تعددت آراء العروضيين في سبب تسميته بالمديد والذي أراه أنه سمي بذلك لأنه رمل محذوف مخبون مدَّ الحرف الثاني من عروضه وضربه ، والرمل المحذوف المخبون هو ( فاعلاتن فاعلاتن فعلن )
والمدّ الذي جعله مديداً هو إضافة حرف الواو بعد حرف العين في فعلن لتصبح فعولن.لذلك لم يكن للمديد مجازيء فردت كل مجازيئه إلى الرمل
إلا أن التبريزي ذهب في تعليل هذه الحالة مذهباً آخر فقال في " الوافي ":
( والمديد أصله ثمانيٌّ فجاء مجزوءاً سداسياً " أي على الوجوب " فلذلك لا يعتبر فاعلاتن فاعلن مجزوءاً للمديد )
ومن شواهده عند العروضيين قول تأبط شرا:
| تضـحك الضـبع لقتلـى هـذيلٍ | وتــرى الـذئب لهـا يسـتهلُّ |
| وعتـاق الطيـر تغدو بطاناً | تتخطـــاهم فمــا تســتقلُّ |
ولما كان المديد والرمل والخفيف من أسرة " فاعلاتن " فإن معظم الشعراء يتحرزون عند الكتابة في المديد من الوقوع في الخفيف. لأن الفارق الذي يفصل بينهما إنما هو حركة واحدة في أول التفعيلة الثانية من المديد " فاعلن " فإذا جعلتها " مفاعلن " أصبح المديد خفيفاً ومن هنا وقع صفي الدين الحلي في هذا الخلط كقوله :
| هــي للــواردين مـاء زلال | وســواها لامــع كالســراب |
هذه الحالة ، وهي الخروج من بحر إلى آخر بسبب حركة واحدة أنتجت صراعاً بين البحور وألحانها هو أشبه بصراع البقاء وكما سقط المديد في صراعه مع الخفيف واستلب هذا معظم ألحانه ، سقط المنسرح أمام أحذ الكامل، وسقط المضارع أمام المجتث.
ولم يتعرض بحر من البحور للإنكار والاستهجان كما كانت الحال مع البحر المديد والمضارع كما سيأتي في الحديث عنه. فأما المديد فقد قام من شيوخ الأدب من دعى لإسقاطه من قائمة بحور الشعر واعتبار كل ما كتب فيه مجرد امتهان وحذلقة على أنه وجد في العروضيين قديماً وحديثاً من أثنى عليه وأطراه.
وبينما ذهب حازم إلى وصفه بأنه يتميز برقة ولين مع رشاقة يشارك فيها الرمل ويجعلهما أليق بالرثاء منهما بغير ذلك ، فقد رأى فيه عبد الله الطيب عكس ذلك ووصف المديد بأنه النمط الصعب ورأى فيه صلابة ووحشية وعنفاً ولم يستبعد أن تكون تفعيلاته قد اقتبست في الأصل من قرع الطبول التي كانت تدق في الحرب ، ذلك لأن تفعيلاته تتطلب كلمات متقطعة مما جعل الشعراء يتحامونه.
وتعدى ذلك التنوخي في كتابه " إحياء العروض " فرأى أن الإبقاء على المديد في قائمة بحور الشعر العربي ما هو إلا تقليد أعمي سيعفّي عليه الدهر وقال ص160:
( إن من يكره بطبعه التقليد الأعمى ويشاهد بعينه وبموسيقية أذنه ما بين هذه الفصيلة العروضية من قرابة = أي بين الخفيف والرمل والمديد = يعجب لهذه الدوائر حين يرى أن الرمل من الدائرة الثانية والخفيف من الرابعة والمديد من الأولى ، ثم يعجب إذ يرى المديد وحده مجزوءاً وجوباً بحكم دائرته مع تمام الخفيف والرمل فيدائرتيهما ، ونحن إذا عرفنا مع هذه القرابة الثابتة أن ما نظم على المديد من الشعر لا يكاد يذكر بالنسبة إلى غيره لا نتردد متورعين في الميل إلى حذف المديد وجزر مده إلى الرمل وفي ذلك من الاختصار واليسار ما فيه )
قال ص 156:
( ولم يستعذب الشعراء في الجاهلية النظم على هذا البحر لثقلٍ فيه ولذا قل في الشعر العربي قديمه وحديثه بالنظر إلى غيره )
وزاد إبراهيم أنيس مغالياً كل المغالاة في هجمته على البحر المديد ومشككاً في أصالة هذا البحر وعروبته فقال في كتابه " موسيقى الشعر " ص192:
( والذي يبعث على الحيرة والدهشة أن نرى بحراً كالمديد أعطاه الخليل في عروضه تلك العناية الظاهرة ، ومع هذا فلا نكاد نسمع له ذكراً في الأشعار القديمة ، ولسنا نعرف شاعراً من الأقدمين قد نظم فيه قصيدة طويلة وليس يكفي من تلك المقطوعات القصيرة التي رويت منه أن نحكم على أنه وزن عربي مألوف على أنه قد اشتهرت منه أبيات أربعة نسبت لمهلهل بن ربيعة مطلعها:
يـا لبكرٍ انشروا لي كليبا يـا لبكـر أين أين الفرارُ فإذا صحت رواية هذه الأبيات وأمثالها وجب أن تدرس دراسة مستقلة وأن يدرس وزنها لا على أنها مقياس عام من مقاييس الشعر العربي بل على أنها صورة محورة من البحر الرمل حاولها شاعر من الشعراء ثم لم يكتب لها النجاح وظلت في كل العصور مهملة لا تجد من الشعراء من يعنى بها في نظمه إلا حين يتفكه بمحاولتها في أبيات قليلة في عصر العباسيين ومن بعدهم )
انتهى كلام الأستاذ إبراهيم أنيس، وبإلقاء نظرة عابرة على جدول البحر المديد في الموسوعة هذه سنكتشف إلى أي مدىً كان مجانباً للصواب في جرأته على البحر المديد.
ولا أجد ههنا من الشفاعة لهؤلاء السادة إلا أن أعترف أيضاً أنني قد عانيت كتابة الشعر أكثر من خمسة وعشرين عاماً لم أستطع فيها كتابة قطعة واحدة من المديد بل لم يسوغ لي حفظ أي مقطوعة منه.
وأثناء عملي في الموسوعة وبينما كنت أراجع ديوان مطيع بن إياس استوقفني قوله
| قـد مضى يحيى وغودرتُ فردا | بالـذي سـرَّ نفـوس الأعـادي |
وأحسست بلحن غريب يطرق سمعي فأنصت ملياً عسى أن اقتنص أصوله، وسارعت لكتابته على النوطة مستعينابالفنان الأستاذ سلطان الخطيب فكان لحناً بديعاً لا يستبعد أن يكون أساس البحر المديد فيما مضى من الزمن وهو.
وهو حسب النوطة الموسيقية: (1: مي فا صول صول/ 2 صول صول صول/ 3 فا مي فا مي / 4 ري/ 5 ري مي فا فا / 6 فا فا فا / 7 مي ري مي ري / 8 دو/)
ولا بدَّ من أنه كانت للمديد ألحان مكنته من دخول عالم الموشحات. انظر كتاب " دراسة أوزان الموشحات العربية " للدكتور حبيب حسين الحسيني ص 20 موشح ابن بقي:
لســت مـن أسـر هـواك مخلا إن يكن ذا ما طلبت سراحا وهو من المديد الصحيح
وأما مجزوء المديد فقد رده معظم العروضيين إلى الرمل. قال أبو العلاء في " الصاهل والشاحج " معلقاً على قصيدة أم السليك = ويقال أم أو أخت تأبط شراً = التي منها:
كــــل شــــيء قاتــــل حيــــن تلقــــى أجلـــك وتحتمل أمرين أن تكون من الوزن المديد ، والأمر الآخر في هذه الأبيات أن تكون من الرمل ، وبذلك حكم عليها أهل العلم. قال التنوخي في " إحياء العروض " ص 150ـ 159 :
ذهب الزجاج إلى أن للرمل عروضاً ثالثة مجزوءة محذوفة وزنها " فاعلن " كقول أم السليك ترثيه
طــــاف يبغــــي نجــــوة مـــــــن هلاك فهلـــــــك وقد جعله الزمخشري من مشطور المديد. وكان أبو العلاء أول من نبه إلى قصور المديد بقوله
أليـس الطويل نجيب البحور أخـوه المديـد ولـم ينجـبِ وشبَّه منزلته من الطويل والبسيط في " الصاهل والشاحج " بمنزلة إبراهيم بن المهدي من أخويه الهادي والرشيد قال :
( وهو من أهل بيت المملكة في الشعر لأنه أخو الطويل والبسيط وإن كان مقصراً عنهما وهو معهما في دار الملك وعنيت بدار الملك الدائرة التي تجمعه وأخويه ، فمثله مثل إبراهيم بن شكلة خرج اسمه بالغناء وأخواه موسى وهارون الملكان . . )وكل هذا الذي أسلفناه من الحنق على المديد إنما المراد به المديد الصحيح ( فاعلاتن فاعلن فاعلاتن )
حيث أن للمديد أنواعاً سارت بها الألحان ونافست أعرق البحور ، يأتي في مقدمتها المديد المحذوف المخبون وهو (فاعلاتن فاعلن فعِلُن) = والحذف سقوط السبب " تن " من آخر التفعيلة والخبن سقوط الحرف الثاني منها = فإذا سقط أول حروفه صار مجزوء الوافر. وهذا النمط من المديد هو الذي دعى العياشي إلى استقلاله عن المديد وسماه (الهارب) وذلك في كتابه " نظرية إيقاع الشعر العربي " ص 263 قال :
( والخليل يضمه إلى المديد وليس منه في شيء ولكنه مستقل بنفسه ولونه وطابعه وبكمياته وكيفياته وبنوع تأثيره )وقد ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد طائفة من أغاني هذا الوزن منها أغنية عروة بن أذينة = وكان كما يقول ابن عبد ربه شاعراً لبقاً يصوغ الألحان والغناء على شعره في حداثة سنه وينحلها المغنين =
يــا ديــار الحـي بـالأجمه لـم يبـن مـن رسـمها كلمه وأغنية طويس :
يــا خليلـي نـابني سـهدي لـم تنـم عينـي ولـم تكـد وهو أكثر أنواع المديد شيوعاً في شعر العرب وقد أكثر ابن عبد ربه في النظم عليه لشغفه بالأبحار القصار ومنه أغنية فيروز " كلما قلنا صفا زمنٌ "
ويليه المديد الأبتر وهو
( فاعلاتن فاعلن فعْلن ) = والبتر اجتماع الحذف والقطع، والقطع حذف ساكن الوتد المجموع " علا " وإسكان ما قبله = ومنها أغنية ابن صياد التي غناها لمعاوية من شعر عدي بن زيد:
يـا لـبينى أوقـدي النارا إن مـن تهـوين قـد حارا ويليه المديد المحذوف وهو
( فاعلاتن فاعلن فاعلن ) = والحذف سبق تعريفه قبل سطور =
ويليه المديد المقصور وهو
( فاعلاتن فاعلن فاعلان )
= والقصر إسقاط ساكن السبب الخفيف " أي التاء من فاعلاتن" وإسكان متحركه ، أي النون =
وقد أوصل الشيخ جلال حنفي أنواع المديد إلى أحد عشر نوعاً فضلاً عما عده من المتروك انظر " العروض وتهذيبه " 301.
منها المديد الحادي عشر ( فاعلن فاعلن فاعلاتن ) ومثاله
يـا أحبـاي هـل مـن جـوابٍ بعـد أن طـال بـي الانتظار وأرى أن إلحاق هذا الوزن بمجزوء المتدارك أولى
ومما عده من متروك المديد ( فاعلات فاعلن فاعلات )
وهو الذي غنته فيروز في أغنيتها " راجعون " أنت من ديارنا من شذاها
وقد فات الشيخ جلالاً أن يذكر ( فاعلاتن فاعلن علاتن )
وهو الذي غنته فيروز في أغنيتها " يا حبيبي " منها
أزهـر النرجـس في الروابي وتغنـى الطيـر فـي الهضابِ