الأبيات 73
ســهرت جفونـك والمصـاب مسـهّد يرثـى لليلتـك السـليم الارمـد
ورثـت لـك الخنسـاء بعـد متمم ورثـى لبيـد يـوم فـارق أربـد
لمصــيبة صــدمت فـؤادي صـدمة كـادت بنـات الجـوف منها تصعد
وجرى الدموع على الخدود كأنها نظــمٌ جــرى مـن سـلكه متبـدد
وتصــدعت كبــدي لهـا وكأنمـا بجــوانحي منهــا حريـق موقـد
هـل يطفئن مـن حرهـا ولهيبهـا ســفك الــدموع وزفـرةٌ تتصـَعّد
يـأبى لـي السـلوان ذكر فضيلة طـويت وكـانت قبـل موتـك تعهد
وتعـود لـي ذكـرٌ تنكّىـء قرحـة مهمـى بـدا لـي مربـع أو معهد
وجعلـت أغدو في العشيرة والهاً فكــأنني بيـن المحافـل مفـرد
وشـــجيت الا أننـــي مستســلم راض بمــا فعـل الجليـل موحّـد
واقــول إنــي للالــه وإنّنــي ذو رجعــة أسـعى إليـه واجهـد
لـو لـم يؤيّـدني قضـيت منيـتي لا يختشــى سـهم القضـاء مؤيـد
لا تجزعـي يـا نفس ويحك واحملي صـبرا فقبـل اليـوم مـات محمد
وإذا ذكــرت الشـامتين بمـوته فبمـوت خيـر الخلـق سـرّ الاسود
ولئن مضـى والمـوت تحفـةُ مثله بــرّاً فــأيّ الشــامتين مخلّـد
يـا قـدوتي يـا نصرتي يا عدّتي لا تعبــدن ان المنيــة موعــد
وإذا جزعــت فــإن ذاك مظنــة أسـرى لـك الأمر المقيم المقعد
جلـلٌ مصـيبةُ مـن يغـادر مثلـه وتجــلّ فيمــن مثلــه لا يولـد
وإذا بكيــت شـجىً عليـه فـإنه تبكــي وتنــدبه جمــوع حفــد
وبكــت عليــه أرضــه وسـماؤُه وصــلاتهُ وبكــى عليـه المصـعد
وبكــى عليــه ليلــه ونهـارهُ والصـوم يبكـي والتهجّـدُ يرعـد
وبكــى عليــه فراشـهُ وطهـورهُ وســواكهُ وبكـى عليـه المسـجد
وبكـت عليـه الكتب يجلس بينها يغــدو يطــالع مــرة ويقيّــد
وتــرى جوانبهـا خطـوطَ يمينـه تـدنى إلـى الأفهـام ما يستبعد
وبكــت للوعــة فقــده أقلامـه ودواتــهُ يــا حـر ممّـا تفقـد
وبكــى عليــه مصــحفٌ وصـحائفٌ كـانت تمـرّ بمتنهـا منـه اليد
وبكـى البقـاع الطاهرات لفقده وبكـى لـه الحجر الكريم الأسعد
وبكــى عليــه زمـزمٌ وحطيمهـا والركـن يبكـى والمشـاعر تسعد
وبكــت عليــه مـروةٌ ومسـيلها وبكـى الصـفا من أجل ما يتعودُ
وبكـى منـىً ولقـد بكت عرفاتها أن كــان فـي عرصـاتها يتعبّـد
وبكــت عليــه يـثربٌ وعقيقهـا وبقيعهـا وبكـى عليـه الغرقـد
وبكــى قبــاءٌ ذاكـرا لمقـامه فيــه وأحــدٌ عينـه مـا تجمـد
هــذي بقــاعٌ كـان يعبـد ربّـه فيهـا فيركـع مـا يشـاء ويسجد
كـانت تؤمّـل عـوده مـن بعـدما قــد راعهـا منـه فـراقٌ مبعـد
وبكــت عليــه أيـمٌ أودى بهـا ريــب الزمــان وسـائل يـتردد
وبكـى ضـعيف لـم يجـد من حيلة وبكـى فقيـر لـم يجـد من يرفد
وبكــى عليــه جاهــل متعلــم وبكــى مريـد فـاته مـن يرشـد
وبكـى عليـه المسـلمون جميعهم وبكــى عليــه قريبـه والأبعـد
ومكـــارم الأخلاق حــدّت حمــرة وبكـى لفرقتـه النـدى والسؤدد
والـدهر أمسـى طالعـا دبرانـه مـن بعـدما طلعـت عليـه الأسعد
أسـفاً علـى قطـب الزمان وغوثه بـدر الـدجى بحـر العلوم محمّد
الحـافظ العصـر المربّـى أهلـه والناصـح الهـادي لنا والمرشد
مــن هـو إذ أرّختـهُ فـي ثـالث مـن بعـدما عشـر المئبـن مجدّد
وهـو المجلـى في المعارف حلبةً تعـدو وإلـى مضـمارها والمسند
غيــثٌ إذا ضـنّ الزمـان بـودقه كهــفٌ وســيفٌ للعشــير مهنّــد
متغافــلٌ عــن حقّــه متواضــع عـــن قــدره متثبّــتٌ متقصــّد
عبــد الالــه بذلّــة وتواضــع أدبــاً وصــاحبُ هــذه لا يطـرد
فغــدا كـبيرا لا يشـين مقـامه صــغرٌ لـه فـي كـل وصـف مشـهد
فـتراه يصـحو حيـن يسـكر غيره كــأس المحبّـة والكمـال مؤيّـد
فثـبير ذو الشـرفات لا مـتزلزلٌ لعواصـــف مـــرّت ولا متهـــدّد
لـو صـبّ مـا تحـوى سريرته على جبــل لأصــبح واهيــا يتهــدّد
فالجسـم بيـن الناس يحمد سعيه والــروح للملإ المطهّــر تصـعد
لــم ينســه حـق الإلـه عبـاده فـــأمورهم وحقــوقهم يتفقّــد
يعطـي المراتـب حقّهـا من حقّها أو خلقهـا فهـو الكريـم السيد
تـرك الأكـابر خلفـه مـن حينـه ومضــى بهمتــه يغيــر وينجـد
مــا زال فـي مرضـاته مترقّيـا مترقّبـــا نفحـــاته يترصـــّد
يــدعو ويســأله محبّــة ذاتـه وهـي الـتي ينحـطّ عنها الفرقد
مرضــت قلـوب العـارفين محبّـةً فيهـا ونائلهـا الفريـد الأوحد
فغـدا لمـا قد نال من درجاتها يثنـي علـى اللّه الكريم ويحمد
حتّـى إذا كملت له اشتاق اللقا ودعـــاه ربّ منعـــم متـــودد
يـا رب تعلـم مـا يحـب فـاعطه اقصــى مــرام نــاله متبعــد
واجعـل كلامـك في الضريح أنيسه فيــبيت فــي أحشــائه يتهجّـد
في الروح والريحان فاجعل روحهُ مـأوى المقـرّب والـذي يستشـهد
فهــوَ الشـهيد محبّـة وشـهيدها فـوق الشـهيد فحبّـذا المستشهد
وامنُـن عليـه يـا كريـم بنظرة مـن ربّـه تشـفى الغليـل وتبرد
قـد كـان يأمـل نيلهـا ويَعُدّها هـي النعيـم وفـي سـواها يزهد
وعليـه يـا رحمـان منـك تحيّـةٌ فيهــا رضــاك ورحمــةٌ تتجـدد
فاجعــل محمّـدا الأميـن وراثـة منـه واحمـد فـي سـبيلك يحمـد
ونفيــس نولهــا مقـام نفيسـة ويكـون فـي اعلـى الولاية أحمد
ولــد وصــهرٌ خــادمٌ ومجــاورٌ وخـديم اربـاب السـعادة يسـعد
واجعـل لفاطمـةٍ مكـان حبيبهـا حـــبّ الإلــه بثــوبه تتــأوّد
يـا رب اصـلحني وسـائر اخـوتي وافتـح فـان الفتـح عندك يوجد
ثـم الصـلاة علـى النـبي وءاله أمــد الليـالي دائمـا تتجـدد
محمدي بن سيدينا العلوي
4 قصيدة
1 ديوان

محمدي بن سيدي عبد الله بن الفغ سيدي أحمد بن محمد العلوي.

عالم زاهد، وشيخ طريقة صوفية، من أهل شنقيط، كان وحيداً في العلم والصلاح، وله اليد الطولى في العربية والفقه والبلاغة. وكان غاية في جودة الشعر، ولولا ما هو متصف به من العبادة والاشتغال بطريق الصوفية، ما اشتهر في قطره أحد سواه بالشعر، ولولا دفاعه عن الصوفية لم ينظم بيتاً واحداً.

1848م-
1264هـ-

قصائد أخرى لمحمدي بن سيدينا العلوي