دخلتُ إليه يوماً، فقال: ألا ترى، أنا في السنة الحادية والثلاثين من عمري، وقد وجدتُ الشعرات البيض في لحيتي. فقلت أنا فيه: هنيئاً كمال الدين فضلاً حُبِيتَهُ ونعماءَ لم يُخصصْ بها أحدٌ قبلُ
لداتُكَ في شغلٍ بداعية الصِّبا وأنتَ لتحصيل المعالي بكَ الشُّغْلُ
بلغتَ لعشرٍ من سنِينِكَ رتبةً من المجد لا يسطيعها الكامل الكهلُ
ولمَّا أتاك الحلم والفقه ناشئاً أشابَك طفلاً كي يتمَّ لك الفضلُ
ولا بفوتني أن أنبه هنا إلى أن ياقوت كان في هذه السنة أي عام 619 في الخامسة والأربعين من عمره، حسب مولد ابن العديم في العشر الأول من ذي الحجة عام 588 فإن هذه المسامرة وقعت عام 619هـ وهذا يؤكد صحة القول بمولد ابن العديم عام (588هـ) وبطلان قول من قال أنه ولد عام (586هـ) وقد صرح ياقوت في مادة (كلز) من معجم البلدان أنه كان في حلب في ربيع الآخر من عام 619هـ لما خرج التنين الأسطوري في قرية كلز قال: (كلزُ: بكسر أوله وثانيه وآخر زاي وأظنها قلز التي تقدَم ذكرها وهذه. قرية من نواحي عَزَاز بين حلب وإنطاكية جرى في هذه الناحية في أيامنا هذه شي ة عجيب كنت قد ذكرتُ مثله في أخبار سُد يأجوج ومأجوج، وكنت مرتاباً فيه ومقلداً لمن حكاه فيه حتى إذا كان في أواخر ربيع الآخر سنة 619 شاع بحلب وأنا كنت بها يومئذ ثم ورد بصحته كتاب والي هذه الناحية أنهم رأوا هناك تنيناً عظيماً في طول المنارة، وغلظها أسود اللون، وهو ينساب على الأرض، والنار تخرج من فيه، ودبره فما مر على شيء إلا وأحرقه حتى إنه أتلف عدَة مزارع وأحرق أشجاراً كثيرة من الزيتون، وغيره، وصادف في طريقه عدة بيوت، وخركاهات للتركمان فأحرقها بما فيها من الماشية، والرجال والنساء، والأطفال، ومرَ كذلك نحو عشرة فراسخ، والناس يشاهدونه من بعد حتى أغاث الله أهل تلك النواحي بسحابة أقبلت من قبل البحر وتَدلتْ حتى اشتملت عليه ورفعته وجعلت تعلو قبل السماءِ، والناس يشاهدون النار تخرج من قبله، ودبره، وهو يحرك ذنبه، ويرتفع حتى غاب عن أعين الناس قالوا: ولقد شاهدناه والسحابة ترفعه، وقد لف بذنبه كلباً فجعل الكلب ينبح، وهو يرتفع، وكان قد أحرق فى ممره نحو أربعمائة شجرة لوز وزيتون).