قبل أن يبصر الظلام الضيا
الأبيات 72
قبـــل أن يبصــر الظلام الضــيا ء وتكـــون الحيـــاة والأحيــاء
كـان مـن كـان بـدؤه بـدء دنياه ومــــن لا يحــــده الانتهــــاء
كــان والفكــرة العظيمــة حلـم بعضــه الأرض والســما والفضــاء
حلــمٌ يعجــزُ الخيـال سـموّاً حـق قتــــــه الإراده العصــــــماء
وصـــحا الكـــون بعــد غفــوته الكــبرى وفـي جفنـه رؤى عـذراء
واســتخف الوجــود حسـن مجـاليه وهــــامت بكلهــــا الأجــــزاء
ورأى اللــه كـل شـيء كمـا شـاء وللـــه أن يـــرى مـــا يشــاء
وتراءى فاهتز قلب الروابي وتجلى فاستغشــــــــت الأنحــــــــاء
وتســامت إليــه مــن كــل أفـق صــلوات ينســاب فيهــا الـدعاء
رب هــذا الوجـود مـن صـنع كفـي ك فــأنت البـاني ونحـن البنـاء
رب والكــون كلــه صــفحات لــك فيهـــــــا الأســــــرار والآلاءُ
رب هــذا الجمــال جـوهر معنـاك فمعنـــــاه مستســــِرٌّ خفــــاءُ
ربّ والكائنــات روحـك فيهـا فـم داهــــا صــــيرورةٌ لا فنــــاءُ
ربّ كـل الأشـياء تبنـض فيهـا حـيَ واتٌ لكنّهــــــــا خرســـــــاءُ
رب أعجــزت فليُــذع ســرّ إعجـاز ك صــــوتٌ تشــــيعه الأصــــداء
رب هــذا الإنسـان ظلّـك فـي الأرض شـــــعور وحكمـــــةٌ وذكــــاء
رب والنـاس كـالقطيع وهذي الدار الـــــدنيا لهـــــا صــــحراء
رب فــاختر مــن القطيــع حـداةً يتنــاهى بهــم إليــك الحــداء
دينــه أنــت والحقيقــة والحـب فكـــل الأديـــان فيـــه ســواء
واســـقه خمـــر المقــدّس حــتى تتناســــى كيانَهـــا الأعضـــاء
وتُنَــوّر لـه الطريـق فقـد يعـثر فيهــــا وقصــــده الاهتــــداء
واحبـه مـن عـوالم السـحر نايـا تتنــــاغى بهمســــه الأرجـــاء
ويراعـا مؤلّمهـا أبـدياً تتسـاقى رحيقــــــــــه الآنـــــــــاء
وليكـن فـي اسـمه من الخلد معنى تتمنّــــى جمــــاله الأســــماء
قــالت الحكمــة القديمــة هـذا مطلــــبٌ لا يجيبــــه الأرجـــاء
فلتهنــأ بمــا تحــب البرايــا فبحـــولي الإيجـــاد والإنشـــاء
بـع حيـن تجـرى المقادير بالدهر وفيهــــا الســـراء والضـــراء
بعـد حيـن ينـوح مـن خـانه الحظ ويشـــدو بالفرحـــة الســـعداء
لـم يكـن مـن تنـاقض الخلـق بـدٌّ فمحـــال أن تيتـــوى الأشـــياء
كــــل شـــيء مســـخر لســـواه فلنــور الصــباح كــان المسـاء
وشــقاءٌ مميّــزٌ بهنــاء وهنــاء يــــــدبّ فيـــــه الشـــــقاء
وقلــــوب مخمـــورة بالأمـــاني وقلـــوب إلــى الأمــاني ظمــاء
والـذي يجمـع الشـتات مثـال عـش قتــــه الأضــــدادُ والنظـــراء
ذلــك الخــالق الـذي أنـا فيـه قـــوة يشــتفى بهــا الضــعفاء
شــاعر الكــون لا يقيـده الكـون وإن ضـــــمه تــــراب ومــــاء
سـاحر النـور والظلام وكـم يسـمو فتفنـــى فــي نــوره الظلمــاء
هـو قلـب الحيـاة يشـدو إذا غنّت ويبكـــى إذا شـــجاها البكــاءُ
هـــو روح مجســدٌ روحــه اللــه وفكـــر عقـــل هـــويّه إســراء
صــورته مشــاعر النــاس أفقــاً تتلاشـــى فـــي جـــوه الأجــواء
قلـــقٌ كالحيــاة تقتلــه الأغلال وهـــــو المُقَيّــــد العــــداء
ســاكن كالفنــاء يخلـق بـالأحلام مـــالا يجـــرى عليــه القضــاء
يســتلذّ الآلام فــي نشـوة الـوحي وفيهـــــا الـــــدواء والأدواء
طـــائر عشــّه الزمــان ومهــوى جـــانِحَيه القلـــوب والأهـــواء
مِزهـرٌ لحنُـه الحيـاة وينبـوع أغ نيــــه مـــا تظـــل الســـماء
غنـــــوةٌ ذابــــت الأحاســــيس فيهـا وصـداها القلـوب والأهـوان
قلبه العالم الكبير ونجواه حنان ورحمــــــــــة وإخـــــــــاء
خلقــه كالضــياء فــي كـل حـال فهـو فـي الحـان والمصـلى ضـياء
عقلـــه مســـرح بنتــه المقــا ديـــر ووشـــّت ظلالــه الأضــواء
مســــرح مخــــرج الروايــــات فيـه مـن إليـه الإحيـاء والإفناء
أزلــيّ ممثّلــوه رؤاه والأمــاني المجنونـــــــة الحســـــــناء
يشــهد الليــل والنهـار عليهـا قصــــة جــــنّ دونهـــا العقلاء
قصـّة المـوت والحيـاة وكـم حارت لـــــــديها وضـــــــلّت الآراء
شـغلته عن الحياة معانيها وأغرا ه بالـــــــــــــــدفين الطلاء
فاســتحال الظهــور فيــه خفـاءً واحتــوى الكــون كـونه الوضـاء
وانتشـت روحـه الطليقة في الدهر بخمــــر مزاجهــــا الإيحــــاء
ومضــى كالشــعاع يسـتبق العمـر ودنيــــــاه ثــــــورة وامتلاء
جامــح الفكـر مسـتثار الخيـالات قصــــاراه لــــذّة وانتشــــاء
لــذّة الخــالق الصـغير إذا مـا أشـــهدته الحقيقـــة العليــاء
يسـأل اللـه وهـو فـي ذاته الحي رى وجـــــــود مشعشــــــع لألاءُ
فينـــاديه لا تُـــرَع إن تعــامت عــن ســناك الظــواهر الجوفـاء
أنـت منّـى منذ استوى الكون طفلا واســتقلّت عــن ذاتهــا الأشــلاء
فــأنر للأنــام مـا تحجـب الأغلال عنهــــم والشـــهوة الرقطـــاء
رســـلٌ كلهـــم وأنـــت كتــابي ولســـاني والـــوحي والأنبـــاء
سـوف تشـقى وسـوف تسـعد كالنـاس وكــــل الــــذي تـــراه ابتلاء
فـاحي للنـاس لا لنفسـك يـا شاعر واصـــدح حــتى يمــوت الغنــاء
فـإذا مـات وانطلقـت مـن القيـد فعنــــدي لأصــــغريك الجـــزاء
جنّــة عرضــها الســماوات والأرض وخلــــدٌ ينــــاله الأصــــفياء
لا يهولنــك الحــديث عـن النـار فــــإني الرحيـــم والرحمـــاء
فــأدر لـولب السـفين كمـا شـئت ولا تقهرنـــــــك الأنـــــــواء
فهنـا الشـاطىء المغلـف بالأسرار حيــــث المســــيرُ والإرســــاء
وغــداً تلتقـى بـذاتك ذاتـي لـت قــــول الحيــــاة والأحيــــاء
مــات فــردٌ ممّــن شــدا الحــق فيهـم أنتـم الناس أيّها الشعراء
صالح الشرنوبي
177 قصيدة
1 ديوان

صالح بن علي الشرنوبي المصري.

شاعر حسن التصوير، مرهف الحس، من أهل بلطيم بمصر، ولد ونشأ بها.

دخل المعهد الديني بدسوق، فمعهد القاهرة، فالمعهد الأحمدي بطنطا، ثم كلية الشريعة، فكلية دار العلوم.

ودرّس في مدرسة سان جورج بالقاهرة، ونشر بعض شعره في مجلات الإذاعة والرسالة والثقافة وجريدتي الأهرام والمصري، وعمل في جريدة الأهرام.

ذهب إلى بلطيم ليقضي أيام عيد الأضحى مع أهله، فقضى نحبه منتحراً.

له اثنا عشر ديواناً في كراريس صغيرة، منها مجموعة أسماها (نشيد الصفا -ط).

1951م-
1370هـ-