الأبيات 90
أسـى وافـى بحادثـة البريـد وحــزن دايــم وجــوى بزيـد
مصـاب هـد مـن جلـدي وصـبري بكـارث خطبـه الركـن المشيد
علـى أنـي ربيـط الجـاش ثبت وإن حشـدت مـن الدهر الجنود
ولكــن الليــالي فاجــأتني بموجعـة يـذوب لهـا الجليـد
كــأن ضــئيلة لسـعت فـؤادي فحـم بسـمها الجسـد الجليـد
فكــل مصــيبة جلــل سـواها لــدي وكــل ذي خطــر زهيـد
لقـد قطفـت يـد الأيـام غضـا محــل غراسـه قلـبي العميـد
أحــال الـدهر رونقـه وأذوى نضـارة عـوده الزمـن العتيدُ
وأنشـبت المنيـة فيـه ظفـراً فكـاد الحـي مـن جـزع يميـدُ
وجـدن عليـه بالدمع البواكي وكــان بنفســه كرمـاً يجـودُ
وســامته الكـواعب أن يفـدَّى بهـن لـو الفـداء هنـا يفيدُ
وأصـبح وهـو فـي حشـم عديـدٍ وأمســى وهــو مغـترب وحيـدُ
ترحــل قاصــداً نـزلاً قريبـاً رجــوع النـازلين بـه بعيـدُ
وأم رحـاب مـن تلقـى مناهـا إذا نزلــت بسـاحته الوفـودُ
مضـى واختـار بعد جوارنا أن يجـاوره الـرؤف بـه الـودودُ
فيــالله مــن قمــرٍ بقــبرٍ تعظمـــه لســاكنه اللحــودُ
وكـم يـا ليـت شعري من عفافٍ تضــمن ذلـك الجـدث الجديـدُ
وطيــب شــمائلٍ وجميـل ذكـرٍ عليــه خـرائد الغنَّـا شـهودُ
وعـــرض طـــاهر وخلال حمــدٍ لهـا الميـزان والشعرى عقود
غـــرائز هاشـــميات وخلــق جميـل زانـه الخلـق الحميـدُ
يرشــحه لهــا نســبٌ منيــفٌ لمحتــده ذرى العليـا سـجودُ
نمتـه عـروق مجـد أخلصته ال عمومــة والخؤلــة والجـدود
لقـد أودى فـأدوع نـار وجـدٍ لهـا مـا بيـن أضـلاعي وقـودُ
فقـدت بفقـده الـدنيا جميعاً بروحــي ذلـك الإلـف الفقيـدُ
أقـام لعشـرتي عشـرين عامـاً وكـــل أولئك الأيــام عيــدُ
بـه ابتهجـت سـميّات المغاني وتـاه بعـزّه القصـر المشـيدُ
يصـرف كيـف شـاء نفيـس مالي ونفســي والعبيـد لـه عبيـدُ
وكــل فعــاله أعمــال بــرٍّ وكــل خصــاله كــرمٌ وجــودُ
فمـا نقـم الحفـيّ عليه أمراً يعــاب بـه ولا فـاه الحسـود
وليـس وإن سـما قـدراً وشاناً بـذي صـلفٍ ولا الشـكس الكنود
ولـم يرفع على الجيران صوتاً وإن جـاروا ويصفح أن يكيدوا
ولـم يغتب سواه ولا اشتكى من نميمتـه القريـب ولا البعيـد
وليــس بســيئٍ ظنـاً إذا مـا أسـاء الظـن بالنـاس الحقود
ولـم ينطـق ولـو مزحاً بعورا عــدو المـرء مـا لا يسـتعيد
نفــور عـن سفاسـف كـل أمـر وعـن مـا لا يليـق بـه شـرود
تسربل بالنزاهة واكتسى بالن باهــة والحيــاء لـه عقيـد
دعتــه الغيـد سـيدهن طوعـا ومــن ذا بعـد غيبتـه يسـود
وأجمعــت العقـائل أنـه فـي سـمات المجـد ليـس لـه نديد
لهــن بحسـن سـيرته اقتـداءٌ يزيـن ورأيـه الـرأي السديد
صــفاتٌ جـاء مطبوعـا عليهـا لـه ولهـا بـه اقترن الوجود
وإرث خلفتـــه لـــه أصــول كـرامٌ مـن بنـي الزهراء صيد
ولـو منهـا فرضـنا جحـد شيءٍ لألقـم دونـه الحجـر الجحـود
نفيــس قـد تكـون مـن نفيـس وحيــد فــي محامــده فريـد
بلا ثمــن حظيــت بــه لحظـي بـخٍ لـو دام في الدنيا سعود
أيحسـن بعـده فـي رأي عينـي مـن الـدنيا طريـفٌ أو تليـد
وهـل أسـلو بلـى أسـلو سلوي إلـى يـوم يقـوم بـه الهجود
وهــل بتـداول الأيـام حزنـي يقــل لفقــده لا بــل يزيـد
وهــل يبلـى معـاذ اللـه ود لــه بــالقلب ممـتزج أكيـد
فلا عيشــي يطيــب ولا شـرابي يــروق ولا كـرى جفنـي يعـود
وتــأبى شـيمتي أن يزدهينـي عقـود فـي الخراعـب أو بنود
وكيــف يلــذ بــالعلات وصـل نعـم منهـن لـذّ لـي الصـدودُ
سـيبدو لـي خيـال منـه مهما تــراءت غــرّة للعيــن خـود
بحرمـــة ودّه أقســمت أنــي أحـب إليـه لـو سـاغ الورود
ومـالي فـي الحياة هوىً ولكن قضـى ببقاي ذو العرش المجيد
أأبقـى والمغـاني عنـه صـفر وآونـة الحيـاة الـبيض سـود
وتحزننـي الـولائد أن أراهـا وقـد صـبغت بأدمعهـا الخدود
أســى يبكيــن لا لحــذار ذلٍّ فـإن أبـاته العـدد العديـد
وقيــن الســوء طـالعهن إلا بغيبــة شخصــه أبـداً سـعود
ولــولا أن هـذا الـرزء حكـم مـن الفعـال فينـا مـا يريد
لقــارعت المنـون قـراع حـرٍّ تهــاب شـبا قواضـبه الأسـود
وخضــت لــدرئه غمـرات حـرب يشـيب لهولهـا الطفل الوليد
ولكـن ليـس هـذا الخطـب مما تقهقهـره الجيـوش ولا الجنود
فخفـض يـا فـؤاد عليك واصبر فمـا الموتـور قبلـك مستقيد
ومــا جـزع علـى ميـتٍ بمغـنٍ ولا ضـرب الحسـام ولا النقـود
وسـلم إن فـي التسـليم أجراً وفـي عـدم الرضى ورد الوعيد
جـرى قلـم القضـاء فكـل ماض مـن الـدنيا إليهـا لا يعـود
وليــس لـذي مقـام أو حطـام يتـاح بهـذه الـدار الخلـود
لريـب الدهر في كل ابن أنثى ســـهام لا تطيــش ولا تحيــد
ومـن مـن صـرفه ينجو ومن ذا علـى ظهـر البسـيطة لا يبيـد
وبـالأمم الـتي سـلفت وصـارت مـن المنسـي يعتـبر البليـد
فكـم غـدر الزمـان بذات قرب ومبعــدة كمــا بعـدت ثمـود
وكـم نقضـت من الدنيا عليهم مواثيــق وكــم نكثـت عهـود
وكـم ذي زهو افترست سباع ال فنـاء وخـانه الأمـل المديـد
ولكـن الـورى فـي غفلـة عـن مصـــارعهم كـــأنهم رقــود
سـفاهٌ بـابن آدم حيـن يلهـو ويلعــب والحمـام لـه عتيـدُ
تنـاخ بسـوحه نجـب المنايـا وشـيممته القسـاوة والجمـودُ
وليـس بمـا يـؤل إليـه يدري أمقبــولٌ فينجــو أم طريــدُ
لعمــرك إنــه لقريــنُ خسـرٍ ومحفـوظ الكتـاب بـذا شـهيدُ
ولـم يفلـح سـوى عبـد له في ربــا الإيمـان بنيـان وطيـد
وصـدّق واتّقـى المـولى وأعطى ولـم تتعـد منـه لـه الحدود
ولــولا ســبق رحمتـه تعـالى لحــل عــذابه بهـم الشـديد
علــى جـدث بـه ممـن فقـدنا لطيـف الـروح والجسم الوئيد
تحيـــات معطــرة الحواشــي يضـوع بشـنر عبهرهـا الوجودُ
وصــيب رحمــة وســجال غيـث مـن الرضـوان جادَ به الحميدُ
وشــيعت الملائك منــه روحـاً إلـى الأفـق المبين لها صعودُ
وأسـكنه المهيمـن فـي جنـانِ دعـائم دورهـا الـدر النضيدُ
يطــوف رياضــها فـي عبقـري مجلّلــه لهيكلهــا الــبرود
تســـامره هنالــك أم هنــدٍ وفاطمــة المطهــرة الخـرود
وكـل شـريفة تنمـي إلـى مـن هـم فـي مركـز الفخر العمود
إلـى آل الرسـول عليـه أزكى صـلاة اللـه مـا حـن الرعـود
ابن شهاب العلوي
179 قصيدة
1 ديوان

أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن شهاب الدين، باعلويّ الحسيني، من آل السقاف.

قريع البلغاء، ومعجز الفصحاء، شاعر الزمن، فقيه، له علم بالفنون. من أهل حضرموت. ولد بحصن (آل فاوقة) من قرى تريم، وطاف بلاد العرب وقصد الهند فسكن حيدر آباد الدكن، واتسعت شهرته في الهند وجاوة والملايو، بمحاربته البدع، وسلوكه طريقة السلف الصالح. توفي في حيدر آباد.

له نحو 30 كتاباً في الأصول والفقه والمنطق والطبيعة والكيمياء والفلك والحساب والأدب، منها (ذريعة الناهض - ط) منظومة في الفرائض، و(رشفة الصادى في مناقب بني الهادي - ط)، و(الترياق النافع بإيضاح جمع الجوامع - ط)، و(سلالة آل باعلوي - ط)، و(ديوان شعر - ط)، و(إقامة الحجة على ابن حجة - ط) في نقد بديعية ابن حجة الحموي، و(نزهة الألباب في رياض الأنساب).

1922م-
1341هـ-