يا بعد صبرك أتهموا أم أنجدوا
قدّم ابن بسام في (الذخيرة) لهذه القصيدة بقوله: (ودخل بغداد والحرمان قد كساه سرابيل، ورماه بطير أبابيل، وقاضي قضاتها السمناني ناصح الدين تاج الإسلام يباري القطر، ويحلي ديباج الفقر، فقلده معهود تحفيه، وسقاه ماء أمانيه، وأهبه من نوم فاقته، وطبه بجودٍ أسرع في إفاقته، واشتمل عليه اشتمالاً مع صون ماء وجهه عن إراقته، أناله ما أحسبه والله وأكسبه، فاقتصر على نداه، واهتصر أفنان جناه. وقال يمدحه) ثم ذكر الأبيات، وأهمها قوله:



هذا الشهاب المستضاء بنوره         علم الهدى هذا الإمام الأوحد



هذا الذي قمع الضلالة بعد ما         كانت شياطين الضلال تمرد



والسمناني هذا هو أبو جعفر محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد السمناني، أكبر تلاميذ أبي بكر الباقلاني، وهو الذي شنع عليه ابن حزم وعلى تلميذه الباجي في كتابه (الفصل) في كلام خطير، يضم إلى مفتريات ابن حزم على الأشاعرة. وكلام ابن حزم في الفصل يناقضه ما نقله عنه ابن بسام قال: (بلغني عن الفقيه أبي محمد بن حزم أنه كان يقول: لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي، وقد ناظره بميورقة (1) ففل من غربه، وسبب إحراق كتبه، ولكن أبا محمد وإن كان اعتقد خلافه، فلم يطرح إنصافه، أو حاول الرد عليه، فلم ينسب التقصير إليه) وقد ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد وهو أكبر منه، فقال: كتبت عنه وكان ثقة عالماً فاضلا سخيّاً حسن الكلام عراقي المذهب، ويعتقد في الأصول مذهب الأشعَرِيّ. وكان له في داره مجلس نظر يحضره الفقهاء ويتكلمون.إلى أن قال: (سَمعت السمناني سئل عن مولده فقال: ولدت في سنة إحدى وستين وثلثمائة. ومات بالموصل وهو على القضاء بها وكانت وفاته في يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الأول من سنة أربع وأربعين وأربعمائة) قال: وحدثني من حفظه بعد أن كف بصره ...إلخ



ومن أخباره في تاريخ ابن الأثير أنه تقلد الحسبة والمواريث في بغداد عام (412هـ) ثم قلد قضاء الرصافة وباب الطاق سنة (415) وفي هذه السنة بعثه الخليفة القادر بالله  إلى قرواش عام (415هـ) يطلب منه إبعاد الوزير المغربي عن سامراء وذكر مثل ذلك في حوادث سنة (416)، وفي سنة (418) كان سفير الخليفة إلى جلال الدولة (فيروزجرد المتوفى سنة  435هـ بتجديد العهد له. وقال في ترجمة ابنه أبي الحسين السمناني (وكان هو وأبوه من المغالين في مذهب الأشعري، ولأبيه فيه تصانيف كثيرة، وهذا مما يستطرف أن يكون حنفي أشعرياً) (وهو كلام ابن الجوزي في المنتظم).وجدير بالذكر أن أبا الحسين أيضا كان من شيوخ الخطيب البغدادي، وقد توفي بعد البغدادي بثلاث سنوات، قال في ترجمته: كتبت عنه شيئاً يسيراً وكان صدوقاً تقلد القضاء بباب الطاق وتولى أيضاً قطعة من السواد ولد بسمنان في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة). وفي كتاب (الجواهر المضية في طبقات الحنفية) حكاية طريفة ملخصها أن أبا القاسم الرحبي (ت493هـ) المعروف بابن السمناني ادعى أنه ابن أبي جعفر وجرت له بسبب هذه الدعوى قصة طويلة

وأنبه هنا إلى أن تاريخ ولادته ووفاته في (البداية والنهاية) لابن كثير في وفيات سنة 344 زلة قلم، نقلها عن المنتظم لابن الجوزي، وقد كرر ابن الجوزي ترجمته مرتين، الأولى وهي الخطأ سنة 344 والثانية وهي الصواب سنة 444

وقد وقع خطأ فني في نشرات الموسوعة السابقة لهذه القصيدة، فجاءت الأبيات الستة الأخيرة في قصيدة مستقلة عن هذه القصيدة، وكما قلت فإن كل شعر أبي الوليد الباجي مستل من ترجمته في كتاب الذخيرة لابن بسام. ملاحظة: قوله في البيت 12 (وأبر ما سبق المشيب المولد) هي كذلك في (الذخيرة) لابن بسام ولعل الصواب (وابتز ما سبق المشيب المولد) تلميحا إلى قول أبي تمام :



كَم صارِمٍ عَضبٍ أَنافَ عَلى فَتىً       مِنهُم لِأَعباءِ الوَغى حَمّالِ



سَبَقَ المَشيبَ إِلَيهِ حَتّى اِبتَزَّهُ       وَطَنُ النُهى مِن مَفرِقٍ وَقَذالِ
الأبيات 23
يــا بعــد صــبرك أتهمـوا أم أنجـدوا هيهــــات منــــك تصــــبر وتجلّــــد
يــــأبى ســــلوّك بــــارقٌ متــــألق وشــــميم عــــرف عــــرارةٍ ومغـــرد
فـــي كـــل أفــق لــي علاقــة خولــة تهـــدي الهـــوى وبكـــلّ أرض ثهمـــد
مـــا طــال عهــدي بالــديار وإنمــا أنســــى معاهــــدها أســـى وتبلّـــد
ولقــد مــررت علـى المعاهـد بعـد مـا لبـــس البـــداوة رســـمها المتأبّــد
فاســـتنجدت مـــاء الــدموع لــبينهم فتتـــابعت حـــتى تـــوارى المنجـــد
طفقــت تســابقني إلــى أمــد الصــبا تلـــك الربــى ومنــال شــأوي يبعــد
لــو كنــت أنبــأت الــديار صــبابتي نحـــل الصـــفا بفنائهـــا والجلمــد
للَــــه أيــــامُ الشـــباب وحســـنها وغصـــــونهنّ المائســـــات الميّــــد
أيــــام أنفـــض للمـــراح ذؤابـــتي بيـــن اللـــدات ودرع بـــردي مجســد
أتقنّــص الظبيــات فــي ســبل الصــبا فيصــــيدهن لـــي العـــذار الأســـود
حـــتى علانـــي الشـــيبُ قبــل تحلّــم وأبـــرّ مــا ســبق المشــيب المولــد
وحجيــت ســنّ الحلــم فـي زمـن الصـبا وبصـــرت فالتـــاح الســـبيل الأقصــد
وســـقتني الـــدنيا زعـــاق خمارهــا وســـعى إلـــيّ مــن الخطــوب معربــد
مــا هــالني صــعب المــرام ولا الـذي تســــتبعد الأيــــام عنـــدي يبعـــد
أســـتقرب الهـــدف البعيـــد بهمـــة أدنـــى منازلهـــا الســها والفرقــد
أســـري إذا اعتكـــر الظلام وقـــادني أمـــــل مطــــالبه العلا والســــؤدد
حيث التقت ظبة السماحة والعلا ورســــت قواعــــده وحـــل المقـــود
فجنـــابه لا يســتباح، وجــاره لا يستضـــام، ونبعـــه لا يقصـــد
حـرم المكـارم لا ينـال فنـاءه ذام ولا للفضـــــل عنـــــه مبعــــد
عـالي محل النار في كلب الشتا إذ بالحضــــيض لغيــــره مســــتوقد
هـذا الشـهاب المستضـاء بنـوره علـــم الهــدى هــذا الإمــام الأوحــد
هذا الذي قمع الضلالة بعد ما كـــانت شـــياطين الضـــلال تمـــرد
أبو الوليد الباجي
18 قصيدة
1 ديوان


سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي، أبو الوليد الباجي. فقيه مالكي كبير من رجال الحديث، أصله من بطليموس ومولده في باجة بالأندلس (1) رحل إلى الحجاز سنة 426هـ فمكث ثلاثة أعوام، وأقام ببغداد ثلاثة أعوام، وبالموصل عاماً، وفي دمشق وحلب مدة، وعاد إلى الأندلس فولي القضاء في أنحائها، وتوفي بالمرية. له: (السراج في علم الحجاج)، و(إحكام الفصول في أحكام الأصول)، و(التسديد إلى معرفة التوحيد)، و(اختلاف الموطآت)، و(شرح فصول الأحكام وبيان ما مضى به العمل من الفقهاء والحكام -خ)، و(الحدود)، و(الإشارة -خ) رسالة في أصول الفقه، و(فرق الفقهاء)، و(المنتقى -ط) كبير في شرح موطأ مالك، و(شرح المدونة).

وقال الفتح ابن خاقان في آخر ترجمته له في "القلائد" (وناظر ابن حزم، ففلّ من غربه، وكان سبباً لإحراق كتبه).

وقد وصف ابن بسام أشعاره بأنها (ملأت بفوائدها وطرفها المشارق والمغارب ... حتى جن الإحسان بذكره، وغنى الزمان بغرائب شعره، واستغنت مصر والقيروان بخبره عن خبره، ولم تزل أقطار تلك الآفاق تواصله، وعجائب الشام والعراق تغازله، حتى أجاب، وشد للركاب، وودع الأوطان والأحباب، فرحل سنة ست وعشرين، فما حل بلداً إلا وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره،) إلى أن قال: (ثم نازعه هوى نفسه، إلى مسقط رأسه، ومنبت غرسه، من أرض الأندلس، فورد وعشب بلادها ناب وظفر، وصوب عهادها دم هدر، ومالها لا عين ولا أثر، وملوكها أضداد، وأهواء أهلها ضغائن وأحقاد، وعزائمهم في الأرض فساد وإفساد، فأسف على ما ضيعه، وندم لو أجدى عليه ذلك أو نفعه، على أنه لأول قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة بصلة ما انبتَّ من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعون لو صادف أسماعاً واعية، بل نفخ في عظامٍ ناخرة، وعكف على أطلال داثرة ...) وقال ابن بشكوال في كتابه الصلة: (وقرأت بخط القاضي محمد بن أبي الخير شيخنا رحمه الله قال: توفي القاضي أبو الوليد رحمه الله بالمرية ليلة الخميس بين العشائين وهي ليلة تسعة عشر خالية من رجب، ودفن يوم الخميس بعد صلاة العصر سنة أربع وسبعين وأربع مئة. ودفن بالرباط على ضفة البحر وصلى عليه ابنه أبو القاسم. قال: وولد يوم الثلاثاء في النصف من ذي القعدة سنة ثلاثٍ وأربع مئة بمدينة بطليوس).



(1) قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: (أصله من مدينة بطليوس فانتقل جده إلى باجة المدينة التي بقرب إشبيلية فنسب إليها وليس هو من باجة القيروان التي ينسب إليها الحافظ أبو محمد الباجي ... ثم قال في خاتمة ترجمته: وأما الحافظ ابن عساكر فذكر أن أبا الوليد قد كان أتى من باجة القيروان تاجراً يختلف إلى الأندلس قلت: هذا أقوى مما ابتدأنا به وصار الباجيان نسبتهما إلى مكان واحد) وقال المقري نفح الطيب: (وأصله من بطليوس، وانتقل جدّه إلى باجة قرب إشبيلية، وليس هو من باجة القيروان)
1081م-
474هـ-

قصائد أخرى لأبي الوليد الباجي

أبو الوليد الباجي
أبو الوليد الباجي

القصيدة في نرجمته في كتاب تاريخ الإسلام للذهبي

أبو الوليد الباجي
أبو الوليد الباجي

البيتان في ترجمته في كتاب الوافي للصفدي، وأتبعهما بثلاثة أبيات تحققت أنها من شعر الجياني، ويبدو أن ابن شاكر شعر بذلك فاكتفى بنقل هذين البيتين

أبو الوليد الباجي
أبو الوليد الباجي

البيتان اشهر شعره، ضمنهما المثل السائر (الدنيا ساعة فاجعلها طاعة) وقد ذكرهما معظم من ترجم له، وغالبهم لم يذكر من شعره سوى البيتين، لذلك يمكن اعتمادهما كدليل لمواطن ترجمته: فمن ذلك تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وهو اكبر منه، قال: أنشدني أبو

أبو الوليد الباجي
أبو الوليد الباجي

وقوله في صفة قلم: