أطوف على ذاتي بكاسات خمرتي
الأبيات 125
أطـوف علـى ذاتـي بكاسـات خمرتـي وأسـتمع الألحـان فـي حـان حضـرتي
وأنفــخ مزمــاري وأصــغي لصـوته وأضــرب دفــي حيـن ترقـص قينـتي
وأنشــق مـن روضـي نسـيم حقـائقي ويســرح طرفـي فـي حـدائق نشـأتي
وعنــدي إلـى رؤيـا جمـالي تشـوق كــثير ومـا عشـقي لغيـر حقيقـتي
ويـالهف أحشـاءي علـى حسـني الذي فـؤادي بـه صـب ويـا فـرط لوعـتي
أحـن إلـى ذاتـي صباحاً وفي المسا وغايـة قصـدي فـي العـوالم رؤيتي
وقـد وعـدتني اليـوم نفسي بوصلها غــداً فمــتى منـي تقـوم قيـامتي
وأرفــع عـن وجهـي خمـاري مجـرداً ثيــابي عـن ذاتـي وأهتـك سـترتي
أبــى الحــب إلا أن أكـون مولهـاً بقلــب علــى طـول النـوى متفتـت
وشـــوق كــثيرٌ واصــطبار ممنــع وســـقم وأشـــجان علــي شــديدة
وإنــي لأرجـو مـن حقيقـتي اللقـا وأطلــب منهــا أن أفــوز بنظـرة
فلا عجــب أن بحــت بالسـر للـورى وعربـدت فـي هـذا الوجـود بسكرتي
وتهــت بمحبــوبي علـى كـل ناسـك وغبـت عـن الأكـوان بـل عـن هويتي
وعنــدي انتظـار كـل يـوم وليلـة إلـى رؤيـتي بـل كـل وقـت وسـاعة
ومــا أنــا إلا مـن أحـب وإن مـن أحــب أنــا مـن غيـر شـك وشـبهة
أردت ظهـوري لـي ومـا كنـت خافياً فطـورت فـي الأطـوار مـن كـل صورة
وقـد كنـت قـدماً في عمى ليس فوقه ولا تحتــه أيضــاً هــواء بوحــدة
وللقلــم الأعلـى تنزلـت مـن يـدي وللــوح حــتى للــذوات الكـثيرة
وقـد كنـت عرشـي واسـتويت علي من قـديم زمـاني فـي الوجـود برحمتي
ومنـه إلـى الكرسـي تنزلت بل إلى ســمواتي السـبع الطبـاق العليـة
وطــورت أملاكـي فلـي كنـت عابـداً وطــورت أفلا كــي فـدارت بقـدرتي
وعـدت نجومـا مشـرقات علـى الورى أزيــد ضــياء فــي ظلام الدجنــة
وطــورت شمسـاً فـي طلـوع نهـاركم ومـا الليـل إلا مـن نتـائج غيبتي
وصــرت هلالاً تحســبون الشـهور بـي وأجلـو عليكـم ضـوء شـمس الظهيرة
وقــد صـرت أيامـاً لكـم ولياليـاً ودهـــراً وســاعات وكــل دقيقــة
وطـورت شـكل الجان في الأرض قبلكم وجئت لهـــم رســـلاً لإبلاغ حجـــتي
وقــد كنـت تكـذيباً لرسـلي منهـم فصــرت لهــم أوفــى هلاك ونقمــة
وفـي كـل أطـوار الشـياطين بينكم ظهـــرت بوســواس لأصــحاب شــقوة
وطـورت فـي شـكل العناصـر ثـم في مواليـدها فـي الأرض تلـك الثلاثـة
ففـي معـدن طـوراً وطـوراً ظهرت في نبــات وحيــوان لتتميــم حكمـتي
وكنـت رياحـاً مـن شـمال ومـن صبا أهــب فــأروى عــن حـديث الأحبـة
وكنـت بحـاراً زاخـرات علـى المدى تفيــض فتبــدي موجـة بعـد موجـة
وطــورت أرضــا ثـم صـرت جبالهـا لإرســائها فـوق البحـار المحيطـة
وإنـي علـى مـا كنـت فيه ولم أزل ولـي رتبـة التنزيـه أرفـع رتبـة
ومــا كــثرة الأطـوار منـي غيـرت صـــفاتي ولا ذاتــي ولا قــدر ذرة
وهـل أنـت فـي تخييـل ذاتك باطناً تغيــرت عمــا كنـت فـي كـل مـرة
فيجلـو عليك الفكر ما قد أردت من زخــارف أشــباح هنــا مســتحيلة
وذاك كهــذا غيـر أن الخيـال مـع تخيلـه فـي الغيـر لا فـي الهويـة
ومــا هــي إلا أنـت لا شـيء ههنـا ســواك فحقــق سـر تلـك الحقيقـة
وإيــاك والتشـبيه فـي كـل موضـع تـوهمت فيـه الغيـر وافطـن للبسة
وخـذ كـل مـا ألقـى عليـك منزهـاً ولا تخــش عـاراً إن فهمـت إشـارتي
وهـذا الـذي قـد قلتـه كلـه أنـا ظهــرت بــه لـي قاصـداً لنصـيحتي
ولمـا انقضـت أطـوار ذاتي بمقتضى صـفاتي وأسـماءي العظـام الجليلة
وتـم التباسـي بالـذي أنـا مظهـر لــه مــن شـخوص فصـلتها إرادتـي
وسـويت جسـم الكـل بـي فهـو قابل لروحــي وتفصـيلي اسـتعد لجملـتي
جمعــت مــن الأشــياء طينــة آدم ومنهـا إلـى الكـل الرقـائق مـدت
وخمرتهــا حــتى تناســق نشــؤها وســويتها حــتى لنفخــي اسـتعدت
ولمـا اسـتتم الأمـر واستكمل الذي أردت مــن الأجمــال فـي البشـرية
ففـي تلـك مـن روحي نفخت وقد سرت نسـائم أمـري فـي ريـاض الطبيعـة
فقمــت ســميعاً باصــراً متكلمــاً مريــداً عليمــاً ذا حيـاة وقـدرة
فلـم يبـد منـي غيـر مـا هو كائن لــدي وبــي منــي علــى حكومـتي
فكنــت كمــاء لــونه مـن إنـائه وكالشــمس تبـدي خضـرة بالزجاجـة
وأســجدت أملاكــي بـأمري لمظهـري فكــان ســجودي لــي وآدم قبلـتي
ولمــا أبــى إبليــس عـن تكـبراً ولـم يـأت لـي من بعد أمري بسجدة
عـن الملا الأعلـى لـه كنـت مخرجـاً وآب بخســــران وطـــرد ولعنـــة
وأســكنته فـي الأرض أظهـر كامنـاً بـه مـن شـقا أصـحاب قبضـة يسرتي
وأظهــرت فــي ذاك الملا فضـل آدم وأنزلتــه أعلــى مقــام بجنــتي
وأخرجـت حـوا منـه فهـي لـه كمـا هـو الآن لـي مـن حيث وصفي وصورتي
وعــن بعــض أشـجار هنـاك نهيتـه ولـي كـان منـي النهي عني لحكمتي
ولمـا اقتضى فعلي لما كنت عنه قد نهيــت كمــال الصــورة الآدميــة
أتيـــت بأقســام إلــي موسوســاً وأوقعــت نفسـي فـي غـرور وغفلـة
وذقــت كمــا ذاق العـدو تباعـدي ومـا الأكل إلا الفرق والجمع توبتي
وقــد لاح عصـياني علـي ومـذ بـدت طفقـــت بــأوراق أخصــف ســوءتي
ومـن بعـد ذا أهبطـت للأرض هيكلـي وكنـت بهـا فـي العـالمين خليفتي
وســخرت لــي كـل الوجـود تفضـلاً علــى صـورتي منـي وأتممـت منـتي
وعرفــت مـا بينـي وبينـي كلاهمـا علــى عرفــات بعـد طـول التشـتت
فكـان نكـاح الأمر في الخلق ظاهراً بنـا فـي كلا الشخصين قبل النتيجة
وأظهـرت مـن صـلبي جميـع مظـاهري بصـــورة ذر للعهـــود الوثيقــة
وأشــهدتهم عنــي ألســت بربكــم فقــالوا بلـى طـراً بنفـس مطيعـة
وأوهمتهــم غيــراً فـأنكر بعضـهم وأوفــي بعهـدي بعضـهم مـع لبسـة
وأول أطـــواري الكــاومن أننــي لآدم شـــيئاً كنــت وهــو عطيــتي
وطــورت نوحــاً جـاء ينـذر قـومه وكنـت لـه التكـذيب منهـم ببعثتي
وألفـاً سـوى خمسـين عاماً لبثت في جمـاعتهم أبغـي لهـم نشـر دعـوتي
وهـم يعبـدون الغيـر بل يعبدونني ولا غيــر لكـن وهمهـم هـو سـترتي
ولمـا أبـو واسـتكبروا كافرين بي دعــوت عليهــم واسـتجبت لـدعوتي
وأرسـلت طوفانـاً عليهـم فـأغرقوا ولـم ينـج إلا مـن معـي في سفينتي
وطـورت إدريسـاً ولـي كنـت رافعـاً مكانــاً عليّــاً فــي أجـل مكانـة
وطــورت إبراهيـم يـدعو إلـيَّ بـي علـــى قـــومه آتيتــه أي حجــة
ومـذ قـال ذا ربـي لـه كنت كوكباً كــذا قمـراً أيضـاً وشمسـاً بوجهـة
ولا فــرق إلا بــالأفول ألــم تكـن إذا لا أحـــب الآفليـــن مقــالتي
كمــا قلـت سـموهم لقـوم تعلقـوا بمــا قيَّـد الإمكـان مـن مطلقيـتي
وجئت إلـى النمـرود أدعـوه للهدى فلـم يمتثـل حـتى ثـوى بالبعوضـة
وأضــرم لـي نـاراً وأرسـلني بهـا فعــادت بــأمري لــي علـي كجنـة
وقـد كنـت منـي طالبـاً أننـي أرى لحــق يقينــي كيـف إحيـاء ميتـة
فجــاء جــوابي لـي بأربعـة فخـذ مـن الطير واجعل في العلا كل قطعة
ونــاديهمُ يـأتين سـعياً وبعـد ذا فكــن عالمــاً لا شـيء إلا بقـدرتي
وطــورت إسـماعيل لمـا بلغـت مـع أبـي السـعي ذبحـي قد رأيت بنومة
ونــاديت لمــا أسـلما حيـن تلَّـه أصـدّقت حـتى كـان بـالكبش فـديتي
وطــورت إسـحق الغيـور ولـم تكـن علـى غيـر تحريـم الفـواحش غيرتي
وطــورت يعقوبــاً بليــت بيوســف وأســلمني حــبي لــه كــل محنـة
وفرقــت مـا بينـي زمانـاً وبينـه وواأسـفى نـاديت مـن طـول فرقـتي
وعينـاي مـن حـزن قـد ابيضّتا وقد مننـت بجمـع الشـمل بعـد التشـتت
ويوســـف قــد طــورت زاد ملاحــة بـوجه سـبى كـل الوجـوه المليحـة
وبــالثمن البخـس اشـتراني مشـتر وفـي الجب ألقتني من الكيد إخوتي
وقـد عشـقت حسـنى زليخـاء والهوى أضــر بهــا حــتى هممــت وهمــت
وطــورت هــوداً كـان يشـهد قـومه علــى أنـه مـن شـركهم ذو بـراءة
ولوطـاً لقـد طـورت أيضـاً وصـالحاً أتيــت إلــى قــومي لإبلاغ دعـوتي
فزاغـوا وعـن أمـري عتوا وتكبروا وقــد عقـروا لمـا عصـوني نـاقتي
وطـورت موسـى ضـارب البحر بالعصا وقــد شــق حـتى قـومه فيـه مـرّت
وآنــس نــاراً مــن جـوانب طـوره فـرام ليـأتي الأهـل منهـا بجـذوة
فنـال الهـدى فـي شـكل مقصده وقد تجلــى لــه مــن مظهــر الأحديـة
وقــد حــاز منــه رؤيـة بسـؤاله ولكنهــا الأطــواد بالصــعق دكـت
وعيســى لقـد طـورت يـبرئ أكمهـاً وأبــرص والأمــوات يحيــي بـدعوة
وأرسـلت روحـي طبـق مـا هو عادتي إلـى الأم حـتى كـان مظهـر نفخـتي
وأظهـرت مـا قد كان في الأب مضمراً وبينـــت للأقــوام ســر الأمومــة
فضـلوا وزاغـوا عـن مثـال ضـربته لفهــم علـوم فـي الوجـود دقيقـة
وقـالوا بـأني قـد غـدوت لـه أباً وقـد خـص مـن دون الـورى ببنـوتي
وأيـن الوجـودان اللـذان تباينـا ومـــا عـــزُّ خلاق كـــذلِّ خليقــة
ومـن بعـد هـذا جئت في طور كل ما مضــى مــن رســول أونــبيٍّ لأمــة
وأصــبحت فــي شـكل النـبي محمـد إلـى الله أدعو الناس في أرض مكة
فــآذتني الأقـوام بغيـاً وحـاولوا بــأفواههم إطفــاء نـور النبـوة
وأظهــرت ديـن الحـق بعـد خفـائه فأصــبحت الكفـار فـي سـوء حالـة
ونكسـت أصـنام الضـلال وفـي الورى أزلـت ظلام الظلـم مـن فـرط سطوتي
وطــورت أصــحاباً ومـن هـو تـابع لهـم بالهـدى مثـل الكـرام الأئمة
ومـن بعـد ذا مـا زلت أظهر دائماً علــى أمـد الأزمـان فـي كـل هيئة
وطــورت أهــوال القيامـة والـذي يكـون غـداً فـي يـوم عرض الخليقة
وإيـاك مـن قـولي بـأن تفهم الذي تــدين بـه الكفـار بيـن البريـة
فــإني بريـء مـن حلـولٍ رمـت بـه عقــول تغــذت بـالظنون الخبيثـة
ومــا بـانحلال واتحـاد أديـن فـي حيــاتي وإن دانتهمــا شــرُّ أمـة
وكــل الــذي أبـديته لـك ناظمـاً فَمِـنْ فـوق أطـوار العقول السليمة
فـإن كنـت من أهل المعارف لم تلم لأنـــك تلقـــاه بنفـــس تزكـــت
وإن كنـت مطمـوس البصـيرة جامـداً علـى مـا تـرى مـن صورة بعد صورة
فإنــك معــذور بقلــة فهــم مـا أقــول لضـعف فـي قـواك الكليلـة
فواظب على التنزيه وادأب عليه لا تكــن مــن أنــاس بالتشـبه ضـلت
ودع عنــك تجسـيماً ولا تَـكُ جـاهلاً بأوصـاف مـن أبـداك فـي كـل حالة
عبد الغني النابلسي
977 قصيدة
1 ديوان

عبد الغني النابلسي.

شاعر عالم بالدين والأدب مكثر من التصنيف، تصوف ولد ونشأ في دمشق ورحل إلى بغداد وعاد إلى سوريا وتنقل في فلسطين ولبنان وسافر إلى مصر والحجاز واستقر في دمشق وتوفي فيها.

له مصنفات كثيرة جداً منها: (الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية - ط) و(تعطير الأنام في تعبير الأنام -ط) و(ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الأَحاديث -ط)، و(علم الفلاحة - ط)، و(قلائد المرجان في عقائد أهل الإيمان - خ)، و(ديوان الدواوين - خ) مجموع شعره وله عدة دواوين.

1730م-
1143هـ-

قصائد أخرى لعبد الغني النابلسي

عبد الغني النابلسي
عبد الغني النابلسي

الموال أورده الجبرتي في ترجمة النابلسي في جملة ما أورده من مواويله ص 266 وهو آخر ما أورده من شعره. وقد تضمن الموال أسماء ثماني سور من سور القرآن هي (فصّلت، عم يتساءلون، الإنسان، الليل، النجم الرحمن تبارك الواقعة)

عبد الغني النابلسي
عبد الغني النابلسي

الموال أورده الجبرتي في جملة مواويل عبد الغني ووقع في الأصل المطبوع (ص 266) أغلاط مطبعية صححتها هنا فمن ذلك (عراشلناك) هكذا وردت، و (النجاتي) تصحيف البخاتي وهي البغال البختية، وقوله (وما رحنا) في المطبوعة (وما رحلنا) وقد رجحت لهجة أهل الشام وهو

عبد الغني النابلسي
عبد الغني النابلسي

القطعة أوردها الجبرتي في "عجائب الآثار" في ترجمة النابلسي (ج1/ 264) في جملة ما أورده من شعره في فنون البديع، والقطعة في فن من فنون البديع يسمى "تجاهل العارف" 

عبد الغني النابلسي
عبد الغني النابلسي

القطعة أوردها الجبرتي في "عجائب الآثار" في ترجمة النابلسي (ج1/ 264) في جملة ما أورده من شعره في فنون البديع، والقطعة في فن من فنون البديع يسمى "إرسال المثل"