أنا الغريب هنا لا خمرَ أُسقاها
الأبيات 44
أنـا الغريـب هنـا لا خمرَ أُسقاها ولا نـــديم يعـــاطيني حُميّاهــا
أنا الغريب هنا لا الروض يبسم لي ولا أزاهـــرهُ تنـــدى ثناياهــا
هنـــا الخميلاتُ أشــواقٌ مرنّحــةٌ العاشــقون طيــوبٌ فـي حناياهـا
هنـا الخليّـون لـم يُقدَر لراحتهم مـوتٌ ولـم يعـدموا للنفسِ سلواها
هنــا الخليّــون أحسـابٌ وأنسـابُ حبــــائبٌ عبقريّـــات وأحبـــابُ
وخمـــرةٌ تســكِرُ الأحلامَ ريقتُهــا وشــاربون لهُـم فـي السـكر آدابُ
طـارت بهـم نشـوةُ اللقيا وغلّلني قيــدٌ مـن الوحـدةِ الخرسـاء غلّابُ
يـا حسـرتا أنـا محرومٌ وملءُ فمي نجــوى ومِلـءُ دمـي شـوقٌ وتحنـابُ
أنـا الـذي ملّـت الشكوى أناشيدي مـاتت بقلـبيَ حـتى فرحـةُ العيـد
عيـدٌ مضـى قبـل أن تبـدو بشائره وأزهقَــت روحــه أشـباحُ تسـهيدي
كــم مـرّةٍ هزّنـي مـن نـايه نغَـمٌ فرُحـتُ اسـقى المُنـى خمرَ الأغاريد
مــالي أراه كـأنّ الحـزنَ أذهلَـه فلَحنُـــه ذوبُ آهــاتي وتنهيــدي
أنـا الخَلِـيُّ الـذي دنيـاهُ تشبيبُ وحبّــه لهَــبٌ فـي الـروح مشـبوبُ
أنــا الخلِـيُّ وفـي جنـبيَّ ملحمـةٌ خفّاقــةٌ شــعرُها بالنـار مكتـوب
حبّــي أغــانٍ شــريداتٌ وأخيلَــةٌ وهنانـــةٌ وأســـىً دام وتعــذيبُ
حبّــــي جنـــونٌ وأحلامٌ محيّـــرةٌ وفكــرةٌ ســرّها بــالغيبِ محجـوب
خلقــتُ بالشــعر حـوّابي وجنّـاتي وقلـت حسـبي مـن الـدنيا خيالاتي
حـتى أفقـتُ علـى حـواء تهتـف بي وفــي دمــي دمٌ عـاتي الصـباباتِ
فصـِحتُ يـا ويـحَ مـن أنسَته فكرتُه أنّ الحيـاةَ هـوىً سـامي الصباباتِ
يـا ويـحَ لـي ولِفَـنٍّ كنـت خـالِقَه واليــوم خــالقُه فـنُّ السـَماواتِ
أســلوَةٌ أنــا مـالي لا تنـاديني حـوّاءُ فكـري إلـى حـبّ المجـانين
حــبّ الألوهيّــة النشـوى بعفّتهـا وعـــزّةٍ عرفَـــت ذُلّ المســـاكين
هنـاك تحلـو انطلاقـاتي وتعرفُنـي نفســي ويغرقنــي مـوجُ الأفـانينِ
وشــاعرٍ بـالهوى والمجـدِ مفتـونِ
هنــاك حيــثُ شـربنا خمـرةَ الأزَلِ وكــان قلبُـكِ يحكـي نشـوة الأمـلِ
وكنـتِ منّـى مكـان السـحر للمقـلِ وكنـتُ منـك مكـان الشـاعر الغزلِ
وقلـت لي أنا قلتُ الكونُ بعضُ أنا وقلـتِ أنـت فقلـتُ الموت أهنأُ لي
يـا طيـبَ مـا مرّ من أيّامِ فطرتنا يـا بُـؤسَ ما أبقت الأيام من أجلى
حـوّاءُ مـا طـابت النجـوى لمُنتحِب عـودي إلـى آدمٍ فـي التيه مغتوب
لـم يُنسـِه الفـنّ أن الحـبّ خالقُه وأنّ أمــواجهُ فـي الحـبّ كـالحبَبِ
وكيـف ينسـى وفـي عينَيـه جائعـةٌ أرادهـا اللَـه أن تقتـات بالنوَبِ
روحٌ مــن الملإِ الأعلــى تقاسـمَها ســجنٌ وحُرِّيّــةٌ مجهولــة الســبَبِ
يــا فـنّ إنّـك مـن حـواء مجبـولُ يــا شـعرُ معنـاك ضـمّاتٌ وتقبيـل
لا تبكيـــاني فللحرمــان آخــرةٌ ولا تظُنّــا فبعــضُ الظــنِّ تخبيـلُ
إنّـي أُريـد الهـوى أفكـار ملهمةٍ فنّانــةٍ ملـءُ دنياهـا التهاويـلُ
أُريــدُها قبسـاً يهـدى إلـى قبـس مغيّـــب نـــوره يــأسٌ وتأميــل
أُريـد حـواءَ مـن صـنع المقـادير أســطورةً شــربت خمــرَ الأسـاطير
مخلوقــةً مـن سـبيئاتِ القـوارير والــذكريات وأنفــاس المزاميـر
أُريـــدها فكــرةً للَــه خالــدةً خلــودَ روحـي وأشـجاني وتفكيـري
أسـمو بهـا ثـم تسمو بي إلى فلكٍ يفنـى علـى نـورهِ قلـب السمادير
أُريــدُها كالآمــاني صـدقُها كـذِبٌ أُريـدها فرحـة طـافَت بهـا النوَبُ
أُريـــدها بنــت أيّــامِ معذّبَــةٍ وأنفـسٍ فـي جنـان الشـوك تضـطربُ
أُريــدُها ولهـا مـن نُبلهـا نسـَبُ ومــن جلالتِهــا فـي ضـعفها حسـبُ
وآه منهــا ومــن وهــمٍ يمثّلهـا حــتى إذا شـمتُها تنـأى وتحتجـب
صالح الشرنوبي
177 قصيدة
1 ديوان

صالح بن علي الشرنوبي المصري.

شاعر حسن التصوير، مرهف الحس، من أهل بلطيم بمصر، ولد ونشأ بها.

دخل المعهد الديني بدسوق، فمعهد القاهرة، فالمعهد الأحمدي بطنطا، ثم كلية الشريعة، فكلية دار العلوم.

ودرّس في مدرسة سان جورج بالقاهرة، ونشر بعض شعره في مجلات الإذاعة والرسالة والثقافة وجريدتي الأهرام والمصري، وعمل في جريدة الأهرام.

ذهب إلى بلطيم ليقضي أيام عيد الأضحى مع أهله، فقضى نحبه منتحراً.

له اثنا عشر ديواناً في كراريس صغيرة، منها مجموعة أسماها (نشيد الصفا -ط).

1951م-
1370هـ-