هو الدَّهرُ ما تَبْنيه كفَّاك يهدمُ

القصيدة عثرت عليها اليوم (21/ 4/ 2014) في "عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان" لبدر الدين العيني (ت 855هـ) في ترجمة ابن العديم نقلا عن تاريخ النويري، أي  (نهاية الأرب) إلا أني لم أعثر على القصيدة فيها، ومعظم إحالات العيني إلى النويري رأيتها  في (المختصر لأبي الفداء)  ومنها القصيدة وهي فيه (9) أبيات فقط، وكان المنشور من القصيدة في الإصدارات السابقة للموسوعة، ويلاحظ أن البيت الثامن لحقه إقواء لا يمكن استدراكه.

ويفهم من كلام العيني أنه لم يورد القصيدة كاملة وإنما أورد جملة منها كما يقول، وكان ابن العديم لما استبيحت حلب في السبعين من عمره، لأن مولده في العشر الأول من ذي الحجة سنة 588 وقيل سنة (586هـ) قال العيني: (ولد سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسمع الحديث، وحدث وتفقه، وأفتى ودرس، وصنف، وكان إماماً في فنون كثيرة، وترسَّلَ إلى الخلفاء والملوك مراراً عديدة، وكان يكتب حسناً طريقة مشهورة، وصنف لحلب تاريخاً مفيداً يقرب من أربعين مجلداً، وكان جيد المعروف بالحيدث، حسن النظر بالفقراء والصالحين، كثير الإحسان اليهم، وقد أقام بدمشق في الدولة الناصرية المتأخرة. وكانت وفاته بمصر، ودفن بسفح الجبل المقطم بعد الشيخ عز الدين بعشرة أيام. وفي تاريخ النويري: (وكان قد قدم إلى مصر لما جفل الناس من التتار، ثم عاد إلى حلب بعد خرابها، فلما نظر إليها ورأى ما فعله التتار بها تأسف وقال في ذلك قصيدة طويلة، من جملتها هي هذه:

هو الدَّهرُ ما تَبْنيه كفَّاك يهدمُ  = وإن رُمْتَ إنصافاً لديه فَيَظْلِمُ

إلى آخر الأبيات

قال ابن كثير في حوادث سنة 657:

وفيها: قدم القاضي الوزير كمال الدين عمر بن أبي جرادة المعروف: بابن العديم إلى الديار المصرية رسولاً من صاحب دمشق الناصر بن العزيز يستنجد المصريين على قتال التتار، وأنهم قد اقترب قدومهم إلى الشام، وقد استولوا على بلاد الجزيرة وغيرها. وقد جاز أشموط بن هولاكو خان الفرات، وقرب من حلب، فعند ذلك عقدوا مجلساً بين يدي المنصور بن المعز التركماني، وحضر قاضي مصر بدر الدين السنجاري والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وتفاوضوا الكلام فيما يتعلق بأخذ شيء من أموال العامة لمساعدة الجند، وكانت العمدة على ما يقوله ابن عبد السلام، وكان حاصل كلامه أنه قال: (إذا لم يبق في بيت المال شيء، ثم أنفقتم أموال الحوائض المذهبة وغيرها من الفضة والزينة، وتساويتم أنتم والعامة في الملابس سوى آلات الحرب بحيث لم يبق للجندي سوى فرسه التي يركبها، ساغ للحاكم حينئذ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم، لأنه إذا دهم العدو البلاد، وجب على الناس كافة دفعهم بأموالهم وأنفسهم)قال: (وفيها: قبض الأمير سيف الدين قطز علي ابن أستاذه نور الدين علي الملقب بالمنصور، وذلك في غيبة أكثر الأمراء من مماليك أبيه وغيرهم في الصيد، فلما مسكه سيره مع أمه وأبنيه وأخوته إلى بلاد الإشكري، وتسلطن هو وسمى نفسه: بالملك المظفر.وكان هذا من رحمة الله بالمسلمين، فإن الله جعل على يديه كسر التتار كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وبان عذره الذي اعتذر به إلى الفقهاء والقضاة وإلى ابن العديم، فإنه قال: لا بد للناس من سلطان قاهر يقاتل عن المسلمين عدوهم، وهذا صبي صغير لا يعرف تدبير المملكة).

وفي "الأعلاق الخطيرة" لابن شداد أثناء حديثه عن أبواب حلب:

(ومن عجائب الاتفاقات ما حكاه لي القاضيان الأجلاّن قاضي القضاة كمال الدين أبو بكر أحمد بن قاضي القضاة أبي محمّد عبد الله بن الشيخ الحافظ عبد الرحمان الأسدّي المعروف بابن الأستا وقاضي القضاة مجد الدين عبد الرحمان ابن الصاحب كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة المعروف بابن العديم قالا: قصدنا في بعض الأيام زيارة الشيخ الصالح العابد الزاهد العالم العامل شرف الدين أبا عبد الله محمّد بن موسى الحورانيّ بظاهر حلب. فاتّفق عند اجتماعنا به وصول باب الرقة ليُركَّب على باب قنسرين فأجرينا ذكره فقال لنا يوم فروغ هذا الباب: ينزل على المدينة من يأخذها ويخرب هذا الباب وسائر البلد. فجرى الأمر على ما ذكر. ولمّا استولت التتر على حلب كان أوّل ما خرِب منها. ثمّ لمّا أخرجت التتر عنها وملكها الملك الظاهر أبو الفتح بيبرس نُقض حديده المصفّح به ومساميره وحّمل إلى دمشق ومصر).

وانظر أيضا قصيدة أخرى له عثرت عليها اليوم وأولها (ماذا يقول الذي يتلو مدائحه = وقد أتتنا بها الآيات والسّور) اشتملت التعريف بها على أخبار من نوادر الدهر

الأبيات 35
هـو الـدَّهرُ مـا تَبْنيـه كفَّـاك يهدمُ وإن رُمْــتَ إنصــافاً لــديه فَيَظْلِــمُ
أبــادَ ملـوكَ الأرض كسـرى وقيصـرا وأصــمت لـدى فرسـانها منـه أسـهمُ
ومُلـكُ بنـى العبـاس زَالَ ولـم يَدَعُ لهُــم أثــراً مـن بعـدهم وهُـمُ هُـمُ
وأعتــابُهُم أضــحت تُـدَاسُ وعَهْـدُها تُبَـــاسُ بــأفواه الملــوك وتُلْثَــمُ
وأفنــى بنـى أيـوب كُثْـرَ جميعهـم ومـــا منهـــم إلاَّ مليـــكٌ مُعَظــم
وعـن حَلَـبٍ مـا شـِئْتَ قُـلْ من عجائب أَحَــلَّ بهـا يـا صـاح إن كنـت تَعْلَـمُ
غـــداة أتاهـــا للمنيَّــة بَغْتَــةً مــن المُغـل جيـشٌ كالسـحاب عرَمْـرَمُ
أحـاطوا كأسـراب القطـا بربوعها علــى ســُبَّقٍ جًــرّدٍ مـن الخيـل طُهَّـم
ومــن بَعْــد سـتٍ هاجَمُوهـا ومـالهم مــن المــت واقٍ لا ولا مِنــهُ مِعْصــَمُ
فمـا دفعـت أسـوارُها عنهـم الـذى دهَــاهُم ولا مــا شــيَّدُوه ورمَّمــوا
أتوهــا كــأمواج البحــار زواخِـر بـــبيضٍ وســـمرٍ والقُتــامُ مخيــمُ
فلـو حلـب البيضـاَ عـاينْت تُرْبهـا وقـد عنـدمَ الفضـىَّ مـن تُرْبها الدَّمُ
وقــد ســُيِّرَتْ تلـك الجِبـالُ وسـُجرَت بهــنَّ بحــارُ المــوت والجـوّ أَقْتَـمُ
وقــد عطلَــت تلـك العشـارُ وأذهلـتْ مراضــعُ عمــا أرضــعتْ وهــىَ هيَّـمُ
فيالــك مــن يــوم شــديد لغـامُهُ وقــد أصـبحت فيـه المسـاجد تُهـدمُ
وقــد درسـت تلـك المـدارس وارتمـتْ مصــاحفُها فــوق الـثرى وهـي تُهْضـمُ
وقــد جُـزِزَتْ تلـك الشـعور وضـمخت وجــوه بـأمواه الـدما وهـي تُلطـم
وكـــلُّ مهـــاةٍ قــد أُهينــت ســبية وقــد طـال مـا كـانت تعـزُّ وتُكـرم
تُنـادى إلـى مَـنْ لا يُجيـبٌ نداءها وتشــكو إلــى مَــنْ لا يــرِقُّ ويُرحـم
فما غادروا إلا اليسير وقد أتى ال حسـابُ علـى البـاقين بـالحرف يُقَسَمُ
وأقــوَتْ رسـوم كـنّ فيهـا وأقفـرت رُبــوع بهــم كــانت تنيـر وترسـمُ
فــأيقنتُ أن الأرض مـا دَتْ وأقبلَـتْ بهـا الصـاخَّة الكُـبرى والآن التنقُّم
فيــا حلَبــاً أنَّــى رُبُوعـك أقفـرَتْ وأعيْـــتَ جوابــا فهــى لا تتكلَّــمُ
وكُنْــتِ لمــن وافـاك بـالأمس جَنَّـةً فمـا بـالُ هـذا اليـوم أنـت جَهَنَّمُ
بـأي جنـاً منـك اسـتحقيت ذا الذي أصـــابك والأعــداءُ فيــك ترحّمــوا
وكيــف أصــابتك الحــوادث غــرَّة بعيـن الـردى والبُـؤسُ عنـك يُتَرجْـمُ
أمـا كنـت (...) لمـن خاف حايراً وفيــك لـذى البأسـاءِ والضـرّ أنعـمُ
أمـا كنْـتِ ملجـىً للوفـود ومقصـداً يخافُـــك ذو شــرٍ ويرجــوك مُعْــدمُ
أمـا كنـت للـداعى إذا ما دعى جدا وفيـك لمـن يبغـى مـن البغْـى مُقْدِمُ
يعــزُّ علــى قلـبي المعنَّـى بـأنَّني أرى ربعــك المــأنوس قفـراً ويعظـمُ
فــأين أحبَّــائي الــذين عهــدتُهُم بِرَبْعـــك والقُطَّـــانُ فيــك مُخيــمُ
وأنــي شــموسٌ كــنَّ بــالأمسِ طُلعـاً فــأين اسـتقلُّوا بالرِّكـاب ويَمَّمـوا
فهــا أنـا ذو وجـدٍ يحيـد بأضـْلعىُ عليــك وعيْشــى فــي البلادُ يــذمَّمُ
أنُــوحُ علـى أهليـكِ فـي كـلِّ منـزلٍ وأبكـى الـدُّجى شـوقاً وأسـأَلُ عنهـم
ولكنَّمـــا للـــه فـــي ذا مشــيئةٌ فيفعــلُ فينــا مــا يشـاءُ ويحكُـم
ابن العديم
19 قصيدة
1 ديوان


عمر بن أحمد بن هبة اللّه بن أبي جرادة العقيلي، كمال الدين ابن العديم. أبو القاسم (1) مؤرخ، محدث، من الكتاب، له شعر حسن، ولد بحلب، ورحل إلى دمشق وفلسطين والحجاز والعراق، وتوفي بالقاهرة. من كتبه (بغية الطلب في تاريخ حلب- ط) كبير جداً، اختصره في كتاب آخر سماه (زبدة الحلب في تاريخ حلب)، و(سوق الفاضل- خ) منه مجلدين في مكتبة عارف حكمت بالمدينة، و(الدراري في الذراري- ط)، و(وصف الطيب- خ) رسالة، و(الأخبار المستفادة في ذكر بني جرادة)، و(دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري- ط) ما وجد منه، و(التذكرة- خ) أجزاء منها.

ترجم له ابن كثير في وفيات سنة 660 قال: (الأمير الوزير الرئيس الكبير، ...وكان إماما في فنون كثيرة، وقد ترسل إلى الخلفاء والملوك مراراً عديدة، وكان يكتب حسناً طريقة مشهورة، وصنف لحلب تاريخاً مفيداً قريباً في أربعين مجلداً، وكان جيد المعرفة بالحديث، حسن الظن بالفقراء والصالحين كثير الإحسان إليهم، وقد أقام بدمشق في الدولة الناصرية المتأخرة، توفي بمصر ودفن بسفح المقطم بعد ابن عبد السلام بعشرة أيام، وقد أورد له قطب الدين =يعني اليونيني= أشعاراً حسنة. (1) وكنيته في الجواهر المضية (أبو حفص) وهو غير سميه عمر أبي القاسم كمال الدين ابن العديم الذي أسره تيمور لنك، وهذا من أحفاد عم جد الصاحب كمال الدين ، ووفاته في القرن التاسع وقد ترجم القرشي في الجواهر المضية للكثير من أسرته

1261م-
660هـ-

قصائد أخرى لابن العديم

ابن العديم
ابن العديم

القصيدة من نوادر الدهر  عثرت عليها اليوم (21/ 4/ 2014) في نهاية الأرب للنويري وهي من شعر ابن العديم ألقاها في سياق خطبة له بين يدي المستعصم العباسي آخر خلفاء بني العباس ببغداد  ليؤدي له بيعة الملك الناصر يوسف حفيد الملك الظاهر غازي

ابن العديم
ابن العديم
هذا البيت من نوادر الدهر وهو من شعر ابن العديم كان مكتوبا بخطه على المصحف الذي بعث به صاحب دمشق هدية إلى المستعصم بالله قبل سقوط بغداد بثمانية أعوام ضمن هدايا فخمة انظرها في صفحة القصيدة الرائية:
ابن العديم
ابن العديم
هذه القصيدة لا تظهر قيمتها إلا إذا كتبت بالأقلام السبعة التي كتب ابن العديم كل بيت منها بقلم من أقلام الخط السبعة المشهور والقصيدة ذكرها الشهاب محمود (ت 725هـ) في كتابه "حسن التوسل إلى صناعة الترسل" قال: ومثل ذلك ما أنشده ببغداد
ابن العديم
ابن العديم

القصيدة في (قلائد الجمان) لابن الشعار (المجلد الرابع/ ص234 الترجمة 542) وقدم لها بقوله: (وكتب مصحفا بخطه ومجموعة نقلها من خط ابن البواب وأهداهما إلى السلطان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكتب معهما ورقة بذهب فيها هذه الأبيات،