بين اليأس والرجاء

القصيدة في الديوان بعنوان: (ألواح الحقائق) وجاء في مقدمتها:

ألقاها بنفسه في المنتدى الأدبي العربي في الآستانة بعد خطابٍ ممتعٍ في الحرب الطرابلسية. وهي تقرب من خمسمائة بيتٍ في ثمانيةٍ وثلاثين لوحًا تتضمن أهم الحوادث التاريخية من عهد الرسالة إلى زمن الإنشاد مع كثيرٍ من المغازي السياسية والاجتماعية والوطنية والقومية.

الأبيات 82
بيـــــن اليـــــأس والرجــــاء ...
هــي حينًــا يــأس وحينًــا رجـاءُ وفنـــاء طــورًا وطــورًا بقــاءُ
قــد تلــونتَ يــا زمــان علينـا فحنانيـــكِ أيهـــا الحربـــاء!
قَـــرَع الــدَّهر نابنــا وقرعنــا نحــنُ والــدَّهر لــو درى أكفـاء
موقـــف ترعــد الفَــرَائص فيــه وتبــــوخ القلـــوب والأحشـــاء
لـم ينـلْ مـن حصـاتنا الدَّهر لكن ألفــت غيــر كأســها الصــهباء
أيـن فـي القـوم مـن يخلـد ذكـرًا يملأ الصــحف مــن ســناه بهــاء
إن مَــن مـات فـي سـبيل المعـالي كفَّنتــــه بثوبهـــا العليـــاء
غســــلته الــــدموع وهـــي لآل أبَّنتْـــه الأشــعار وهــي ثنــاء
وحـــوتهُ مـــن القبـــور قلــوب ونعتــهُ فــي وكرهــا الورقــاء
ربّ رحمـــاك هــل يزمجــر رعــد وتـــروِّي وجــه الــثرى وطفــاء
ومــتى يُضــْمِدُ الجــروح أســاها أزمنـــت علـــة وعــز الــدواء
مـن تفـانى فـي المجـد نـال بقاءً وطريــق البقــاء هــذا الفنـاء
ولقــــد آن أن يُلَــــمَّ شــــتات وتُســــوَّى أرض ويعلــــو بنـــاء
أيهـــــــــــا الغــــــــــرب ...
أيهــا الغــرب إنَّ للشــرق شـأنًا وعلــى غــابر الزمــان العفـاء
هــبَّ مــن نــومه وكــان خليقًـا أن يُجـــافي أجفـــانه الإغفــاء
أيقظـــتْ كـــلَّ راقــدٍ واســتفزتْ كـــلَّ قلـــبٍ حقيقـــةٌ زهـــراء
مــا لشــرقيٍّ بعــد هــذا هـوان أُطلقــتْ مــن قيودهــا الأُســَراء
ولقــد عـاش الشـرق دهـرًا طـويلًا وهــو فــي مقلـة الزمـان ضـياء
تِلــك صـحف التاريـخ تَشـهد أَنَّـا خيـــرُ نَســـل أقلَّــت الغــبراء
كــم عمرنـا الـديار وهْـي خـراب وملأنــــا القفـــار وهْـــي خلاء
وركبنــا البحــار وهــي طــوامٍ وألفنــا الأســفار وهــي عنــاء
يـــوم لا دُقَّ بالحديـــد تـــراب لا ولا شـــُقَّ بالبخـــار المـــاء
وملكنــا بالســيف ملكًـا جسـامًا لـــم يشــد مثــل ركنــه بنَّــاء
أيهـــــــــــا الشــــــــــرق ...
أيُّهــا الشــرق حـدِّث الغـرب عمَّـا أحـــدثت فــي حياتــك الأبنــاء
وإليــك الأبصــار مــن كـل قطـر شاخصــــات وللأمـــور انتهـــاء
وجــــدير بمــــن يجـــدُّ لأمـــرٍ أن يَــرَى قبــلُ مـا يكـون وراء
وســيحكي التاريـخُ مـا كـان مِنَّـا ليــت شــيئًا يحكيـه عنـا ثنـاء
قَلِّـدوا الشـَّرقَ يا بني الشرقِ سيفًا لـــم تخـــن غربــه يــد شــلاء
أوتـروا القـوس إنَّ للسـهم مرمًـى واقـدحوا أزنـدًا شـأنها الإبـراء
جــددوا عهــده أُســرة أورثـوكم هـــم بِمَـــا أورثــوكمُ كرمــاء
وارفعـوا الصـوتَ إِنْ أَرَدْتُـم بَلاغًا رُبَّ أُذن عــــن الهـــدى صـــماء
إن مجـــدًا أُورثتمـــوه قــديمًا ســــلبتكم فخــــارَه الأعـــداء
لبــس الغــرب حلـة الشـرق حـتى قيــل عريــان مــا عليــه رداء
ولقــد كــان الغـرب أعـرى وجـود حيـــن للشـــرق جبـــة وكســاء
جددوا العهد يا بني الشرق وارعَوْا ذممًـــا أخفـــرت فأصـــمى البلاء
ســــــــــهروا ورقـــــــــدنا ...
ســــهرت كـــلُّ أمـــة ورقـــدنا فلهــا الــذِّكر دوننـا والثنـاءُ
كيـف ترضـى يـا شرق أن تكسب الغر ب فخــارًا مــن دونــك العليـاء
كيـف ترضـى يـا شرق أن يمشيَ الغر ب أمامًـــا وأنـــت تمشــي وراء
أفلـــم يــأنِ أن تُجَــدِّد عهــدًا شــهد الصــبح فضــله والمســاء
أفلـــم يــأن للحقــائق أن تــق دح زَنـــدًا لوريهـــا الفهمــاء
أفلـــم يــأن للمعــارف أن يــن شــق عرفًــا لمســكها الأذكيــاء
أفلـــم يــأنِ للصــنائع أن تــج ريَ شـــوطًا لنيلهـــا النجبــاء
أيـــن دارُ الســـلام إذ هــي دار شـــيدتها العلــوم والعلمــاء
أيــن كُتْــبٌ للعلــم إذ أحرقوهـا برمـــادٍ منهـــا أُقيــمَ بنــاء
أيـن فـي مصـر مـا اسـتعاد بنوها يــوم عــدت ألوفهــا الــزوراء
أيـــن أقلام قلَّمـــت ظفــر جهــل يـــوم للجهــل صــولة ومــراء
مِـن حِمانـا نـور العلـوم بدا في هــا وعَمَّــت أقطارهــا الأضــواء
نحـنُ أحيينـا مـا أمـات زمـانُ ال جهــل ممــا قــد أسـس القـدماء
إنَّ للفــارابي شــأنًا بمــا سـا رت عليــهِ فــي إثــره الحكمـاء
لابــن ســينا قـانونه ولفخـر ال ديــن مــا فيــه تفخــر النبلاء
ولكـــم هـــزت المنــابرَ منــا خطبــاء تشــفي الظمــى فصــحاء
مــا حللنــا فــي أرضٍ الَّا وحلـى جيـدها العلـم والهـدى والـذكاء
لــو أردنــا الإلكتريــك فعلنــا وكـــذاك البخــار والكهربــاء
غيـر أنَّـا عـن موقـف الجسـم كنا فـي أمـور للـروح فيهـا اهتـداء
نحــن قــوم لـم نـرع روض هيـولا هــا ورضــنا الأفكـار حيـث نشـاء
بلا عــــــــــــــــــــــــــش ...
قــد أقمنـا فـي غيـر عـش درجنـا فكأنـــا فــي خبطنــا عشــواء
فترانــا والغــرب يلبسـنا الثـو ب ولــولاه مــا يخــاط الـرداء
نحــن فـي حاجـة إليـه مـن العـي ش ولــــــولاه عيشـــــنا لأواء
لا نُبـــاريه فــي محاســن شــتى ولنــا فيمـا سـاء منـه اقتـداء
فعليــك السـلام يـا شـرق إن لـم تُحـــيِ مــا أسســتْ لــك الآبــاء
أي الرجــــــال أحرارهــــــا؟ ...
ألجفـــنٍ كمـــا يُريــد اكتحــال ولجفــن علــى القــذى إغضــاء
عميــــت مُقلـــة تلـــذ بغمـــض لــم تمهــد وطــاءه العليــاء
أنســـام الهــوان دون المنايــا إنَّمــا المــوتُ والهـوان سـواء
ليــس دار الهــوان للحُــرِّ دارًا إنمـــا الحـــر داره الجــوزاء
يــا بنـي الضـادِ إنَّ للضـاد حقًّـا نـــاطحت دون هضـــمه الآبـــاء
إن رضــينا غيــر الكرامــة وردًا غـــص منــا بشــاربيه المــاء
ليـت شـعري مـا ينقم القوم منا؟ أم علــى أبصــار هنــاك غشـاء؟
ليـت شـعري مـا ينقـم العمي منا؟ رب قـــوم أرض ونحـــن ســـماء
يشــــهد اللــــه أنَّ أوَّل بيـــت للعُلــى فينــا شــاده البنَّـاء
خيـرة اللـه نَحـنُ فـي الخلـق مما ولـــدت مــن أنســالها حــواء
نحــن شــيء وغيرنــا بعــض شـيء نحــن نــورٌ وغيرنــا الظلمـاء
نحــن بحــر ومــا سـِوانَا سـَرَابٌ نحـــنُ در وغيرنـــا الحَصـــْباء
إنمـــا ينكـــر الحقيقـــة غِــرٌّ أو لئيـــم أو حاســـد مســتاء
نحـن فـي الحـي مهبـط الوحي قدمًا وإلينـــا المصــير والإنتهــاء
كــل حــرٍّ بقيــة الســيف منــا يــوم دانــت لســيفنا الأنحــاء
لا يــرم بعضــكم لبعــض فخــارًا أيهـــا القـــوم كلكــم عتقــاء
محمد حبيب العبيدي
53 قصيدة
2 ديوان

محمد حبيب بن سليمان بن عبيد الله بن خليل العبيدي الأعرجي الحسيني الهاشمي الموصلي. نسبته (العبيدي) إلى جده (عبيد الله بن خليل البصير) مفتي الموصل وكبير شعرائها في القرن العشرين، وصاحب الأبيات السائرة على كل لسان:

قد حوى القرآن نورا وهدى فعصـى القـرآن من لا يعقل

مولده الموصل سنة 1882، وفي عام 1911 تركها إلى بيروت ومنها إلى الأستانة حيث انتسب هناك إلى هيئة علماء الشام وفيها ألقى قصيدته "ألواح الحقائق" في التنديد بعدوان الطليان على طرابلس الغرب، وعاد من الأستانة سنة 1922م بمرسوم تعيينه مفتيا للموصل ومثل العراق في مؤتمر الخلافة الإسلامية المنعقد في القاهرة سنة (1926) ثم كان من كبار المقربين إلى الملك فيصل في العهد الملكي في العراق، وله في الترويج لسياسة فيصل قصائد منها قصيدته : (العرب الكرام بين السيوف والأقلام) أنشدها بين يدي فيصل لدى زيارته الموصل في صفر سنة 1340

وأولها:

قد آن للأقلام يعلو صريرها= وللأُسْد أن يبدو جهارًا زئيرها# 

وكان يجيد اللغات الثلاث العربية والتركية والفارسية وله نظم في اللغات الثلاث ومن آثاره "خطبة نادي الشرق" 1912 و"جنايات الإنكليز على البشر عامة وعلى المسلمين خاصة" ( بيروت 1916 بعناية عز الدين هشام بن عبد الكريم البدراني الموصلي)و"حبل الاعتصام ووجوب الخلافة في دين الإسلام" ( بيروت 1916،) و"ماذا في عاصمة العراق من سم وترياق" ( الموصل 1934) و"النصح والإرشاد لقمع الفساد" ( الموصل 1946، ) و"الفتوى الشرعية في جهاد الصهيونية" ( الموصل 1947) و" الجراثيم الثلاث الامراء والعلماء والنساء- خ " و" الغليل في رحلة وادي النيل -خ". 

وكان صديقا حميما للشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، التقيا كثيرا في العراق والقدس بفلسطين وقد ذكره الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في كتابه:"عقود حياتي " 

1966م-
1383هـ-

قصائد أخرى لمحمد حبيب العبيدي