والنُّقَل
هــذا القطـارُ يخُـدُّ الأرض مُمتطيـاً متـنَ البسـيطةِ فـي سـهلٍ وفـي جبل
هـذي البـواخرُ في عمق البحارِ وفي أعلاهُ تفعــلُ فعـلَ الفـارسِ البطـل
هـذي الجسـورُ تَقـي مـن كـل نائبةٍ هـذي الملاجيـء فيهـا راحـةُ النُّزُل
هــذي المصـالحُ قـد عمَّـت بلا عـددٍ تَـروق حُسـنا لـدى الأنظـارِ والمُقَل
هـذا التَّمـدن هـذا الفضلُ فاعنَ به ليــس التمــدنُ بالألحـانِ والغـزَل
كـم مِـن علـومٍ وكـم أشياءَ تعلمُها فـالعلمُ بصـاحبها فـي أبحُر الضُّلَل
خــذِ العلــومَ ولا تَنظـر لقائِلهـا دعِ التعصـــبَ بـــالآراءِ والجــدَل
إنَّ التعصـــبَ مطلـــوبٌ إذا شــُبَهٌ تَرمـي إلـى سـيءٍ في الدينِ أو خَلل
والعلــــمُ إن الجهـــلَ مَنقصـــَةٌ تُلقـي بصـاحبها فـي أبحُـر الضـٌّلَل
مـا العلـمُ إلا الـذي يَنهاكَ وازعُه عــنِ المســاوئ ولا يُـدنيكَ لِلخطَـل
والمـالُ إن لـم يكـن علـمٌ ولا عضدٌ كَــلٌّ عليـك وكُـلٌّ النـاسِ فـي عـذَل
مـا أحسـنَ الـدّينَ والدّنيا بلا شُبَهٍ وصـاحبُ الفقـرِ محسـوبٌ مـنَ الوعِـل
واصـحَب صـُدوراً بهـم تعلو إلى رُتبٍ وتـأمَنُ الـدهرَ مِـن مَكـرٍ ومـن غِيَل
يخـافُ منـكَ الـذي قـد كنـتَ تحذَرُه إنَّ الـذئابَ تخـافُ الأسـدَ مِـن فشـَل
عـابَ الذي لم ينل في الوقتِ تجربةً لِصــحبةٍ لهــمُ والعيــبُ لـم يـزَل
أمـا اللّئامُ ومَـن كـانوا ذوي حسدٍ عنهــم تَرفّــع و لا تخضـع ولا تَمِـل
واصـبر علـى مضـضٍ مـن أجلهم بطَراً فالصـبرُ يوليـك مـاتَبغيه مِـن أمَل
لا تَـزرعِ الخيـرَ فيمـن دأبُـه خـدَعٌ كـم مِـن غَشـومٍ غَواهُ النّطقُ بالرَّتَل
لا تعتمـــد احـــداً إلا بتجربـــةٍ كــم مُســتقٍ غُـرَّ بالآبـارِ والوثَـل
لا تطلــبِ الفضــلَ ممـن سـِرُّه عـدَمٌ فـذاكَ جهـلٌ بنـادي الفضـلِ والسٌّبُل
واحـذَر صـداقةَ مَـن يُرضـيك ظـاهرُه دعِ الغـرورَ فـإنَّ السـمَّ فـي العسلِ
مَسـاقطُ اللحـظِ منهـا المرء مُكتسِبُ حُبّـاً وبغضـاً وفـي الغِلمان والخوَل
إنَّ العــداوةَ قــد تُرجـى مودّتُهـا أمـا الصـداقةُ لا تخلـو مـن العِلل
والحكـمُ فـي علَّـةٍ ثَبتـاً وفـي عَدمٍ يَقضـي انقلابَ الـذي لِلقصـد لم ينَل
لا تصــحبَنَّ الــذي أيــامُه أفلــت ولا يغــرُّك إنَّ النّحــسَ فــي زُحَــل
واعـذر قرابـةَ سـوءٍ إن بُليـتَ بِهم واسـتغنِ عنهـم فـإنَّ اللهَ خيرُ وَلي
أمــا الحماقـةُ لا تقـرَب لصـاحِبها وإن بليــتَ فَعُــذ بـالله وابتهِـل
شـرُّ الطَّغـامِ الـذي يَنسـى مبـادئَه ظنّـاً بـأنَّ أهـالي العصـرِ فـي غَفَل
يَبغـي الوقيعـةَ إن عنَّـت لـه فـرَصٌ بِمَـن دَروا فعلَـه الموسـومَ بالخَبَلِ
وفـي الزوايـا خبيـا السّرِّ تُنبئُنا عريـقَ مجـدٍ ومَـن في الناس ذو دخَل
فــإن عَلاكَ لَعمــري الــدُّنُ لا غضـبٌ فالــدهرُ آونــةً ينقــادُ للهَمَــل
وكُــن تُــرى غيــرَ هيّـابٍ ولا كسـِلٍ إنَّ القطيعــةَ فـي وهـمٍ وفـي كَسـَل
واصـرِف زمانَـك فـي كـدٍّ وفـي تعـبٍ لِتغتـذي مـن لِبـان الفضـلِ عن نهَل
قـد قـال قـولاً بليغـاً مَـن له نظرٌ نصـحاً لـذي همـمٍ عـن رتبـةِ السَّفَل
وخُـض لنيـلِ العلا بحـرَ المكارهِ لا تَجبُـن فلا يُـدفَعُ المقـدورُ في الأزَل
مـا أيسـرَ المـرءُ والأشـياعُ مُعسِرةٌ ولا اعتَلا قَــدرُه والأهــلُ فـي ثَهَـل
والحــظُّ أعظــمُ فـي نُجـحٍ بلا طلـبٍ ســيانِ كفـءٌ وغيـرُ الكفـءِ لا تَسـَل
إن خانــكَ الحـظُّ لا تطلُـب لِمنزلـةٍ إنَّ الحظـوظَ بقَسـمِ اللـهِ لـم تَـزُل
إذا ظفِــرتَ فــزِن بــالعفوِ عِزّتَـهُ فـالعفوُ مـع قُـدرةٍ من أشرفِ الخُلَل
عـوِّد لَسـانَك قـولَ الصـِّدقِ مُبتغيـاً سـُبلَ المـداواةِ سـُس لِلنّاس بالمهَل
واحـرِص على السَّلمِ إن وافى بمصلحةٍ واجـذُب قلوبَ الورى بالبِشر واستَمِل
إن الحــوادثَ أشــباهُ لهــا سـلَفٌ والنُّجـحُ أو ضـدُّه في الشكل والمثَل
هـذا التاريـخُ يُعيـدُ نفسـَه زمنـاً حُسـنُ المعـادِ بيُمـنِ العـدلِ لا تُحِل
وابــغِ التكسـُّبَ مـع عِلـمٍ ليَحرُسـَهُ إنَّ التكســبَ فيــه عــزَّةُ الرَّجُــل
إن البطالـــةَ ذُلٌّ لا نفـــاذَ لــه وهـل تُريـحُ الفـتى مطـامعُ النِّحَـل
خــذِ القناعـةَ فهـي حِـرزُ نائِلهـا مِـن ذِلَّـةٍ وأمـانُ الفكـرِ مِـن شـُغُل
إيـاكَ والعُجـبَ فـي كـبرٍ وفـي شَططٍ فـذاكَ مِـن صـفةِ المخـذولِ عـن عجَلِ
والعُجــبُ داءٌ كـبير مـن بُلـيَّ بـه يمتــازُ وسـماً لـه بـأفحشِ العِلـل
إيــاكَ والبغـيَ إنَّ البغـيَ مسـلكُه وخيـــمُ عاقبــةٍ بســائرِ المِلــل
لاتَعجبــن مــن ذليــلٍ عـزَّ جـانبُه أو مــن حُظــوظٍ إذا ولّـت بلا أمَـل
أو مِــن ســرورٍ إذا عـادت ملـذَّتُه حُزنـاً وهمّـاً فـإن الـدهرَ ذو دَغَـل
دوامُ حــالٍ محــالٌ جـاء فـي حِكَـمٍ فـابغِ التوسـطَ في الأعمالِ حين تَلي
لا تطمحــن إلــى العليــا بلا أدبٍ يُـدنيكَ منهـا فـإنَّ الأمـرَ ذو جَلَـل
لا تَنظُــرَن لِعيـوبِ النـاسِ مُزدريـاً وابـدأ بنفسـكَ فـي الإصـلاحِ واشتغِل
يَـرى الغـبيُّ القـذى في عينِ صاحبهِ ويـتركُ الجِـذعَ فـي عينيـه مِن ذَهَل
مكـرُ العـوائدِ مع كيدِ النساءِ هما حـربُ العقـولِ فخُـذ بالحِذر واعتزل
واحـذر لقبضِ الرُّشا مهما دُعيتَ إلى ولايــةٍ فالرُّشـا مِـن أعظـمِ الزَّلَـل
ذاكَ السـبيلُ سـبيلُ الظلـمِ صـاحبُه يَلقـى الجحيـمَ وفـي دُنياهُ كالجُعَل
لا تُظهِـرِ النُّسـكَ والأحـزابُ فـي هلعٍ تَجنـي الحطـامَ بـدسِّ الزورِ والغِيَل
يكفيـكَ ذمَّـاً جميـعُ النـاس ناقمـةٌ تَـدري الأمـورَ ومـا أبطنـتَ منِ عِلَل
فلــم تَسـُؤني ولـم آمربمـا صـنعت يــدُ الخليـطِ مقـالُ حامـلِ الوحَـل
واعمَــل بظــاهرِ مايأتيــكَ مُتَّئِداً دعِ الغيــوبَ لحكـمِ اللـهِ وامتثِـلِ
لاتســتبدَّ بــرأيٍ فالمشــورةُ مِــن معـالمِ النُّجـحِ فـي قُـلٍّ وفـي جَلـل
يُعمـي البصـيرةَ حُـبُّ الشيءِ في مثَلٍ إنَّ الضـّريرَ إلـى الغايـاتِ لم يصلِ
واهجُر لمن قد بدت في العلمِ رغبتُه مِــن غيـرِ شـُكرٍ ولا تقـوى ولا وجَـل
وإنمـا الخـوضُ فـي أشـياءَ يُنكِرها ذوو اعتقــادٍ صـحيحٍ جـلَّ عـن زَلـل
ويَـزدري بـالفُحولِ العـاملينَ وهُـم أهــلُ الصــلاحِ بُـدورُ الأعصـُر الأوَل
دعِ الأباطيــلَ لا تَركَــن لِناقِلهــا قـد قيـلَ قِـدماً مقـالاً صار كالمثَل
يُغمـى علـى المـرءِ في أيام مِحنتِه حـتى يَـرى الخيـرَ في طعنٍ وفي جدَل
ومَـن يُـرد شـهرةً يَضـحى الخلافُ لـه أقـوى مُعيـنٍ علـى المقصودِ من حيَل
فـالمرتجي منـه طـولَ الدهر منفعةً كالمسـتَقي مـن فُضـول الطَّلِّ والبَلل
إنَّ الجهــولَ لِجُهّــالٍ غــدا عَضـُداً يُؤلــفُ الحــزبَ لِلأضــرار والنَّكَـل
إن التَّغــالي فـي الأشـياس مَفسـدَةٌ منهـا الأغـاليظُ والأوهـام فـي هطَل
إن الضــلالَ بــأهواءٍ لهــا فِــرَقُ وفــي الحــديثِ أتــى ذمٌّ لِمنتحـلِ
خـذِ النصـائحَ لا تَبغـي بهـا بـدلاً مِـن والـدٍ قـد دعـا لأِقـومِ السـُّبُل
وقِــس بنــيَّ علـى ماقـلَ مـن حكَـمٍ مـا كـلُّ شـيءٍ يُقـال خيفـةَ العـذَل
كـم مِـن نـبيهٍ غدا بالرمز مُكتفياً وكـم عنيـدٍ ولـو أسـهبتَ لـم يَحُـل
كــم مـن أخـي عِـوَجٍ ليسـت تُقـوِّمُه مثــالبُ الزجــرِ إلا حِــدّةُ الأســَل
هــذا العيـانُ دليـلُ لا جُحـودَ لـه والجـزءُ منـدرجُ الإِثبـاتِ في الجُمَلِ
فـاجنِ المعـارفَ عـن شـوقٍ وعن طلبٍ وزيِّــنِ العلــمَ بالأعمـالِ واهتَبِـل
واجعـل دوامـاً بنُصـبِ العينِ مذكّراً مـا المجـدُ إلا بحسنِ الصُّنع والعَمل
عبد الله الفاسي
8 قصيدة
1 ديوان

عبد الله بن عبد السلام بن علال الفاسي الفهري، أبو محمد.

العلامة الوزير، شاعر عالي الهمة، له في الفخر والحماسة، مداح هجاء، مولده ووفاته بفاس، تعلم بالقرويين، وتقدم عند السلطان الحسن ثم المولى عبد الحفيظ، وعيّن سفيراً بفرنسا، ثم تقلد القضاء بفاس قريباً من ثلاث سنوات، ولما ولي المولى يوسف عينه للوزارة مع أخيه، وخليفته بفاس.

له أدب وشعر وتآليف، منها (سلوك الذهب الخالص الإبريز في بيعة السلطان عبد العزيز- ط)، و(المسك البهي الحسن في بعض ما كان يحسنه من العلوم مولانا الحسن- خ) ثمانية كراريس عند ولده الأستاذ محمد العابد.

1930م-
1348هـ-