الأبيات 62
مـا أنـس لا أنـس أيامـاً نعمت بها فــي ظلــه وكلانــا ضـاحك الجـذل
وقـــوله لـــي فــي دل ومعتبــة وقـد رآنـي عـن السـمار فـي شـغل
يـا قاتـل اللَه وسواس الغرام وما كسـاك مـن صـنعة الأشـجان والغلـل
أنصـب حبائلـك اللاتـي عرفـت بهـا فــإن شــعرك ســحر نافـذ العمـل
مــاذا تريـد بـأطراق وقـد ضـحكت وجــوه ليلتنــا علـى غـرة الأمـل
هـذا الشـراب وهـذي الكـأس مترعة فاشـرب وهـات اسـقنيها غير محتفل
أمـا نهيتـك عـن هـذا أمـا وأبـى لأوســعنك تأديبــاً علــى الزلــل
نفسـي فـداؤك مـن جـاف كلفـت بـه ســقاني الشـهد فـي أيامنـا الأول
وليلـــة كظلام اليـــأس طاخيـــة بلا نجــــوم ولا بـــدر ولا شـــعل
مضــيت فيــه إليــه غيــر مـتئد يحـدوني الشـوق حـدوا غير ذي مهل
وقلــت إنــي ضــيف لا يريـد قـرى ألا الحــديث ومـا أنتـم ذوي بخـل
وظلـــت أروي خرافـــات وأســمعه حــديث قلــبي منحــولاً إلـى الأول
وســرني أننــي فيمــا رويـت لـه عنهـم أقـول لـه فـي غيـر ما وجل
إنــي أحبــك حبــا طاغيـاً فزعـاً عفّـاً ومـالي بهـذا الحـب مـن قبل
وليــس قــدماً ولا غــراً فاخــدعه لكـن نصـيباه مـن فهـم ومـن خجـل
فقــال ويحــك إمــا أنـت مختبـل أو أنـت تلهـو أصـناف مـن الخطـل
فقلـت لـم تخـط بـي خبـل وبي عبث ممـا دهـاني مـن الأوجـاع والعلـل
وفــي الفـؤاد ضـرام لا دخـان لـه وأخبـث النـار مـا تخفي عن المقل
وفــي العــروق سـمو لا طيـب لهـا وفــي المحـاجر دمـع غيـر منهمـل
فلا يغرنــك ضــحكي حيــن تبصـرني فــذاك ســخر فــؤاد ضـيق الحيـل
والمـرء يضـحك مـن يـأس ومـن جذل وقـد ترى الوشي في الأكفان والحلل
كـم هـم قلـبي بإفصـاح ولـم يقـل وهــم دمعــي بتســكاب ولـم يسـل
صـب الزمـان بقلـبي النـار سائلة وجـف دمعـي فيهـا لهفي على البلل
فـإن تطـق فاسـل دمعـاً شـقيت بـه إن الشـفاء مسـيل المـدمع الخضـل
فلــم يطــق وبكـى عنـي فـواحزني ليـت الـذي سـح من عينيه يقسم لي
إنــي لأذكــر يومــاً صـالحاً معـه مـا زلـت مـن حسنه كالشارب الثمل
والشــمس جانحــة حــتى لتحسـبها لاذت أمــام جيـوش الليـل بالجفـل
والنيـل يجـري كمـا نجري لغايتنا وكـل شـيءٍ مـن الـدنيا إلـى أجـل
فقــال بعــد ســكوت خفـت روعتـه أنظـر إلـى الشمس في ثوب من الأصل
فقلــت ألهــو بــه والجـد متبـة وأحسـن القـول مـا ألهى عن الملل
لقـد سـبت قبلـك الشمس التي غربت رب البحــار ذوات الغـارب الزجـل
ألســت تعلــم أن الشــمس زوجتـه تبغيـه تحـت سـتار الليـل والطفل
فقــال لا تهـذ يـا هـذا لتضـحكنا لقــد عرتــك وربـي لوثـة الـدخل
أمــا تــزال فـتى العقـل طائشـه كهـل المجانـة وثابـاً إلـى الخبل
أمــا يجــل حــديث عــن مهازلـة ولا يــدرك عنهــا قحمــة العقــل
فقلـت واللَـه مـا إن افـترى كذباً لكنمـا أنـت فـي ليـل مـن الجهـل
سـل عنهمـا صادة الأسماك هل سمعوا فـي فحمـة الليـل مثلي رنة القبل
وربمـــا هــاجه صــيفاً تلكؤهــا فـأمطر السـخط شـؤبوبا مـن العذل
وظلــت أضــحك منـه وهـو ينهرنـي حتى انقضى الليل لم يقصر ولم يطل
ليـت المحـبين مثـل الشـمس كلهـم قد زوجوا النار ماء القرب والغزل
ويــوم قلــت لــه والسـن ضـاحكة والعيـن شاخصـة والقلـب فـي ثكـل
أزمعــت عنــك رحيلاً لا أيــاب لـه فقــال بـل أنـت ظـلٌّ غيـر منتقـل
فقلــت بشــرى ولكنــي علـى سـفر مـن ذا أقـام كنجـم القطب لم يحل
فقـال ألشـام قلـت الشـام فاتنـةٌ جناتهــا وســماء الأعيــن النجـل
لكننــي لســت طياشــاً ولا رهقــا ولسـت أحسـن لعـن الـدين والملـل
فقــال بئس لعمـري أنـت مـن دعـب فـي كـل أمر وبئس الخلق في الرجل
فقلــت ويحــي إنــي لا أريـد ردى لكــن حيــاة وإنـي لسـت بالبطـل
وفــي الشـآم لحـاظ لا أمـان لهـا يحوطهــا كــل مقـدام علـى الأجـل
لكــن تأمـل نجـوم الليـل قاطبـةً وأيــن نجمــي بـي الأنجـم الحلـل
أظنــه ضــل بيــن الشـهب غـايته مثلـي على الأرض بين الوهد والقلل
يـا معرضـاً أنت نجمي غبت عن نظري ومــا ضــللت ولكـن شـيمة الملـل
وأنــت فـي العيـن أنـوارٌ ملمعـة وأنـت في القلب برد العارض الهطل
وأنــت تـاج خلـود لـي أتيـه بـه وقـد غنيـت عـن النسـرين والنفـل
وأنــت بالليـل حلـم غيـر منقطـع وأنـت فـي الصـبح عـزم غيـر متصل
وأنـت جبريـل تـوحي لـي وأنظم ما تــوحيه مـن غـرر الآيـات والجمـل
وأنـت فينـا نـبي الحسـن لا كـذبا وللهــو مرســل مـن أفصـح الرسـل
إن كنـت فكـرت فـي هجـر وفـي بعد فـأنت فـي القلـب ثـاوٍ غير مرتحل
لا يخـــدعنك حســـن أنــت لابســه فلابـس الحلـى فـي الدنيا إلى عطل
يـا زهـرة الحسـن لا يخدعك رونقها إن الربيــع قصـير العمـر والأجـل
إن النـدى لحيـاة الزهـر يضـر به والحـب للحسـن طلّـق ليـس بالوشـل
فصــن جمالـك إمـا شـئت فـي كلـلٍ وادفنـه إن شـئت في قبر من الجهل
ليـس اختيـاراً رضـانا مـا يكلفنا صــرف الغــرام تكـثر مـن العـذل

إبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني.

أديب مجدد، من كبار الكتاب، امتاز بأسلوب حلو الديباجة، تمضي فيه النكتة ضاحكة من نفسها، وتقسو فيه الحملة صاخبة عاتية.

نسبته إلى (كوم مازن) من المنوفية بمصر، ومولده ووفاته بالقاهرة.

تخرج بمدرسة المعلمين، وعانى التدريس، ثم الصحافة وكان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنكليزية.

ونظم الشعر، وله فيه معان مبتكرة اقتبس بعضها من أدب الغرب، ثم رأى الانطلاق من قيود الأوزان والقوافي فانصرف إلى النثر.

وقرأ كثيراً من أدب العربية والإنكليزية، وكان جلداً على المطالعة وذكر لي أنه حفظ في صباه (الكامل للمبرد) غيباً، وكان ذلك سر الغنى في لغته.

وعمل في جريدة (الأخبار) مع أمين الرافعي، و(البلاغ) مع عبد القادر حمزة وكتب في صحف يومية أخرى، وأصدر مجلة (الأسبوع) مدة قصيرة، وملأ المجلات الشهرية والأسبوعية المصرية بفيض من مقالاته لا يغيض.

وهو من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة.

له (ديوان شعر - ط)، وله: (حصاد الهشيم - ط) مقالات، و(إبراهيم الكاتب - ط) جزآن،قصة، و(قبض الريح - ط)، و(صندوق الدنيا - ط)، و( ديوان شعر - ط) جزآن صغيران، و(رحلة الحجاز - ط) و(بشار بن برد - ط)، وترجم عن الإنكليزية (مختارات من القصص الإنجليزي - ط) و(الكتاب الأبيض الإنجليزي - ط).

1949م-
1368هـ-

قصائد أخرى لإبراهيم عبد القادر المازني