ليت شعري هل دروا أي قلب ملكوا
ثم فصل ذلك في مقدمة شرح الديوان الذي سماه (ذخائر الأعلاق) وأنقل منه هذه القطعة لأهميتها: (الحمد لله الحسن الفعال، الذي يحب الجمال، خلق العالم في أكمل صورة، وزيَّنه، وأدرج فيه حكمته الغيبية عندما كوّنه ... وصلى الله على المتجلي إليه في احسن صورة، والمبعوث في أكمل شريعة وأحسن سيرة، محمد بن عبد الله المكلم بالمقام العلي، والمخصوص بالكمال الكلي والتنيل الوفي، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر الأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولا بنفسه، مشغوفا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم ، نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصفهاني رحمه الله تعالى، وأخته المسنة العالمة شيخة الحجاز فخر النساء بنت رستم. فأما الشيخ فسمعنا عليه كتاب أبي عيسى الترمذي في الحديث وكثيرا من الأجزاء، في جماعة من الفضلاء كان يغلب عليهم الأدب، فكان جليسهم في بستان، وكان رحمه الله تعالى طريف المحاروة لطيف المؤانسة، ظريف المجالسة، يمتع الجليس ويؤانس الأنيس، وكان له رضي الله عنه شأن يغنيه، فلا يتكلم إلا فيما يعنيه) ثم حكى خبر استجازته من اخته فخر النساء وإجازتها له، ثم قال: وكتبت إليه من قصيدة عملتها فيه قولي:
سمعت الترمذي على المكين إمام الناس في البلد الأمين
وكان لهذا الشيخ، ، بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المَحاضر والمُحاضر وتحير المناظر، تسمي بالنظام وتلقب بعين الشمس والبها، من العابدات العالميات السايحات الزاهدات شيخة الحرمين، وسريّة البلد الأمين الاعظم بلا مّيْن، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وان أوجزت أعجزت، وان أفصحت أوضحت. أن نطقت خرس قس بن ساعدة، وأن كرمت خنس معن بن زائدة، وأن وفت قصر السموأل خطاه، وأغري بظهر الغري وامتطاه. ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض، السيئة الاغراض، لأخذت في شرح ما أودع الله تعالي في خلقها من الحسن، وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقة مختومة، واسطة عقد منظومة. يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم، عالية الهمم، سيدة واديها، وشريفة ناديها، مسكنها جياد = من احياء مكة= وبيتها من العين السواد، ومن الصدر الفؤاد، اشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه، فنمت أعراف المعارف، بما تحمله من الرقائق واللطائف.... عليها مسحة ملَك وهمة ملِك، فراعينا في صحبتها كريم ذاتها، مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد، بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق، ولم ابغ في ذلك بعض ما تجده النفس، ويثيره الأنس، من كريم ودها، وقديم عهدها، ولطافة معناها، وطهارة مغناها، إذ هي السؤال والمامول والعذراء البتول، ولكن نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق، من تلك الذخائر والأعلاق، فأعربت عن نفس تواقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة، اهتماما بالأمر القديم، وإيثارا لمجلسها الكريم. فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار اندبها فدارها أعني.
ولم أزل فيما نظمته من هذا الجزء على الإيماءات إلى الواردات الإلهية، والتنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، جريا على طريقتنا المثلى.)
وبالرغم من أن كل قصائد الديوان هي في التغزل بنظام الأصبهانية، يجدر ان نشير إلى بعض القصائد، كالقطعة التي يقول فيها:
أَحَبُّ بِلادِ اللَهِ لي بَعدَ طَيبَةٍ وَمَكَّةَ وَالأَقصى مَدينَةُ بَغدانِ