وله في المعتضد بالله:
ويجدر أن انقل إلى هذه الصفحة ما حكاه ابن الأبار في الحلة السيراء قال: (ولما عظم عيث الطاغية أذفونش بن فرذلند، وتطاول إلى الثغور، ولم يقنع بضرائب المال، انتدب للتطوّف على أولئك الرؤساء القاضي أبو الوليد الباجي، يندبهم إلى لم الشعث ومدافعة العدو، ويطوف عليهم واحداً واحداً، وكلهم يصغي إلى وعظه. وازدلف خلال ذلك إلى سبتة أمير المغرب حينئذ - أبو يعقوب يوسف ابن تاشفين اللمتوني - حسبة ورغبة في الجهاد، وقد دانت له بلاد العدوة، وسأل من سقّوت بن محمد صاحب سبتة أن يبيح له فرض الإجازة إلى الأندلس، فأبى وتمنع من ذلك، فأفتى الفقهاء بقتاله لصده عن سبيل الله، فقتل هو وابنه في خبر طويل. وفتح الله على ابن تاشفين سبتة، وأمكنه الحصول على مراده بذلك.وعلم المعتمد محمد بن عباد تصميمه على نيته، فخاطب جاريه: صاحب بطليوس وصاحب غرناطة، في تحريك قاضيها إلى حضرته للاجتماع بقاضي الجماعة بقرطبة.
فوصل من بطليوس قاضيها أبو إسحاق بن مقانا، ومن غرناطة قاضيها القليعي، واجتمعا في إشبيلية بالقاضي أبي بكر بن أدهم، وانضاف إليهم الوزير أبو بكر محمد بن أبي الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون. وتوجهوا جميعاً إلى ابن تاشفين، على شروط لا تتعدى إلى غيرها. ووصلوا إلى الجزيرة الخضراء - وعليها يزيد بن المعتمد، الملقب بالراضي – ثم أجازوا البحر منها، واجتمعوا بابن تاشفين مرة بعد مرة. وتفاوضوا في مكان تنزله العساكر، فأشار ابن زيدون بجبل طارق، وسئل الجزيرة الخضراء فلم يوجد سبيلاً إليها، فما قوبل بشكر ولا لوم، وأصدر هو وأصحابه دون علم بالمراد. ومشاورة الفقهاء من ابن تاشفين تستتب، وفتواهم لا تغب، فلم يرع إلا الشروع في الإجازة، ولم يشعر إلا والجزيرة الخضراء في مثل حلقة الخاتم من الجيوش الكثيفة. وفتحت لهم أبوابها، وأخرجت إليهم مرافقها؛ فطيّر الراضي حماماً إلى أبيه بذلك، فأذنه بتركها والارتحال عنها إلى رندة، ففعل..إلخ