ﭘيام مشرق (رسالة الشرق)

 ﭘيام مشرق (رسالة الشرق) :

أعدته للموسوعة السيدة تغريد بلله.

نقله إلى العربية الدكتور عبد الوهاب عزام. 

طبعَ هذا الديوان أول مرة باللغةِ الفارسية عام 1923م ، وكتب الشاعرُ فوق عنوان الديوان : {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} (1) وكتب تحته :((جواب ديوان الشاعر جوته )) . 

وقدم محمد إقبال هذا الديوان على أنه شعر الفارسية الكامل ،لأنه قدم إلى القارئ اللغة الفارسية في مجموعة من الأشعار تحتوي على مختلف أقسام الشعر الفارسي من الغزل ،والرباعي ،والبيتي ،والقطع ، والمثنوي وغيرها ،ويصادفنا في الديوان الشعر الأخلاقي والحركات السياسة والاجتماعية لذلك الوقت . 

والديوان روضة من الشعر تختلف أزهارها ،ونوارها ، وضروب النباتات فيها وألوان وصنوف الريحان فيها ، وروائحه جمعت أشتات الزهر من المشرق والمغرب (2) .   

(مقدمة محمد إقبال لديوان ﭘيام مشرق): (3)

نظمتُ (ﭘيام مشرق) لأجيبَ به الديوان الغربي لفيلسوفِ الحياة الألماني (جوته) الذي يقول فيه الشاعر الألماني الإسرائيلي (هاينا) : 

((هذه باقةٌ من العقائد يرسلها المغرب إلى المشرق ،ويتبين من هذا الديوان أن المغرب ضاق بروحانيته الضعيفة الباردة فتطلع إلى الاقتباس من صدر المشرق)). 

ما المؤثرات ،وما الأحوال التي كتب فيها جوته هذه المجموعة من الأشعار التي هي أحسن آثاره ، والتي سماها هو باسم (الديوان) . 

لا بدَّ للإجابة عن هذا السؤال أن نبين إجمالاً هذا التأثير الذي سُمي في تاريخ الأدب الألماني التأثير الشرقي .

وددتُ أن أفصِّلَ في هذه المقدمة الكلام في هذا التأثير ،ولكن المراجع الكثيرة التي يحتاج إليها في هذا البحث لم تتيسر في الهند. وقد بيَّن (پال هورن ) مؤلف تاريخ آداب إيران في مقالٍ له مقدار ما كان جوته مديناً لشعراء الفرس ، ولكن العدد المشتمل على هذا المقال من مجلة (نارواندسود) لم يمكن الحصول عليه في خزانة كتب في الهند ، ولا من ألمانيا ،فلا مناص من أن أعتمد في كتابة هذه المقدمة على ما أذكر من دراستي السابقة وعلى الرسالة المختصرة المفيدة البارعة التي كتبها في هذا الموضوع مستر (شارلس ريمي ) . 

كانت طبيعة جوته المتطلعة تميل منذ الحداثة نحو الأفكار الشرقية ، وفي استراسبورج حيث كان يتعلَّم القانون لقي (هردر) ذا المكانة والصيت في الأدب الألماني . ويعترف جوته في سوانحه بما تركت صحبة هردر في نفسه . 

لم يكن هردر يعرف الفارسية ،ولكن لغلبة النزعة الأخلاقية عليه كان لكتب (سعدي) أثر بليغ في نفسه حتى ترجم بعض فصول (كلستان) إلى اللغة الألمانية . 

ولم يكن (لحافظ الشيرازي) هذه المكانة عنده ، وهو يقول داعياً معاصريه : قد غنينا كثيراً على أسلوب (حافظ) ،وقد وجب الآن أن نقتدي (بسعدي) . ولكن مع حب (هردر) الآداب الشرقية هذا الحب لا يُعرف في شعره أو مؤلفاته الأخرى أثرٌ من هذه الآداب . 

وكذلك كان (شلر) معاصر جوته الثاني بعيداً عن تأثير الشرقيين .وقد مات قبل ظهور التأثير الشرقي ، وينبغي ألا نغفل عن هذه المسالة : أن قصته (توران دخت )أخذت خطتها من قصة بنت سلطان الإقليم الرابع التي كتبها (نظامي الكنجوي) في (هفت پيكر) واستهلها بقوله : 

كَفت كز جملهْ ولايت روس =...# 

بود شهري بنيكوئي چو عروس=...#  

وسنة 1812 نشر (فون همر) ترجمة كاملة لديوان حافظ : وبهذه الترجمة ابتدأ التأثير الشرقي في آداب الألمان ، وكان عمر جوته إذ ذاك خمساً وستين سنة . وكان هذا على حين بلغ انحطاط الألمان غايته في كل ناحية . 

لم تكن طبيعة جوته مهيأة للمشاركة عملاً في الحركات السياسية في وطنه ، فلما ضاق بالاضطراب الشائع في أوربة أخذت روحه القلقة المحلقة تلتمس عشَّاً في فضاء الشرق الساكن الآمن . 

وقد أثارت أناشيد حافظ هياجاً كبيراً في أفكاره ،فاختار آخر الأمر (للديوان الغربي ) صورة متميزة ثابتة ،ولكن ترجمة (فون همر) لم تكن مؤثرة في جوته فحسب ،بل كانت مأخذاً لخيالاته العجيبة الغربية ، فيبدو نظمه أحياناً كأنه ترجمة حرة من شعر حافظ ،وأحياناً تجد قوة تخيله في مصرعٍ واحدٍ مهيعاً جديداً تنير فيه مسائل في الحياة بالغة في الدقة والصعوبة . 

يقول (بيل شوسكي ) كاتب سوانح جوته المعروف : 

كان جوته يرى صورته في نغمات بلبل شيراز ، وكان يخطر له بين الحين و الحين أن روحه لبست صورة حافظ ،فعاشت في بلاد الشرق . فنحن نجده شبيه حافظ في ذلك السرور الأرضي ، وتلك المحبة السماوية ،وذلك اليسر ،وذلك العمق ،وذلك الغليان و التوقد ، وتلك السعة في المذهب ، وهذا النور القلبي ، وذلك التحرر من الرسوم ،والقيود . بل في كل أمر حافظ لسان الغيب ، وترجمان الأسرار ، وكذلك جوته . ولحافظ عالم من المعاني في ألفاظ بسيطة في ظاهرها ،وكذلك في طريقة جوته المطبوعة تتجلى الحقائق والأسرار ، وكلاهما نال إعجاب الأمير والصعلوك ، وكلاهما أثر في فاتحي عصره العظام (يعني حافظ في تيمور ، وجوته في نابليون ) (4) . وكلاهما في عصر اضطراب عامٍّ وخراب ،حافظ على السكون والطمأنينة في قلبه مبتهجاً بالمضيِّ في ترنمه القديم . 

ثم جوته مدينٌ في أفكاره لغير حافظ: للشيخ عطار ،وسعدي ،والفردوسي ،وللأدب الإسلامي عامة .فقد كتب في بعض المواضع غزلاً في قيود القافية ، والرديف ، وهو يستعمل في لغته استعارات فارسية بغير تكلف مثل: جوهر الأشعار ،وسهام الأهداب ،والطرَّة المعقودة بل هو في فورة الفارسية لا يحترز من الإشارة إلى الولوع بالمرد. ثم أسماء أقسام الديوان فارسية كذلك مثل :( مغنى نامه ، ساقي نامه، عشق نامه ، تيمور نامه ، حكمت نامه ، وغيرها ). ومع هذا كله فليس هو مقلداً أي شاعر فارسي . فطرته الشعرية حرة ولا ريب . و إنما غناؤه في مروج الشقائق المشرقية عرضي محض ، وهو لا يفرط في غربيته ، وإنما يقع بصره وحده على الحقائق الشرقية التي تلائم فطرته الغربية ،ولم يمل إلى التصوف العجمي قط . وكان يعلم أن أشعار حافظ تفسر في المشرق تفسيراً صوفياً ، ولكنه لم يكلف إلا بالغزل محضاً ، ولم يهتم بالتفسير الصوفي في كلام حافظ أي اهتمام . وكانت معارف مولانا الرُّومي وحقائقه الفلسفية مبهمة عنده . لا يمكن أن ينكر الرومي رجل مدح اسبنوزا ( فيلسوف هولندي كان يقول بوحدة الوجود ) وأعمل قلمه في الدفاع عن برونو (فيلسوف إيطالي وجودي ) (5) .

والخلاصة أن جوته في الديوان المغربي اجتهد في إظهار الروح العجمية في الأدب الألماني . 

وقد أكمل الأثر الشرقي الذي بدأ في ديوان جوته الشعراء الذين جاؤوا بعده: 

بلاتن ، و روكرت ، وبودن ستات . 

فأما بلاتن ؛ فقد تعلم الفارسية لمقاصد أدبية ، ونظم غزلاً في القافية المردوفة ، بل في العروض الفارسي ، ونظم رباعيات ، ونظم قصيدة في نبوليون . واستعمل الاستعارات الفارسية بغير تكلف ، مثل جوته :عروس الورد ، والطرة المسكية ،وشقائق العذار . وهو مولع بالتغزُّل المحض كذلك. 

وأما روكرت ؛ فكان ماهراً في الألسنة الثلاثة : العربية ، والفارسية ،و السنسكريتية . وكان لفلسفة الرومي مكانة عظيمة في رأيه . وتأثير مولى الروم فيما كتب من غزلٍ كان أوضح ، وكانت مصادره من الأشعار الشرقية أوسع بما عرف من لغات الشرق . 

وقد التقط لآلئ الحكمة من مخزن الأسرار لنظامي ، وبهارستان جامي ، وكليات أمير خسرو ، وكلستان سعدي ، ومناقب العارفين ، وعيار دانش ، ومنطق الطير ، وهفت قلزم . بل زين كلامه بقصص وروايات إيرانية ترجع إلى ما قبل الإسلام . وقد أحسن نظم بعض واقعات التاريخ الإسلامي وأشخاصه مثل موت محمود الغزنوي ، وغزو محمود سومنات ، و السلطانة رضية (6) و موضوعات أخرى .

و أكثر شعراء الأسلوب الشرقي قبولاً بعد جوته :بودن ستات ؛ الذي نشر منظومات بالاسم المستعار (مرزا شفيع) وقد لقيت هذه المجموعة الصغيرة من القبول ما اقتضى طبعها مئة وأربعين مرة في مدة قصيرة . أحسن هذا الشاعر تصوير الروح العجمية حتى بقي الناس في ألمانيا زمناً طويلاً يحسبون أشعار مرزا شفيع ترجمة شعر فارسي . 

وقد استفاد بودن ستات من أمير معزي ، وأنوري كذلك . 

ولم أرد أن أذكر في هذا الصدد هاينا معاصر جوته المشهور ، إذ لم يكن في الجملة ذا صلة بالتأثير الشرقي ، ولم يهتم بما اقتبس شعراء ألمانيا من الشعر الشرقي إلا ديوان جوته ، على أن الأثر العجمي بين في مجموعته المسماة (الأشعار الجديدة) وقد أجاد جداً في نظم قصة محمود ، والفردوسي ، ولكن قلب هذا الشاعر الألماني الحر لم يستطع الإفلات من شرك سحر العجم ، حتى لقد تصور نفسه مرة شاعراً إيرانياً اُجلي إلى ألمانيا يقول : 

((يا فردوسي ! يا جامي ! يا سعدي! إنَّ أخاكم في سجن الغم يخفق حنيناً إلى أزهار شيراز )) . 

ثم نذكر من مقلدي حافظ الأدنين منزلة : دومر ، هرمن ستال لوشكي ، ستابك ، لتز، لنث هولد ، وفون شاك ، وهذا الأخير كان ذا منزلة عالية في العلم ، ونظمه قصة إنصاف محمود الغزنوي ،وقصة هاروت وماروت مشهور ، وأوضح الآثار في كلامه : أثر عمر الخيام . 

وبعد فلا بد من بحثٍ طويلٍ لكتابة تاريخ كامل لتأثير الشرق في الأدب الألماني ، والمقابلة بين شعراء إيران وألمانيا ، لتقدير أثر العجم تقديراً حقاً ، ولكن لم يتيسر الوقت ، ولا العدة لهذا البحث . ولعل هذا البحث المختصر يثير قلب أحد الشبان للتحقيق والتدقيق في هذا الشأن . 

و أما (ﭘيام مشرق) الذي كتب بعد (الديوان الغربي) بمئة سنة فلست في حاجة إلى الإبانة عنه .فسيرى الناظرون فيه بأنفسهم أن أكثر ما يرمي إليه هو النظر في الحقائق الأخلاقية ، والدينية ، و المذهبية ، التي تتصل بالتربية الباطنية في الأفراد والأمم . ولا ريب أن بين ألمانيا قبل مئة سنة وأحوال الشرق الحاضرة تشابهاً ما ، ولكن الحقيقة أن الاضطراب الباطن في أمم العالم - الذي لا نستطيع تقدير خطره لأننا متأثرون به - هو مقدمة انقلاب حضاري وروحاني عظيم جداً . 

كانت الحرب العظمى التي قامت في أوربة قيامة كادت تمحو نظام العالم القديم من كل جوانبه . وأن الفطرة لتخلق اليوم في أعماق الحياة من رماد الحضارة والثقافة إنساناً جديداً وتخلق عالماً جديداً لإقامة هذا الإنسان . عالماً يرى هيكله غير البين في مؤلفات آين شتاين ، وبركسون . 

لقد رأت أوربة بعينيها النتائج المخوفة لمثلها الاقتصادية ، والأخلاقية ، والعلمية . وسمعت من سنيور نيتي (الذي كان رئيس وزراء إيطالية) قصة (انحطاط الفرنج) المحزنة ، ولكن وا أسفاه لم يستطع عبَّاد القديم الذين سمعوا حقائقه أن يقدروا الانقلاب المدهش الذي كان يثور في الضمير الإنساني . 

وإذا نظرنا نظرة أدبية خالصة نرى أن اضمحلال قوى الإنسان بعد الحرب لا ييسر نشوء مُثُلٍ روحية صحيحة ناضجة . بل يخشى أن تغلب على طبائع الناس هذه الإباحية المنهوكة الضعيفة الأعصاب التي تفرُّ من مصاعب الحياة ، و التي لا تميز بين نزعات القلب ، وأفكار العقل . لا شك أن أمريكا عنصر صحيح في الحضارة الغربية ، فلعلَّ هذا الإقليم خالص من قيود الروايات القديمة ، ولعلَّ وجدانه الاجتماعي يقبل راضياً الأفكار والنزعات الجديدة . 

إنَّ الشرق ،ولا سيما الشرق الإسلامي ، يفتح عينيه بعد نوم القرون المتطاولة . ولكن يجب على أمم الشرق أن تتبيَّن أن الحياة لا تستطيع أن تُبدِّل ما حولها حتى يكون تبدُّلٌ في أعماقها ، وأن عالماً جديداً لا يستطيع أن يتخذ وجوده الخارجي حتى يوجد في ضمائر الناس قبلاً. هذا قانون الفطرة الثابت الذي بينه القرآن في كلمات يسيرة وبليغة : { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (7) .  

إنه قانونٌ يجمع جانبي الحياة كليهما الفردي والاجتماعي . وقد اجتهدت في كتبي الفارسية أن أبين للناس صدقه ، وأنه لجدير بالإكبار كلُّ مسعىً في العالم -ولا سيما في بلاد الشرق- يقصد إلى أن يرفع أنظار الأفراد والجماعات فوق الحدود الجغرافية ، فيولد أو يجدد فيها سيرة إنسانية صحيحة قوية . 

وأختم بالثناء على صديقي جودهري محمد حسين . ام .اي ، فقد رتَّب مُسوَّدات (ﭘيام مشرق) للطبع . ولولا احتماله هذه المشقة لكان عسى أن يتأخر نشر هذه المجموعة مدة طويلة . (إقبال). 

(1) البقرة: 115 ] . 

 (2) التعريف بمحتوى الديوان مذكور بالصفحة الأساسية للشاعر . 

 (3) كتب محمد إقبال هذه المقدمة باللغة الأوردية ، ونقلها إلى العربية أثناء ترجمة الديوان الدكتور عبد الوهاب عزام . 

(4) لا تصح رواية التقاء حافظ وتيمور فقد نوفي الشاعر قبل أن يفتح تيمور شيراز . 

(5) يعني أن الرومي كان من القائلين بوحدة الوجود ، فلو عرفه جوته لعني به ،كما عني بهذين الفيلسوفين 

(6) من دولة المماليك التي قامت في دهلي . 

(7) [الرعد: 11] .

البحور (12)

الوافر
الخفيف
الطويل
المتقارب
الرمل
المنسرح
المجتث
الرجز
الكامل
البسيط
الهزج
المديد

القوافي (17)

د
ع
ت
ر
م
ل
ق
ن
ب
ي
س
ى
ك
ء
ه
ح
أ

القصائد (124)