القصيدة هي أهم قصيدة قالها شاعر في القرن السادس الهجري، ضمّن فيها الكثير من ميمية المتنبي: (يا ويح قلبي ممن قلبه شبم) ولها تخميس مشهور، من نظم أسامة نفسه، يعتبر قطعة من تاريخ السياسة وأسرارها، وقد عارضها أبو الثناء الشيزي " من شعراء الخريدة" رد بها على أسامة على لسان أنر، وفيها قوله:
أَبلغ أُسامَةَ عن ذي النّصح مَأْلُكَةً فيها البصائر والآداب والحِكَمفي أَيّ دينٍ يُجازي المحسنون بما يَسُوءهم ولماذا تُجْحَد النِّعَم
وهو والد أبي الغنائم مسلم بن محمود بن نعمة بن أرسلان الشيزري صاحب كتاب "عجائب الأسفار وغرائب الأخبار" وتجد نبذة عنه في نافذة من التراث في التعريق بكتاب ابنه.. وقصيدة أسامة "رسالة تنديد وتحذير" وجهها أسامة بن منقذ عام 543هـ إثر مفارقته دمشق إلى أتابكها معين الدين أنر (ت 544هـ)، والد "عصمت خاتون" التي تزوجها نورالدين، ومن بعده صلاح الدين، وهو يحذره في الرسالة من مكايد بني الصوفي، ويعتب عليه اتفاقيته التي عقدها مع الفرنجة وأسفرت عن اتفاقية "بانياس مقابل دمشق" (1). وكان ذلك عام (543هـ) لما دخلت جيوش الفرنجة بقيادة ألمانيا إلى دمشق وفرضوا فيها كلمتهم، (2) وكان أسامة وأخوته قد طردهم عمهم من شيزر سنة 524 فلجأوا إلى نور الدين في دمشق وأسامة في عنفوان شبابه ومولده عام (488هـ). وكان معين الدين أنر هو المسيطر والمتحكم في قرارات صاحب دمشق مجير الدين أبق بن تاج الملوك بوري بن الأتابك طغتكين. وكان أنر مملوكاً للملك طغتكين. وطغتكين من غلمان السلطان تتش السلجوقي، وتتش هو أخو السلطان ملكشاه. وفي أخبار شهاب الدين محمود وهو (أخو أبق) نبذة من أخبار هذه الأسرة، وهي أسرة لم تكتب لها شهرة بني زنكي، وكانت بينهم منافسة على بلاد الشام والجزيرة، بويع للشهاب محمود بملك دمشق في ربيع الأول من سنة (529هـ) وبعد شهرين كانت جيوش عماد الدين زنكي تحاصر دمشق، مما اضطر الخليفة في بغداد للتدخل، وإبرام صلح بين الأسرتين، كان من بنوده أن يخطب لهما معا في جامع دمشق. ثم خرق شهاب الدين الاتفاقية، وانتزع حمص من عمال آل زنكي، وأقطعها لمعين الدين أنر وذلك يوم 22 ربيع الأول من عام 530هـ فجن جنون عماد الدين زنكي وقصد دمشق، وحاصرها حتى أذعنت واستسلمت وعقد بين الأسرتين اتفاقية عام 533 ومن بنودها أن يتزوج عماد الدين زنكي بزمرد خاتون، أم الشهاب محمود، فتزوجها وعاد إلى الجزيرة، فلم تمض أيام حتى فجعت بمصرع ابنها الشهاب محمود، قتله ثلاثة من غلمانه، فقبض معين الدين أنر على اثنين منهم فصلبهما، وكتب إلى ملك بعلبك جمال الدين محمد وهو أخو شهاب الدين محمود، فبايعه ملكا لدمشق، وكتبت زمرد إلى عماد الدين زنكي بذلك فعاد وحاصر دمشق شهورا من عام 534 فتوفي جمال الدين في ذلك الحصار، فأحضر معين الدين ابنه "أتق" وجعله ملكا على دمشق، ولقبه "مجير الدين" وذلك في شعبان من سنة 534هـ ودمشق في حصار زنكي فكان من خبر أنر ما هو مشهور من مراسلته ملوك الفرنجة لتخليصه من زنكي، واستمر عماد الدين زنكي في مناوشتهم والتنغيص عليهم وحرق قرى بساتينهم وملكاناتهم إلى أن تمكنوا من اغتياله عام 541هـ وكان قد تمكن من احتلال بعلبك وجعل نائبه عليها نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، ومن هنا يقال: إن صلاح الدين قضى طفولته في بعلبك وكان يوم اغتيال زنكي في التاسعة من عمره. فلما قتل زنكي خاف نجم الدين فخضع لأنر واختار موادعته وتنازل عن بعلبك مقابل أن يعيش مكرما مرفها في قصر منحه إياه في دمشق وأقطعه عدة قرى من غوطتها. وبقيت دمشق بيد مجير الدين إلى أن ملكها نور الدين محمود بن زنكي بعد اتفاقية سنة (549هـ) والتي كان من بنودها أن تكون حمص لمجير الدين إقطاعا، ثم فسدت الاتفاقية، وخاف مجير الدين على نفسه ولجأ إلى بغداد، فأقام فيها حتى توفي، وتزوج نور الدين عصمت خاتون ابنتة معين الدين أنر، و وزال نجم أبناء طغتكين إلى أبد الآبدين
قال العماد الأصفهاني وهو من أصدقاء أسامة، في كتابه "خريدة القصر": (وله قصيدة مشهورة كتبها إلى دمشق بعد خروجه منها إلى مصر في زمان بني الصوفي، كتبها إلى الأمير أنر، ويشير إلى بني الصوفي ، أنشدنيها لنفسه وهي ذات تضمين :
وَلُوا ولمّا رَجَوْنا عَدْلَهُمْ ظَلَموا فليتَهُمْ حَكَموا فينا بما عَلمِوا
...إلخ
قال أبو شامة في كتابه "الروضتين" معلقا على البيت الخمسين
وما طُمانُ بأولى من أُسَامَةَ بال وفاءِ لكنْ جرى بالكائِن القَلمُ
: (وطمان المذكور خادم تركي كان لأتابك ملك الأمراء زنكي بن آق سنقر، هرب من خدمته إلى دمشق، فطلبه ولج فيه؛ فاشتمل عليه معين الدين للجنسية، وحماه. فلما لج فيه سيره إلى العرب.وقام له بما يحتاج إلى أن رده لخدمته بدمشق. وبقي أسامة بمصر إلى أن خرج منها مع عباس، كما سبق ذكره، وأسر الفرنج أخاه نجم الدولة محمد بن مرشد، وطلب من ابن عمه ناصر الدين محمد بن سلطان، صاحب شيزر، الإعانة في فكاكه فلم يفعل. قال: وادخر الله سبحانه أجر خلاصه وحسن ذكره للملك العادل نور الدين، رحمه الله، فوهبه فارسا من مقدمي الدّاوية، يقال له المشطوب، قد بذل الإفرنج فيه عشرة آلاف دينار، فاستخلص به أخاه من الأسر وبلغ أسامة أن القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري أنشد نور الدين:
ملكُ بنى منقذ تولى وكان فوق السِّماك سمكُهْ
فاعتبروا، وانظروا، وقولوا سبحان من لا يزول ملكه
والمعروف ملك بني برمك، فغيره المنشد لما تمثل به في غرضه. فأجازهما أسامة، بهذه
الأبيات:
وكل ملك إلى زوال لا يعتري ذا اليقين شكه
إن لم يزل بانتقال حال أزال ذا الملك عنه هلكه
والله رب العباد باق وهالك نده وشركه
فقل لمن يظلم البرايا غرك إمهاله وتركه
تنس ذنوبا عليك تحمى يحصرها نقده وحكه
كم ناسك نسكه رياء أوبقَه في المعاد نسكه
فاحذر فما يختفي عليه من عبده صدقه وافكه
(1) ومن نوادر ما يذكر في هذا الصدد ما حكاه ابن الأثير من أخبار نورالدين عندما حرر بانياس من الفرنجة: قال (ولما فتح نور الدين حصن بانياس كان ولد معين الدين أنر الذي سلم بانياس إلى الإفرنج قائماً على رأسه، فالتفت إليه وقال له: للناس بهذا الفتح فرحة واحدة، ولك فرحتان، فقال: كيف ذلك؟ قال: لأن الله تعالى اليوم برّد جلدة والدك من جهنم. وقد تقدم أنه كان صانع بها عن دمشق لما نزل الفرنج عليها.
(2) قال الإمام الذهبي في تاريخه: (وفي سنة 543 جاءت ثلاثة ملوك من الفرنج إلى القدس، منهم طاغية الألمان، وصلوا صلاة الموت، وفرقوا على جندهم سبع مئة ألف دينار، فلم يشعر بهم أهل دمشق إلا وقد صبّحوهم في عشرة آلاف فارس وستين ألف رجل، فخرج المسلمون فارسهم وراجلهم، والتقوا، فاستشهد نحو المئتين، منهم الفندلاوي، وعبد الرحمن الحلحولي، ثم اقتتلوا من الغد، وقتل خلق من الفرنج، فلما كان خامس يوم وصل من الجزيرة غازي ابن زنكي في عشرين ألفاً، وتبعه أخوه نور الدين، وكان الضجيج والدعاء والتضرع بدمشق لا يعبر عنه، ووضعوا المصحف العثماني في صحن الجامع، وكان قسيس العدو قال: (وعدني المسيح بأخذ دمشق)، فحفوا به، وركب حماره وفي يده الصليب، فشد عليه الدماشقة، فقتلوه، وقتلوا حماره، وجاءت النجدات، فانهزم الفرنج.
وقال ابن الأثير: (سار ملك الألمان من بلاده لقصد المسلمين، وانضم إليهم فرنج الشام، فنازل دمشق، وبها الملك مجير الدين أبق وأتابكه معين الدين أنر، فنجده أولاد زنكي، ونزل ملك الألمان بالميدان الأخضر، وأيس أهل دمشق، ووصل صاحب الموصل إلى حمص، فراسل أنر ملوك فرنج الساحل يقول: بأي عقل تساعدون الألمان علينا؟! وإن ملكوا أخذوا منكم السواحل، وأنا إذا عجزت سلمت دمشق إلى ابن زنكي، فلا تقومون به، فتخاذلوا، وبذل لهم بانياس، فخوفوا ملك الألمان من عساكر الشرق، فرد إلى بلاده، وهي وراء قسطنطينية)