أظنك خبرت أني امرؤ أبر الرجال بشعري احتسابا
وقوله:
على أنني رجل عاتب وعتبي أهدى إليك العتابا
ومن تأثره بالقرآن قوله 18 وران على قلبه رينه 30 لقد جئت شئا عجابا وفي مادة (الصقر) من كتاب (حياة الحيوان للدميري) قال: (قال شيخنا شمس الدين محمد بن العماد: (وأبو الصقر لم أقف له على ترجمة ولا وفاة وأبوه ابن عم معن بن زائدة الشيباني، وكان من قواد أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وتولى الأعمال الجليلة والولايات السنية، وتوفي قبل الثمانين ومائة. وكان يسكن البادية هو وولده أبو الصقر، وإليه الإشارة بقول ابن الرومي في البيت بين الضال والسلم وهما من شجر البادية. وتولى أبو الصقر بعض الولايات للواثق هارون بن المعتصم وولده المنتصر من بعده وعاش إلى خلافة المعتضد وولده المعتمد.
وسكنى البادية مما يتمدح به العرب ومنه قوله:
الموقدين بنجد نار بادية لا يحضرون وفقد العز في الحضر
ولم أر له أكثر من ذلك انتهى.
وقد ترجم له الصفدي في الوافي ترجمة مطولة أنقلها هنا لندرتها قال:
إسماعيل بن بلبل الشيباني أبو الصقر الكاتب
كان بليغاً كاتباً شاعراً أديباً كريماً جواداً ممدحاً. ولي الوزارة للمعتمد سنة خمس وستين ومائتين بعد وزارة الحسن بن مخلد الثانية، فبقي مدة يسيرة ثم عزل، ثم وليها ثانيةً سنة خمس وستين ومائتين في شوال، ثم عزل في شهر رمضان سنة ست وستين ونفي إلى بغداد، ثم أعيد إلى الوزارة نوبة ثالثةً حين قبض على صاعد بن الوزير ولقب بالشكور وذلك في ثالث عشر شهر رجب سنة اثنتين وسبعين ومائتين بواسط. وكان واسع النفس، وظيفته في كل يوم سبعون جدياً ومائة حمل ومائة رطل من سائر الحلوى، ولم يزل على وزارته إلى أن توفي الموفق أخو المعتمد وبعد موته بيومين لخمس ليالٍ بقين من صفر سنة ثمانٍ وسبعين ومائتين قبض أحمد بن الموفق الملقب بالمعتضد وعمه المعتمد هو الخليفة على أبي الصقر الوزير وكبله بالحديد وألبسه جبة صوف مغموسة بدبس وماء الأكارع وتركه في الشمس وعذبه بأنواع العذاب إلى أن هلك. وكانت وزارته الثالثة خمس سنين وسبعة أشهر واثنتين وعشرين يوماً. ولما مات رآه إبراهيم الحربي أو غيره من العلماء الصلحاء في منامه فقال له: ما فعل الله بك يا أبا الصقر؟ قال: غفر لي بما لقيت ولم يكن الله عز وجل ليجمع علي عذاب الدنيا والآخرة.
ولما قصد صاعد الوزير إسماعيل بن بلبل لزم داره، وكان له حمل قد قرب وضعه، فطلب منجماً يأخذ مولده فأتي به، فقال بعض من حضر: ها هنا أعرابي عائف ليس في الدنيا أحذق منه. فأحضره، فلما دخل قال له إسماعيل: تدري لماذا طلبناك؟ فقال: نعم. فأدار عينه في الدار فقال: لتسألني عن حمل. فقال: أي شيء هو؟ أذكر أو أنثى؟ فأدار عينه فقال: ذكر. فقال للمنجم: ما تقول في هذا؟ قال: هذا جهل! فبينا هم كذلك إذ طار زنبور على رأس إسماعيل، وغلام يذب عنه فقتله، فقام الأعرابي فقال: قتلت والله المتزنر ووليت مكانه ولي حق البشارة! وجعل يرقص وإسماعيل يسكنه. فبينا هم كذلك إذ وقعت الصيحة بخبر الولادة وقالوا: مولود ذكر. فسر إسماعيل بذلك لإصابة العائف، ووهبه شيئاً. وما مضى على ذلك إلا دون الشهر حتى استدعى الموفق إسماعيل وقلده الوزارة وسلم إليه صاعداً فكان يعذبه إلى أن قتله، ولما سلم إليه صاعد ذكر كلام العائف فأحضره وقال: أخبرني من أين علمت ما قتله لي ذلك اليوم وليس لك علم بالغيب؟ فقال:
نحن نتفاءل ونزجر، وأنت سألتني أولاً فتلمحت الدار فوقعت عيني على برادة عليها كيزان معلقة في أعلاها، فقلت: حمل ثم قلت لي: أذكر أم أنثى؟ فتلمحت فرأيت فوق البرادة عصفوراً ذكراً فقلت: ذكر، ثم طار الزنبور عليك وهو محضر، والنصارى يتحضرون بالزنانير، والزنبور عدو يريد أن يلسعك، وصاعد نصراني الأصل وهو عدوك، فزجرت أن الغلام لما قتله أنك ستقتله. فاستحسن ذلك ووهبه شيئاً صالحاً وصرفه.
قال أبو العباس ابن الفرات: كنت حاضر مجلس إسماعيل بن بلبل في وزارته وقد جلس مجلساً عاماً، فدخل إليه المتظلمون والناس على طبقاتهم فنظر في أمورهم، فما انصرف أحد منهم إلا بولاية أو صلةٍ أو قضاء حاجةٍ أو بر أو إنصاف من مظلمة أو توقيعٍ في مصلحة ضيعةٍ أو نظرٍ في خراج أو حالٍ يسره، وبقي رجل فقام إليه من آخر المجلس وسأله تسبيب إجارة ضيعة، فقال: إن الأمير يعني الموفق أمرني أن لا أسبب شيئاً إلا عن أمره، وأنا أكتب إليه في ذلك! فقال الرجل: متى تركني الوزير أو أخر حاجتي فسد حالي. فقال لأبي مروان عبد الملك بن محمد: اكتب حاجته في التذكرة التي تحضرني لتكون فيما أكاتب به الأمير! فولى الرجل غير بعيد، ثم رجع فقال: أيأذن لي الوزير في الكلام؟ فقال: قل! فأنشأ يقول من الخفيف:
ليس في كلّ دولةٍ وأوان تتهيّا صنائعُ الإحسانِ
وإذا أمكنَتْك يوماً من الده ر فبادِرْ بها صروف الزمان
وتشاغلْ بها ولاتَلْهُ عنها حَذَراً من تعذُّر الإمكان
قال: فقال لي: يا أبا العباس، اكتب لي بتسبيب إجارة ضيعته الساعة! وأمر هارون بن عمران الجهبذ أن يدفع إليه من يومه من ماله خمسمائة دينار. قال: فخرجت فكتبت له ذلك، وقبض المال من وقته. وأخباره في المكارم كثيرة. ومن شعره من السريع:
ما آن للمعشوق أن يَرحما قد أنحل الجسم وأبكي الدِّما
ووكَّل العينَ بتِسْهادها تَفْديه نفسي ظالماً حَكَما
وسُنّة المعشوق أن لا يرى في قتْل مَن يعشقه مأثما
لو راقب الله شفى غُلّتي والعدلُ أن يُبرِئ من أسقما
ومنه من السريع:
يا ذا الذي تكتب عيناه باللحظ ما لا يتهجّاهُ
إن كنتَ ذا جهل بحبّي فقد جهلت ما يعلمه اللهُ
وقال فيه ابن أبي فنن الشاعر من السريع:
قفْ يا أبا الصقر فكم طائرٍ خرّ صريعاً بعد تحليقِ
زُوِّجتَ نُعمى لم تكًنْ كُفْأها قَضى لها اللهُ بتطليقِ
وكلّ نُعمْى غيرُ مشكورة رهنُ زوالٍ بعد تمحيق
لا قُدِّسَتْ نُعْمى تسربلتَها كم حجّةٍ فيها لزِنديقِ؟!
وقد تقدم في ترجمة إبراهيم بن عيسى الزمن المدائني ما هجا به المذكور إسماعيل بن بلبل.
قال الدميري في حياة الحيوان أثناء كلامه على الصقر:
فائدة أخرى أدبية أيضاً قد تقدمت الإشارة إليها، في الرسالة التي كتبتها في الشاهين، قول أبي الحسن علي بن الرومي في قصيدته التي يقول فيها:
فمن مدائحه فيه ميميته التي يقول فيها
هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه من نسل شيبان بين الضال والسلم
كأنه الشمس في البرج المنيف به على البرية لا نار على علم
مراده بالبرج قصره العالي لما شبهه بالشمس جعل قصره برجاً وأراد التمليح على الخنساء
في قولها في أخيها صخر:
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
قال شيخنا شمس الدين محمد بن العماد: (وأبو الصقر لم أقف له على ترجمة ولا وفاة وأبوه ابن عم معن بن زائدة الشيباني، وكان من قواد أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وتولى الأعمال الجليلة والولايات السنية، وتوفي قبل الثمانين ومائة. وكان يسكن البادية هو وولده أبو الصقر، وإليه الإشارة بقول ابن الرومي في البيت بين الضال والسلم وهما من شجر البادية. وتولى أبو الصقر بعض الولايات للواثق هارون بن المعتصم وولده المنتصر من بعده وعاش إلى خلافة المعتضد وولده المعتمد.
وسكنى البادية مما يتمدح به العرب ومنه قوله:
الموقدين بنجد نار بادية لا يحضرون وفقد العز في الحضر
ولم أر له أكثر من ذلك انتهى.