هدمَ الليلُ ما بناه النهارُ
الأبيات 100
هــدمَ الليـلُ مـا بنـاه النهـارُ واســـتكانت للظلمـــةِ الأنــوار
ومضـى الكـون يشـرب الليـل كأساً عبقريّــــا حبــــابه الأقمـــار
واســتحال الضـجيج صـمتاً رهيبـاً زحمتــــه الأشـــباحُ والأســـرار
أيـن راح النهـار كيـف أتى اللي لُ وفيــم الإشــراقُ فيـم السـرار
هــي حـرب البقـاء تنتظـم الخُـل ق ســـواءً صـــغارهم والكبـــار
وتــداعت فــي الخــافقين قلـوب حيـن طـارت فـي الخـافقين قلـوب
عــــالم جامـــح وحـــظٌّ مشـــِتٌّ وصـــراعُ يشــيب منــه المشــيب
فهنـا قلـب عابـد الخـبز والمـا ءِ جــــراحٌ أحلامــــه ونــــدوب
يتنـــزّى دمــا فلا يجــد الــدم ع يعــزّى بــه الغريــب الغريـبُ
فــإذا اشــتاق مـا يعـاف سـواه فالريـــاض المنضـــرات جـــدوب
وهنـــاك المعربِـــدُ النشـــوانُ قــد تــولّى تربيبَــهُ الشــيطان
مســــتحيلات غيــــره ممكنـــاتٌ فـــي يــديه وقــوله الفرقــان
ولــديه الحيــاة كــأسٌ وحــورا ء وبحــــرٌ أمــــواجه ألحـــان
ولــه الأمــرُ كلمــا شـاء أمـراً وإرادات عقلــــــه ســــــلطان
فــإذا شــاء فالحيــاة اضـطراب وإذا شـــاء فالحيـــاة أمـــان
قلــت يــا نفــس إن هـذا قضـاء قــدّرته قبــل الوجــود السـماء
مــا أردت الوجــود قبـلَ وجـودي وبرغمــي بعــد الوجـود الفنـاء
وأرى القصـرَ تـوأمَ الكـوخ لـولا أن هــــذا فقـــرٌ وذاك ثـــراءُ
وأرانــي لصــاحب القصــر نـورا ولــو أنــي فــي عينــه ظلمـاء
أنــا إن مــتُّ مــات فــنٌّ رفيـعٌ وهـــو إن مـــات طيـــن ومــاء
قــالت النفـس إن دنيـا الأمـاني هـــي دنيــا الخلــود للإنســان
عــش بــه تنــس أنّ عمــرَك ولّـى فــي جحيـم مـن الهـوى والهـوان
وتريــك الكــوخ المحطّــم قصـرا شــائع الظــلِّ ســامِقَ البنيــان
والكســاء الرديـم يمسـي حريـراً كســــــروىّ الظلال والألـــــوان
قلــتُ والواقــع المريـر فقـالت ذاك داء يطَـــــبُّ بالنســـــيان
فطــــويت الأعـــوام والأيامـــا حلمـــاً رائعَ الســـنا بســـّاما
وجهلـــتُ الزمــان فهــو هبــاءٌ ونســـيت المكـــان والأحجامـــا
حيــن شـفّت روحـي فشـاهدتُ قصـراً يتحــــدّى جمــــالُه الأحلامــــا
ورياضــاً تُغَــرد الطيــر فيهــا وتريــق الألحــان تنــدى غرامـا
وعبيـــداً يشــدون شــتّى لحــونٍ فــي حمـى القصـر سـجّداً وقيامـا
وتبعــتُ الحــادي وكــان خيـالا عــاش فـي عـالم المنـى أجيـالا
أيُّ فــــنٍّ ســـامٍ وأيُّ ابتـــداعٍ جمــلّ مــن صــاغ حسـنه وتعـالى
التماثيـــلُ كالأناســـيّ كـــادت تتهــــــادى رشــــــاقة ودلالا
والريـوم الخرسـاء تهتـف بالرائ ي فيجثــــــو أمـــــامهنّ جلالا
نفــخ الفــن روحــه فــي حلاهـا وكســــاها جلالــــةً وجمــــالا
عشـتُ فـي الفَقـرِ كـالأمير المطاع شــــاعريّ الرغـــاب والأطمـــاع
كـــلّ دنيـــاي لـــذّةٌ وجمـــالٌ وانبعــاثٌ إلـى الهـوى والمتـاع
بيــن حــورٍ عيــنٍ وأكـواب خمـرٍ وأغــــانٍ علويّــــة الإيقــــاع
ونــدامى كــالزهر يرجـون صـفوى ويخـــافون ثـــورتي وانــدفاعي
قاســموني مجــدي وظنّـوا نعيمـي خالـــداً غيـــر مــؤذنٍ بضــياع
يــا نــداماي والليــالي تجـورُ بــي حنيــنٌ إلـى البكـا وشـعور
أفرِغــوا أكــؤس المــدام فـإني كــاد قلــبي ممــا يخـاف يطيـرُ
أنـا أخشـى انهيـار مجـدي وأرجو أن يقينـــا أحــداثَه المقــدور
يــا نـداماي يـا لقلـبي وعقلـي هــا هــي الأرض بالبنــاء تـدور
يا لقصرى إذ عربد الريح في الجوّ وشــــقّت لســــاكنيه القبـــور
هبّــت الريــح عاصــفاً مكفَهــرّاً فأحــال القصــر المُمَــرَّد ذكـرى
رب مــا كــان ذلــك القصـر إلا حلمــاً لــم يطـل نعيمـا وعمـرا
خــدعتني نفســي بمـا قـد تمنّـي تُ فهــل كــان مــا تمنيـتُ شـراً
أم ترانـي جبلـت مـن طينـة البؤ سِ فروحــي تـرى الفراديـس قفـرا
أم ترانـــي نهبــتُ أحلام غيــري ولنفسـي منـىً علـى الـدهر أُخـرى
وإذا هــــاتفٌ يهــــزُّ ســـكوني أنـت أخطـأت فـي التمنـي ظنـوني
قلـتُ يـا نفـس قـالت النفس دعني مــا تمنيــت غيــر مــاءٍ وطيـن
ذلــك القصــرُ والنــدامى هبـاءٌ حيــن تصـحو علـى صـراخِ المنـونِ
فاســم عـن بهـرَجِ الـدنى وتطهّـر بألوهيّـــةِ الهـــوى والفنـــون
إن فــي الفــن قــوّتي وخلــودي ويقينـــي إذا افتقــدتُ يقينــي
وكمــا يحلُــم الصــبا بـالغرام وتهيــــم الزهـــور بالأنســـام
رحـتُ أبنـى فـي عالمِ الوهم مجدي فـوق مـا خلّـف الهـوى مـن حطامي
وسـرَرَت بـي الأوهـام تخـترِق الحج بَ إلــى عــالم مـن النـور سـامِ
حيــثُ قــام الأولمـب تمـرح فيـه آلهــــاتُ الأقــــداس والآثـــام
والقرابيـن مـن بنـي الفـنّ تزجى مـــن بنـــات الأفكـــار والأحلام
يـا منـايَ اخلـدي ويـا نفسُ طيبي أصــبحَ الفــنّ كلّــه مـن نصـيبي
أيــن لــي بــالإله رب الأغــاري د أبولّــو يملأ مـن الخلـد كـوبى
ويتـــوَّج رأســـي بمــا ضــفّرته يـــده مـــن أزاهـــر وطيـــوب
فتنــاهى إلــيّ مــن جــانب الأف قِ نـــداءٌ كوسوســـات الحـــبيب
يــا غريـب الفـؤاد لا قيـت أهلاً إنّ ضــيف الأولمــب غيــر غريــب
رنّ هــذا النــداءُ فــي أُذُنيّــا وســرى كــاللهيب فــي أصــغريّا
فكـــأني مزّقـــتُ ثــوبَ تُرابــي وطــويتُ الســماء روحــاً عليّــا
وكــأني أصـبحت فـي خـاطر التـا ريـــخ معنـــى مجنّحــا قدُســِيّا
حيـــن ألفيتُنـــي أنــادِمُ أحلا مــى رحيـقَ الخلـود طهـرا نـديّا
وعــذارى فينــوس يرقصــن حـولي ويمجّـــــدن فنّــــىَ الأبــــديّا
ثـــم يمّمـــن معبـــد الأربــاب حيــث تــوّجن بــالخلود شــبابي
وتغنّيـــــن للإلــــه أبولــــو آيـــةً خلّـــدت علـــى الأحقــاب
كــل مـا فـي الوجـود آيـات فـنٍّ ســوف تفنــى والملــك للوهّــاب
غيــر أنّ الحيــاة بـالفكر ربّـا نيَّـــةٌ طلقـــةٌ بغيـــر حســـاب
كــلُّ عبــدٍ فيهــا إلــهٌ صــغيرٌ يتســامى مــا جــدّ فـي الأسـباب
لتمنّيــــت أن أعيـــش حيـــاتي بيــن تلــك الفـرادس الوارفـات
بيــد أن القيـدَ الـترابيّ أضـنا نـــي فخلّفـــتُ عــالمَ الالهــات
وهبطـــتُ الأرض الشــقية كالنــا ســـِك يغشــى مــواطن الشــهوات
وبــدأت الصــراع فـي زحمـة الأح يــاء ســعيا وراء هـذا الفتـاتِ
وعمــــادي خــــواطرٌ عبقريّـــا تٌ ووحـــيٌ مـــن الســـماوات آت
لــم يكـن يخطـر الشـقاء ببـالي لا ولا الخـوف مـن صـروف الليـالي
كنـــت كالطفـــل رقّــةً وحيــاءً ونزوعــاً إلــى ســماء الخيــال
أحســبُ الأرض جنّــتي أنــا وحـدي لــي فيهــا مـا شـئت مـن آمـال
فـــإذا جنّـــتي ســـرابٌ وآمــا لِـــيَ بيـــدٌ تضـــجُّ بـــالأهوال
وإذا بــي أُجــابِهُ الـدهر فـرداً أرهقتــــه الأيـــام بالأثقـــال
هــذه الأرض لــم تــزد بوجــودي غيــر طيـر يسـمو علـى التقييـد
همّــه الحــبّ والينـابيع والـوك رُ ونجــــوى رفيقـــه الغريـــد
وأنــا طــائر الفنــون فمـا ذن بــي حــتى أحيـا حيـاة الطريـد
ألِأنّـــي أعيـــشُ للفـــنّ أعــرى وأخـو الطيـن نـاعمٌ فـي الـبرود
مــا أذلّ الحيـاةَ إن كـان دنـبي هـو زهـدي فـي الجـوهر المعبـود
روّعَـــت هــذه التهاويــلُ حســّي فاســتوى عنــدها رجـائي ويأسـي
وانتبهنـا أنـا ونفسـي مـن الحُل مِ وكــم ضـاع فيـه يـومى وأمسـي
ليــت يـا نفـسُ والحقـائقُ تبكـي نـا وجدنا في الحلم ما كان ينسى
ليــت يــا خـاطري ودنيـاي بحـرٌ كنـت ترسـي حيـث الحقـائقُ ترسـى
رُبَّ حلــمٍ ودِدتُ لــو عــاش دهـراً ثـــم ولّـــى فكــان ميلاد بــؤس
أنـت يـا نفـسُ سـرُّ هـذا الشـقاء شــدت مجــدي علــى أسـاسٍ هبـاء
مــن ســماء الخيـال عـدتُ لأقتـا تَ تـــرابَ الحقيقـــة النكــراء
وهنــا الكــوخ فــانعمى بحمـاه بجمـــال الطبيعـــة العـــذراء
إن هـذا الوجـود قصـرٌ بنـاه الل ه مـــا بيــن أرضــه والســماء
فــدعيني أعــش كمــا شـاءت الأق دار حيّــــا بقـــاؤُه للفنـــاء
صالح الشرنوبي
177 قصيدة
1 ديوان

صالح بن علي الشرنوبي المصري.

شاعر حسن التصوير، مرهف الحس، من أهل بلطيم بمصر، ولد ونشأ بها.

دخل المعهد الديني بدسوق، فمعهد القاهرة، فالمعهد الأحمدي بطنطا، ثم كلية الشريعة، فكلية دار العلوم.

ودرّس في مدرسة سان جورج بالقاهرة، ونشر بعض شعره في مجلات الإذاعة والرسالة والثقافة وجريدتي الأهرام والمصري، وعمل في جريدة الأهرام.

ذهب إلى بلطيم ليقضي أيام عيد الأضحى مع أهله، فقضى نحبه منتحراً.

له اثنا عشر ديواناً في كراريس صغيرة، منها مجموعة أسماها (نشيد الصفا -ط).

1951م-
1370هـ-