شهدَ الإلهُ وأنت يا أرضُ اشهدي
الأبيات 46
شـهدَ الإلـهُ وأنت يا أرضُ اشهدي أنّــا أجبنـا صـرخةَ المسـتنجدِ
لمـا دعَـا الـداعي وردّد صـوته قمنــا لنصــرته ولــم نـتردّدِ
نســري لــه بأسـنّةٍ قـد جُـرّدت مـن عضـبها والصـبحُ لـم يتجرّدِ
والشـهبُ فـوق التُرب أسرع نقلة منهـا وفـوق السُحب نحو المقصدِ
لـولا الأسـنةُ والسـنابكُ مـادرى أحـدٌ بسـيل خيولنـا في الفرقدِ
حـتى إذا بـاحتْ بنا شمسُ الضُحى للعيـنِ غبْنـا في العيانِ الأربدِ
والخيـلُ تشـكونا ولا ذنـب سـوى أنـا نـروحُ بهـا وأنـا نغتـدِي
لـو أنّهـا علمـتْ بنا في قصدنا كـانتْ تطيـر بنـا ولـم تـترددِ
اللـهُ يعلـمُ أننـا لـم نعتقـدْ إلا الجهــادَ ونصـرَ ديـن محمـدِ
ثـم اعترضـنا البحـرُ وهو كأنه مَلــكُ تقــدّم بـالجيوش لمرصـدِ
فـترامتْ الخيـلُ العطـاشُ لورده هيهـات مـا الماء الأجاج بموردِ
يـا خيـلُ إنَّ وراءنـا مـاءً روى ومشــارباً ومزارعـاً لـم تحصـدِ
وأحبّـةً بيـن العـدا قد أصبحوا يتوقعـون المـوتَ إن لـم تنجـدِ
مــن مطلــع العـبرات إلا أنـه تجــري دمــوعُ جفــونه لمقيّـدِ
ومفجّـــع لا يســـتلذُ بمطعـــمٍ ومُـــروّع لا يســـتقرُ بمرقـــدِ
إخواننـا فـي ديننـا وودادنـا ولهــم مزيــدُ تحبّــب وتــودّدِ
نسري بأجنحة البُزاة إلى العدا مثـلَ الحمـام الحائمـاتِ الورّدِ
واسـتقبلتْ بحـر الزقـاق بعصبةٍ نفــذت عزائمهــا ولـم تتعـددِ
فاستبشـروا فـي أفقهم بطلوعنا كالشــمسِ يـومَ طلوعهـا للأسـعدِ
حـتى بعثنـا القومَ في أوطانهم إن الحــوادث لا تجيــءُ بموعـدِ
ثـم التقينـا بالذين استصرخوا منّـــا بكـــلِّ مؤيّــد ومســدّدِ
حـتى إذا جئنـا وجـاءوا نحونا ودنـا المزارُ وقيل للبُعد ابعدِ
وازورَّ جــانبُهم وشـدّوا بعـدما بسـطوا لنـا الآمـالَ بسـطَ ممهّدِ
أو مـا رأوا أنـا تركنا أرضنا ولنـا بهـا ملـكٌ رضـيُّ المحتـدِ
وأطاعنــا قـومٌ كـثيرٌ أسـرعوا فمــزوّد منهــم وغيــرُ مــزوّدِ
أتـرونَ إن عـادوا إلى أوطانهم يبقـى لكـم في الأرضِ موضعُ مسجدِ
أم تحسـبون بوارقـاً نشـأتْ لكم أمثالنـا فـي جـوّكم لـم تُعهـدِ
برمـاحكم نفحـتْ وعنهـا أُمطـرت بـل كـانَ منّـا ذا وإن لم نشهدِ
إنـا أردنـا إن رعبنـا قومنـا فيكـم فيرجـعُ مـن مضـى بتزيّـدِ
حــتى تــرونَ بلادكــم معمـورةً ويكــونَ يـومكُم يقصـّرُ عَـنْ غـدِ
فـاليومَ قـد أوحشـتمونا وحشـةً إن لـم تمـدّ حبالهـا فكـأنْ قدِ
يـا ليـت شعري ما بدا منا لكمْ حـتى ابتـديتمْ بالمكـانِ الأبعدِ
تـاللّه لـولا ودُّنـا فيكـم ومَـا أدراكَ مـــن ودِّ قــديم مقلــدِ
ومخافُنــا أن يســتطيل عـدوكم ويثــورَ بعــدَ تــذلّل وتعبّــدِ
لخرجـتُ مـن هذا البلاءِ بمن معي وتركتُهــا لكــمُ ولــمْ أتعهـدِ
أو مـا علمتـمْ أننـا أيـدٍ لكم دونَ العـدا واللـهُ خيـرُ مؤيـدِ
لــولا رجـالٌ مـن مريـنٍ رفّعـوا منكـم لكنْتـم بالحضـيض الأوهـدِ
لـولا رجـالٌ مـن مريـنٍ قـاتلوا عنكـم لكنتـم كالنسـاءِ الخـرّدِ
عهـدي بجنـدكم الذين إذا رأوا عِلجـاً تولّـوا كالنعـام الشـرّدِ
يتشــبّهون بكــلِّ أغلــفَ كـامن فـي زيِّهـم وكلامهـم فـي المشهدِ
وطعــامِهم وخلالِهــم وشــرابِهم ومنـاكرٍ يأتونهـا وسـطَ النـدي
وتنقُّـص العلمـاءِ والفضلاءِ والأ عيـانِ مـن أهـل التقى والسؤددِ
كيـفَ الهُـدى لهـم ومن لا يقتدي بنــبيّه وإمــامه لــم يهتــدِ
هــذا عتـابٌ ليـسَ فيـه قطيعـةٌ إن الــوداد كعهـده لـم ينفـدِ
فـاتوا بعزكـم إلـى مـا عندنا فـي حقكـم ولتسـمعوا مـن مرشدِ
ثــم السـلامُ عليكـم مـن والـدٍ يـدعو ابنـه دعـوى مُحـبِّ مُسـعِدِ
مالك بن المُرحَّل
163 قصيدة
1 ديوان

مالك بن عبد الرحمن بن علي، أبو الحكم، المعروف بابن المُرَحَّل: أديب، من الشعراء. من أهل مالقة، ولد بها، وسكن سبتة. وولى القضاء بجهات غرناطة وغيرها. وكان من الكتّاب، وغلب عليه الشعر حتى نُعت بشاعر المغرب. من كتبه (الموطأة - خ) أرجوزة نظم بها (فصيح ثعلب) وشرحها محمد بن الطيب في مجلدين ضخمين، و (ديوان شعر) و (الوسيلة الكبرى - خ) نظم، و (التبيين والتبصير في نظم كتاب التيسير) عارض به الشاطبية، و (الواضحة) نظم في الفرائض، وكتاب (دوبيت - خ) و (العروض - خ) و (أرجوزة في النحو - خ) وغير ذلك.

قال الوزير لسان الدين ابن الخطيب في ترجمته في الإحاطة:

مالك بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن الفرج بن أزرق بن سعد بن سالم بن الفرج المنزل بوادي الحجارة بمدينة الفرج المنسوبة إليه الآن. قال ابن عبد الملك، كذا كتب لي بخطه بسبتة، وهو مصمودي ثم شصادى مولى بني مخزوم، مالقي، سكن سبتة طويلاً ثم مدينة فاس، ثم عاد إلى سبيتة مرة أخرى، وبآخرة فاس، يكنى أبا الحكم وأبا المجد، والأولى أشهر، ويعرف بابن المرحل، وصفٌ جرى على جده على بن عبد الرحمن لما رحل من شنتمرية حين إسلامها للروم عام خمسة وستين وخمسمائة

قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير، شاعر رقيق مطبوع، متقدم، سريع البديهة، رشيق الأغراض، ذاكر للأدب واللغة. تحرف مدة بصناعة التوثيق ببلده، وولى القضاء مرات بجهات غرناطة وغيرها. وكان حسن الكتابة إذا كتب، والشعر أغلب عليه. ....وأما ابن خلاد فقصر به، إذ قال، كانت نشأته بمالقة بلده، وقرارة مولده في ناسها ووسط أجناسها، لم يتميز بحسب، ولم بتقدم في ميدان نسب، وإنما أنهضه أدبه وشعره، وعوضه بالظهور من الخمول نظمه ونثره، فطلع في جبين زمانه غرة منيرة، ونصع في سلك فصحاء أوانه درة خطيرة، وحاز من جيله رتبة التقديم، وامتاز في رعيله بإدراك كل معنى وسيم.

قال لسان الدين: والإنصاف فيه منا ثبت لي في بعض التقييدات وهو، الشيخ المسن المعمر الفقيه، شاعر المغرب، وأديب صقعه، وحامل الراية، المعلم بالشهرة، المثل في الإكثار، الجامع بين سهولة الفظ، وسلاسة المعنى، وإفادة التوليد، وإحكام الاختراع، وانقياد القريحة، واسترسال الطبع، والنفاذ في الأغرض. استعان على ذلك بالعلم بالمقاصد اللسانية، لغة وبياناً وعربية وعروضاً، وحفظاً واضطلاعاً، إلى نفوذ الذهن، وشدة الإدراك، وقوة العارضة، والتبريز في ميدان اللوذعية، والقحة والمجانة، والمؤيد ذلك بخفة الروح، وذكاء الطبع، وحرارة النادرة، وحلاوة الدعابة، يقوم على الأغربة والأخبار، ويشارك في الفقه، ويتقدم في حفظ اللغة، ويقوم على الفرايض. وتولى القضاء. وكتب عن الأمراء، وخدم واسترفد، وكان مقصوداً من رواة العلم والشعر، وطلاب الملح، وملتمسي الفوايد، لسعة الذرع وانفساح المعرفة، وعلو السن، وطيب المجالسة، مهيباً مخطوب السلامة، مرهوباً على الأعراض، في شدقه شفرته وناره، فلا يتعرض إليه أحد بنقد، أو أشار إلى قناته بغمز، إلا وناط به آبدة، تركته في المثلات، ولذلك بخس وزنه، واقتحم حماه، وساءت بمحاسنه القالة، رحمه الله وتجاوز عنه.)

قال: أما تواليفه فهي كثيرة متعددة، منها شعره، والذي دوّن منه أنواع. 

فمنه مختاره، وسماه بالجولات.

ومنه، الصدور والمطالع. 

وله العشريات والنبويات على حروف المعجم، والتزام افتتاح بيوتها بحرف الروى، وسماها، الوسيلة الكبرى المرجو نفعها في الدنيا والأخرى. 

وعشرياته الزهدية. 

وأرجوزته المسماة سلك المنخل لمالك بن المرحل نظم فيها منخل أبي القاسم بن المغربي، 

والقصيدة الطويلة المسماة بالواضحة، 

والأرجوزة المسماة اللؤلؤ المرجان 

والموطأة لمالك. 

والأرجوزة في العروض. 

وكتابه في كان مإذا، المسمى بالرمي بالحصا، 

إلى ما يسق إحصاره، من الأغراض النبيلة، والمقاصد الأدبية.

قال وكانت وفاته في التاسع عشر لرجب عام تسعة وتسعين وستماية، ودفن بمقبرة فاس، وأمر أن يكتب على قبره:

زر غريبا بقبره نازحـا مـاله ولي
تركــوه موســداً بيـن تـرب وجنـدل
ولتقـل عند قبره بلســان التـدلل
يرحـم اللـه عبده مالـك بـن المرحل
1300م-
699هـ-