أراقت عليها معاني الفناء
الأبيات 55
أراقـت عليهـا معـاني الفنـاء ظلال الســكون الحزيـن الرهيـب
ولفّــــت معالمهــــا ظلمـــة يصــارعها النــور حـتى يغيـب
يكــــاد الظلام إذا جاءهــــا يفــرّ فــإن همهمــت لا يجيــب
تفزّعــــه دونهــــا وحشــــةٌ مطلســـمة كالشــعاع الغريــب
وتعــول فـي صـمتها الـذكريات فيفـرق منهـا الوجـود الكئيـب
مروعــــة الظــــل مقـــرورةٌ تعربــدُ فيهــا ريـاح الخريـف
تقاســمني علّــة فــي الضـلوع مســهّدة النـار ظمـأى العزيـف
تســــائلني وهـــي مصـــلوبةٌ علــى مذبــح ســرمدي النزيـف
مــتى كــان عهـدك بـالراحلين وفيهـم أسـاةُ المريـض الشـفيف
فــأطرق حــتى يضــج الســكون ويبكــى علــى الظلام الكفيــف
تســــائلني وهـــي مذهولـــةٌ عــن الطفلـة الحلـوة اللاهيـه
محجّبــة النــور عــن نــاظري محرمـــة العـــزف والنــاغيه
تســائلني عنــك يــا زهرتــي ويــا روح ألحــاني الشــاكيه
فتتلـو عليهـا رريـاح المسـاء قصـــيدة يأســـي وأحزانيـــه
مقاطعهـــا صـــرخات الجنــون وآهـــاتيَ الــوزن والقــافيه
لهـا اللـه مـا لطمتها الرياح ومـا استيقظت في حماها الجراح
ومــا عانقتهـا طيـوف المسـاء ومــا ناوحَتهـا طيـور الصـباح
لهــا للّــه منبـوذةً بـالعراء مخضـــّبة بالأســـى والنـــواح
لهــا اللـه منـك وممّـا جنيـت علــى زهرهــا الآلهـي المفـاح
وأنــت لــك اللَــه يـا فكـرةً أطيــرُ إليهــا كسـير الجنـاح
مضى العام يا فكرتي في الجمال ويــا نبــع أيّــاميَ الشـارده
مضـى العـام يـا ليتـه ما مضى علــى هــذه الصـورة الواحـده
تُمزّقنـــي عاصـــفات الشــجون وتخنقنــي الغرفــة الهامــده
وتجمــع بينــي وبيـن الهمـوم تهاويـــل أيامنــا البــائده
مبعــثرة فــي حنايـا المكـان تـــذكّرني القصـــة الخالــده
تهاويـــــل ميّتــــة حيّــــة متوّجَـــةٌ القصـــة الخالـــده
محطّمـــةٌ كأمـــاني الجيـــاع مغلّفــــةٌ بــــتراب العـــدم
أطــوف بهــا طوفــان المجـوس إذا خـــدرتهم عطــور الصــنم
وأســكب مــن حولهـا الأغنيـات مســعّرة اللحــن حيـرى النغـم
كــأني بأصــدائها فــي الظلام تنقّـــب عـــن أذن لــم تنــم
تهاويــل كــالطير فــي أيكـةٍ تمزّقهـــا ثـــورة العاصـــفه
تمــرّ عليهــا خطــوب الزمـان فتعطفهـــا روحهــا الخــائفه
وفــي جوفهــا تسـتكنّ الهمـوم وتنســـلُ حياتهـــا الزاحفــة
مجوّعــــةً تتشــــهّى المنـــى مضــــمّخة بــــدم العـــاطفه
وفــي عــالم الفكـر أمثالهـا تطـــوّق أفكـــاري الراجفـــه
وأنــت وأنـت الهـوى والجمـال ومنعــايَ بيـن معـاني الحيـاه
وأنــت وأنـت المنـى والشـباب تعيشـــين فــي عــالمٍ لا أراه
وبـي مـن حنينـي إلـى ملتقـاك ســـُعارٌ يحــرّق عمــري لظــاه
فــــأوّاه أوّاه مـــن غنـــوةٍ مغلّلـــةٍ خنقتهـــا الشـــفاه
أُريــــدُ لأســـقيك ألحانهـــا فيســـخر منــى قضــاءُ الإلــه
ســأبكيك حــتى تمـوت الـدموع بجفنــيّ والــوهم فــي خـاطري
ســأبكيك حــتى يغيـم الطريـق طريــق حيــاتي علــى نــاظري
ســـأبكيك قصـــّةَ حــبٍّ شــهيد قضــى وهـو فـي مهـده الزاهـر
وأمضـى إلـى حيـث يمضى الزمان إلــى مرفــأ الأبــدِ الزاخــر
إلـى فجـوة فـي رحـاب الفنـاء نــــزيلا علـــى الأوّلِ الآخـــر
سأمضـــى وفــي شــفتي قبلــةٌ ســـيقتلها جـــبروت الفنــاء
وبيـــن يـــديّ رجــاءٌ أخــاف علـى روحـه مـن عـوادي القضاء
بحـقّ الهـوى العبقـريّ الشـجون علــى قلبــك العـبريّ الصـفاء
إذا مــتّ فامضــى إلـى غرفـتي ولا تنضــحي قفرهــا بالبكــاء
فعينــاك مــا كانتـا للـدموع وروحــك مــا خلقــت للشــقاء
هنـــاك أكــون وراء الــتراب أحيـــى وجــودك مــن حفرتــي
وأحكــي لمــن غيــروا قصــّتي وأعصــر مــن حزنهــم عــبرتي
فـــإن ســـألونيَ عمّــن أحــبّ أجــاب صــدىً غــائر النبــوة
هنالــك حيــث تمــوج الحيـاة وينتحـــر النـــور بالظلمــة
تعيــش الــتي احتقـرت قلبهـا وألقَتــهُ فــي حمــأة الطينـة
صالح الشرنوبي
177 قصيدة
1 ديوان

صالح بن علي الشرنوبي المصري.

شاعر حسن التصوير، مرهف الحس، من أهل بلطيم بمصر، ولد ونشأ بها.

دخل المعهد الديني بدسوق، فمعهد القاهرة، فالمعهد الأحمدي بطنطا، ثم كلية الشريعة، فكلية دار العلوم.

ودرّس في مدرسة سان جورج بالقاهرة، ونشر بعض شعره في مجلات الإذاعة والرسالة والثقافة وجريدتي الأهرام والمصري، وعمل في جريدة الأهرام.

ذهب إلى بلطيم ليقضي أيام عيد الأضحى مع أهله، فقضى نحبه منتحراً.

له اثنا عشر ديواناً في كراريس صغيرة، منها مجموعة أسماها (نشيد الصفا -ط).

1951م-
1370هـ-