غَنيتُ بالحكمة القُصوى مِن الرتبِ
الأبيات 44
غَنيـتُ بالحكمـة القُصوى مِن الرتبِ وَسـدتُ بالنسـبة العليـا مِن الأَدبِ
وَصــانَني شــَرفٌ مِــن همـتي وَعُلا نَفسـي فَمـا لـيَ غَير الجَد من أَرَب
ضـممتُ عـزةَ مَجـدِ الـترك فـي شَممٍ إِلـى فَصـاحة حسـن المَنطق العربي
وَصـُنتُ نَفسـاً كَنصـل السـَيف رائِعةً فـي غمـد حلـمٍ وَجـاشٍ غَيـرِ مضطرب
فَمــا تلــوّنتُ فـي صـَفو وَلا كـدر وَلا تبــذّلتُ بَيــن الجَـد وَاللَعـب
وَلا ترفعــت عَــن خِــلٍّ وَذي ثقــة وَلا انحططــت لــذي جـاه وَلا حَسـَب
أَعيـش حـرّاً عَفيـف الـذيل سـاحبه مَـع الفَخـار وَعَبـد الأُخـوة النجب
وَأَتقــي شـمم المَـولى فَأحـذر أَن أَدنـو فَيبصـر عِنـدي ذلـة الطَلَـب
أَخشـى إِذا راقَني مِنهُ الرضا زَمناً أن لسـت دافعـه فـي ثَـورة الغَضَب
وَقَــد عَلمــت بِـأَن العـز ممتنـعٌ إِلا بــذلٍّ يــرد الحــرّ فـي حَـرب
أَقنَعـتُ نَفسـي بِحـال لَيس تَنزل بي أسّ الحَضـيض وَلا تَعلـو إِلـى الشُهب
وَمــا يضـرك أَن تحيـي عَلـى شـَرَف وَلَســتَ كَلّاً عَلــى جــاهٍ وَلا نَســَب
لا تُـذهلنَّك حاجـاتُ الحيـاة عَن ال جــدِّ الأبــيّ وَمجــد غَيـر مكتسـب
فَمـا الحَيـاة سـِوى شـَيء سـتتركه لتــاركٍ أَو لصــرفٍ غَيــر مرتقـب
أَبيــتُ أَطمَــح فـي فـرح بلا حـزن أَو راحــة تتجلَّــى لــي بلا تعـب
فَمـا أَبيـت أَهـاب الـدَهر مرتجفاً أَخشـى العَـوادي وَأَبكي سوء منقلب
وَلا أَخــاف يَــداً للخطــب عابسـةً إِن السـَلامة بـاب الـروع وَالعطـب
فَيـا زَمـانيَ إِنـي عَنـكَ فـي شـغلٍ وَأَنــتَ مشــتغل عَنــي بكـل غَـبي
هَيهــات أَهجــر صمصـاماً وَضـابحة وَلا أَمـــلّ مـــن الآداب وَالكتــب
وَمـا ثنـانيَ عَـن سُمرِ الطوال وَلا سـود القصـار كمال العارف الدَرِب
وَمــا صــَبَوت لــذي دلٍّ وَلا سـلبت لـبي ملاحـات ربـات البَهـا العُرُبِ
وَلا افتتنـت عـن العَليـا بغانيـة وَلا ذللــت لســاقي ابنـة العنـب
وَإِنَّمـــا حبــبي درّ الكَلام وفــي حـان المَفاخر من ضرب الثَنا طربي
وَمــا تَعــوّدت إلا حكمــة وَنُهــى إِذا صـبا الغَيـر ردّتني عَن الوَصب
حسبي من الدَهر أن أَصبو فتحمد لي فكاهــة وَجنــاني إِذ يَجـور أَبـي
وَمــا علـيّ إِذا لَـم يَشـكُني بطـلٌ حـرّ السـَجايا وَيَخشـاني أَخـو حَرب
هـذبت نَفسـي فَلـم تحـذر مصادقتي وَلا يَخــاف عــدوّي إِن يَغـب كـذبي
قَد تبت عَن كُل ذَنب في الزَمان سِوى عرفـان نَفسـي فَـإِني عَنـهُ لَم أَتُب
فَيا أَخا الرَأي دَعني عَن منى وَجوى فَـأَيّ عَيـش إِذا مـا اخترت لَم يَطب
فَـادفع عَن الحَزم دَهراً غَير مكترث وَاتـرك عَـواديه رهـواً غَير مكترب
وَلا تبــت لَيلــة فـي فكـرة لغـد إِن الحَقـائق دون السـتر فـي حجب
وَلا تــرجّ سـِوى الـديان وَارضَ بِـهِ ربـاً تَغيـب الخَـوافي وَهوَ لَم يَغب
وَاشـرف بِنفسك وَاترك ما سِواك تَرى وَجه الفَراغ انجلى بالمنظر العجب
وَكِـلْ أُمـورَك للمقـدور وامـش بِـهِ مَشـي البذيـخ الَّذي يَمشي عَلى صبب
وَلا تعالـج معـالي الدَهر إِن عقدت كـفُّ الزَمـان رؤس النـاس بِالـذَنب
إِنــي أَجبتـك لَـو تَـدعو لصـالحة إِلا المحــرّم إِنـي عَنـهُ فـي رَجَـب
نَفسـي فِـداء صـَديقي حيـنَ يُنكـره غَيــر وَأَعرفـه فـي نَوبـة النـوب
فَمــا أَضـعت صـَديقاً ظَـلَّ يَحفظنـي وَلا ضــحكت لَــدى وَلهــان مكـتئب
وَلا اتخــذت خَــديني بَيـت مطمعـة وَلــم أَدان عَلــى دَخــل وَأَقـترب
وَلا جَعَلــت خَليلــي طعمــة لظُبَـى ختـلٍ فَـأَقتلَه حرصـاً عَلـى السـَلب
وَمـا نَظرت إِلى العرض المَصون وَفي قَلـبي إِلَيـهِ طمـوحُ الفاجر الرَغب
وَمـا نظمـت قَـوافي الشعر أَجعلها وَسـيلة النَفـس أَو جرثومـة النَسب
فَـابلغ أُخَـيّ بني الدُنيا وَساكنها وَكُــلَّ ذي وَطَــن مِنهــا وَمغــترب
وَاكتـب عَلى الدَهر آثاراً محاسنُها تَبقـى فَتُتلـى عَـن الإِعصار وَالحقب
حسن حسني الطويراني
1408 قصيدة
1 ديوان

حسن حسني باشا بن حسين عارف الطويراني.

شاعر منشئ، تركي الأصل مستعرب، ولد ونشأ بالقاهرة وجال في بلاد إفريقية وآسية، وأقام بالقسطنطينية إلى أن توفي، كان أبي النفس بعيداً عن التزلف للكبراء، في خلقته دمامة، وكان يجيد الشعر والإنشاء باللغتين العربية والتركية، وله في الأولى نحو ستين مصنفاً، وفي الثانية نحو عشرة. وأكثر كتبه مقالات وسوانح. ونظم ستة دواوين عربية، وديوانين تركيين. وأنشأ مجلة (الإنسان) بالعربية، ثم حولها إلى جريدة فعاشت خمسة أعوام. وفي شعره جودة وحكمة.

من مؤلفاته: (من ثمرات الحياة) مجلدان، كله من منظومة، و(النشر الزهري-ط) مجموعة مقالات له.

1897م-
1315هـ-