أخا العذل لا تفرط وكن متجاوزا

قال التاج السبكي: أنشدنا الشيخ الإمام لنفسه قصيدته التي نظمها في الشطرنج عند اقتراح الشيخ أبي حيان ذلك على أهل العصر على زنة خاصة 

ومن نبأ ذلك أن أبا حيان اقترح أن ينظم الشعراء على عروض قول ابن حزمون وقافية قوله

إليك إمام الخلق جبت المفاوزا         وخلفت خلفي صبية وعجائزا

الأبيات 16
أخـا العذل لا تفرط وكن متجاوزا فمـا كـل عـذل في المحبة جائزا
ولا كـل ذي وجـد يطيـق احتماله وإن كـان ذا أيـد شـديدا مبارزا
ولا كـل صـب يحسـب الغـي رشده وكيـف ومثلـي مـن يفك المرامزا
وإنـي لفـي أسـر الهوى ووثاقه حليـف الضنا من حين كنت مناهزا
تقـــاذفني أمــواجه وبحــوره ولـم ألق فيها بين بحرين حاجزا
ولا أبتغــي عنهــا زوالا وإننـي لفـي لـذة منهـا أحـاذر غـامزا
ومـا مـن رياض الأنس إلا ولي بها مراتــع لهـو جـاهرا لا مغـامزا
وكـم من ربى زهر بها عشت طيبا خمائلهـا تسبي النهى والنحائزا
فطـورا أغـاني الغانيـات وتـارة أغــازل غزلانـا نفـارا نـوافزا
تصــيد بأجفــان مـراض نـواعس أســود عريــن خـادرات نواشـزا
وطــورا بألحــان تعبّــد مَعْبَـدٍ بهـا مهجـتي أهدي إليها هزاهزا
وطـورا بـراح راحة القلب عندها ينازعنيهــا أحــور بـات قـافزا
صـبوت إليهـا حيـن طاب عزائزا فصـد فـألقى في القلوب حزائزا
وعـز فـذلت نفـس حر على الهوى وصـال فقلـت اسفك دمي لك جائزا
ســلوي محــال والصـبابة واجـب أليس وصالي يا أخا الحسن جائزا
فجـد واغتنـم أجـري وكن متعطفا ولـو بخيـال فـي منـامي حـائزا
تقي الدين السبكي
19 قصيدة
1 ديوان
علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام ابن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن مسوار بن سوار ابن سليم تقي الدين أبو الحسن الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي الأشعري.

أكبر شيوخ الشافعية في القرن الثامن الهجري، وهو المراد بقول ابن فضل الله العمري: 

(علي ابن ابي طالب باب مدينة العلم وعلي السبكي بوابها)

 له أكثر من مائة وخمسين كتابا، وهو والد تاج الدين صاحب "طبقات الشافعية" ترجم له فيها ترجمة طويلة جدا، رأيت ان أختصرها هنا لأهميتها، قال في أثنائها:

(سمعت بعض الفضلاء يقول أنا أعتقد أن كل بحث يقع اليوم على وجه الأرض فهو له أو مستمد من كلامه وتقريراته التي طبقت طبق الأرض)

قال بعدما ساق زهاء ثلاث صفحات في تعظيمه وتبجيله:

أقسم بالله أنه لفوق ما وصفته وإني لناطق بها وغالب ظني أني ما أنصفته وإن الغبي سيظن فيّ أمرا ما تصورته

وما عليّ إذا ما قلت معتقدي         دع الحسود يظن السوء عدوانا

هذا الذي تعرف الأملاك سيرته         إذا ادلهم دجى لم يبق سهرانا

(إلى آخر القصيدة):

ولد في ثالث صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة وتفقه في صغره على والده وكان من الاشتغال على جانب عظيم بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره وحكى لي أنه لم يأكل لحم الغنم إلا بعد العشرين من عمره لحدة ذهنه وأنه كان إذا شم رائحته حصل له شرى، وإنما كان يخرج من البيت صلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجا فيأكله ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب فيأكل شيئا حلوا لطيفا ثم يشتغل بالليل وهكذا لا يعرف غير ذلك

ثم زوجه والده بابنة عمه وعمره خمس عشرة سنة وألزمها أن لا تحدثه في شيء من أمر نفسها وكذلك ألزمها والدها وهو عمه الشيخ صدر الدين فاستمرت معه ووالده ووالدها يقومان بأمرهما وهو لا يراها إلا وقت النوم وصحبته مدة ثم إن والدها بلغه أنها طالبته بشيء من أمر الدنيا فطلبه وحلف عليه بالطلاق ليطلقها فطلقها فانظر إلى اعتناء والده وعمه بأمره وكان ذلك خوفا منهما أن يشتغل باله بشيء غير العلم

ثم اورد ما حكاه ابن فضل الله العمري في ترجمته، وهي ترجمة تكاد تكون مقتصرة على وصف ما جرى له مع شيخ الإسلام ابن تيمية، لذلك رأيت ان أنشر كلامه في صفحة القصيدة الاولى التي رد فيها التقي السبكي على ابن تيمة. وفي كلام ابن فضل الله العمري في وصف حروب الشيخين:

وتطاعنا وتواقفت خيلاهما         وكلاهما بطل اللقاء مقنع

وفي كلام السبكي عن أبيه صفحات في غاية الندرة، اشتملت على أدق التفاصيل، وهي كثيرة جدا، ورايت أن أختار منها حديثه عن (توجهه) والتوجه شعيرة من شعائر المتصوفة، مستنبطة من الآية (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) (الأنعام 79)

قال بعدما حكى ما جرى له مع نائب الشام أرغون وانتهت بتوجهه لله على أرغون: فبعد أيام يسيرة ذبح أرغون شاه صبرا  قال: (وهذه كانت حالة الشيخ في توجهه يكشف رأسه ويجعل المنديل في رقبته ويقوم على رجله مطرقا ساكتا ويصير عليه من المهابة ما يعجز الواصف عن وصفه ويكاد من يراه في تلك الحالة يوقن أنه لو لسعه زنبور في تلك الحالة لما أحس به)

قال: (وكانت أيضا عوائده إذا كانت له حاجة أن يكتب قصة بخطه إلى الله تعالى ويعلقها على خشبة في السطح وربما أنزلها بعد أيام وكأن ذلك علامة قضاء الشغل ما أدري)

ومن نوادر أبواب الترجمة الباب الذي سرد فيه ترجيحاته واختياراته في الأحكام الفقهية، وهي ترجيحات غريبة وعجيبة. وذكر بعدما اوردها أنه طلب من الشيخ الإمام الأديب الماهر بدر الدين الحسن بن عمر بن الحسن ابن حبيب أن ينظمها في قصيدة وأن تكون على قافية الجيم، من بحر الكامل.

فلباه في ذلك وأورد القصيدة عقب سرد الترجيحات وتقع في 77 بيتا أولها:

الحمد لله الذي برسوله         خير الورى عنا نفى حرب الحرج

ومن نوادر ما حكاه في باب فوائده في التفسير تفسير الآية (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) قال: (فأراه ملكوت السموات والأرض وعلمه كيف يحاجج قومه ...إلخ)

ومن ذلك (نكتة العصر) وهي عادة كانت متبعة عند شيوخ الشام أن المدرس وقت العصر لابد أن يختم درسة بنكتة، والمقصود بالنكتة جواب المسألة الغامضة،  قال:

سمعت الوالد في درس الشامية العصير يقول وقد قيل له كانت العادة قديما أن يذكر المدرس العصر نكتة فقال اذكروا مسألة أستخرج منها نكتة

فقلت أنا : (النكاح بلا ولي) فقال على الفور....إلخ

ومما ذكر من فوائده في الحديث إنكاره أن يكون إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قد سمع من عمر بن الخطاب (ر) مع ان البخاري روى له عن عمر قال التقي السبكي: (في سماع إبراهيم من عمر نظر لأنه توفي سنة خمس أو ست وتسعين وعمره خمس وسبعون سنة فيكون عند وفاة عمر ابن أربع فيكف يسمع ...إلخ)

ومما ذكره في فوائده النحوية قوله:

سمعت الشيخ الوالد يقول بعد أن ذكر اختلاف النحاة في لو تتبعت مواقع لو من الكتاب العزيز ...إلخ

وقال أثناء وصف حفظه للعلوم وهي كثيرة جدا:

وأما استحضاره لأبيات العرب وأمثالها ولغتها فأمر غريب لقد كانوا يقرؤون عليه الكشاف فإذا مر بهم بيت من الشعر سرد القصيدة غالبها أو عامتها من حفظه وعزاها إلى قائلها وربما أخذ في ذكر نظائرها بحيث يتعجب من يحضر وأما استحضاره لكتاب سيبويه وكتاب المقرب لابن عصفور فكان عجيبا ولعله درس عليهما وأما حفظه لشوارد اللغة فأمر مشهور وكنت أنا أقرأ عليه في كتاب التلخيص للقاضي جلال الدين في المعاني والبيان أنا وآخر معي ولم يكن فيما أظن وقف على التلخيص قبل ذلك وإنما أقرأه لأجلي وكنا نحكم المطالعة قبل القراءة عليه فيجيء فيستحضر من مفتاح السكاكي وغيره من كلام أهل المعاني والبيان ما لم نطلع عليه نحن مع مبالغتنا في النظر قبل المجيء ثم يوشح ذلك بتحقيقاته التي تطرب العقول

قال: وقد تولى بدمشق مع القضاء خطابة الجامع الأموي وباشرها مدة لطيفة وأنشدني شيخنا الذهبي لنفسه إذ ذاك

ليهن المنبر الأموي لما         علاه الحاكم البحر التقي

شيوخ العصر أحفظهم جميعا         وأخطبهم وأقضاهم علي

وترجم له الصفدي في "اعيان العصر" ترجمة مطولة ايضا، وفيها قوله:

يا سعد هذا الشافعي الذي         بلغه الله تعالى رضاه

يكفيه يوم الحشر أن عد في         أصحابه السبكي قاضي القضاة

وكان قد الف "أعيان العصر" بطلب من التاج السبكي

1355م-
756هـ-

قصائد أخرى لتقي الدين السبكي

تقي الدين السبكي
تقي الدين السبكي

هذه القصيدة في مدح ابن تيمية والرد عليه، فهي من فرائد الشعر العربي لأنها مدح وذم في وقت واحد، وقدم لها ابنه تاج الدين بقوله:

تقي الدين السبكي
تقي الدين السبكي

قال ابنه التاج السبكي: وأنشدنا أيضا لنفسه قصيدته التي يخاطب بها أخي الأكبر أبا بكر محمدا تغمد الله برحمته وهي طويلة منها

تقي الدين السبكي
تقي الدين السبكي

قال ابنه التاج السبكي: أنشدنا الشيخ الإمام لنفسه جوابا لبعض الصوفية من أبيات في الذكر

تقي الدين السبكي
تقي الدين السبكي

قال ابنه التاج السبكي: وأنشدنا الشيخ الإمام الوالد رحمه لله لنفسه جوابا عن سؤال ورد عليه في السماع أيما أحل هو أو الغيبة