طَربتُ لرؤيا أشرَقت فاضمحلَّتِ
الأبيات 248
طَربــتُ لرؤيــا أشــرَقت فاضــمحلَّتِ وقلــبي لهــا طــورٌ عليــهِ تجلّـتِ
فمــا زلــتُ أهــوى خلـوةً وسـكينةً لِتَمثيــلِ رؤيــا دونهـا كـلُّ رُؤيـةِ
فــأُغمِضُ أجفــاني وأشــتاقُ أن أرى بروحـــي جمـــالاً لا أراه بمُقلــتي
فروحـي مـع الأرواحِ فـي دارِ أنسـِها وجسـمي مـع الأجسـامِ فـي دارِ وحشتي
غريــبٌ أنــا بيــنَ الـذين أُحِبُّهـم وأُبغِضــُهم والمــوتُ آخــرُ غُربــتي
الـــى الملإ الأعلــى أحــنُّ لأننــي عــن الملإ الأدنــى أُنــزّهُ رفعــتي
لقــد جمَحــت نفسـي فرُضـتُ جماحَهـا فلانــت ودانــت لــي بقطـعِ الأعنّـة
ولكنّهـــا تهفــو إلــى هفواتِهــا إذا هاجَهـا فـي الحـربِ لمـعُ الأسنّة
فأردعُهـا بالصـبرِ والحلـمِ والرِضـا وفيهــا خمــارٌ زائلٌ بعــدَ ســَكرة
وبيـن عِـراكِ الحـقِّ والبطـلِ أذعَنـت لنهــي نُهاهــا إذ عَنــت فاطمـأنَّت
تجــرّدتُ عــن كـلِّ المـذاهبِ نـاظراً إلــى الـدينِ والتاريـخِ والبَشـَرية
فلــــم أرَ إلا زخرفـــاً وخديعـــةً وذلــك رأيــي بعــد طـولِ الرَّويَّـة
تــولّهتُ مَشــغوفاً بمــا هـو بـاطنٌ مـن الحُسـنِ حـتى فـزتُ منـهُ بنظـرة
فــأنّى لمثلـي أن يـرى مـا رأيتُـهُ ومـن ليلـةِ المعـراجِ تُشـتقُّ ليلـتي
جنـــاني عليـــهِ ضـــيِّقٌ ومقصـــِّرٌ بيــاني لـديهِ فهـو فـوقَ الطبيعـة
فيـــاليتني عـــيٌّ يُفكِّــرُ صــامتاً ويـا ليتَنـي مـا كنتُ ذاكي القريحة
إذن لاكتَفــى قلــبي بـذكرى نعيمـهِ ومـا هَزّنـي شـِعري المـذيبُ لمهجـتي
فلا شــرفٌ فــوقَ الــذي نلتُــهُ ولا كلامٌ لوَصـــفِ النَّعمـــةِ العلويـــة
تشـوّقتُ حـتى زارنـي الطيـفُ مؤنسـاً وأشــرَقَ نــورُ الطّلعــةِ النَبويّــة
قـديمانِ شـوقي والهـوى غيـرَ أننـي جَلــوتُ دُجــى شـكّي بصـبحِ الحقيقـة
فقلــبي وعينــي مَطلعــانِ لنورهـا ومــا أطلـعَ الأنـوارِ غيـرُ الدُّجنَّـة
وفـي غفـوَتي أو غفلتي جاءني الهُدى وكـانت علـى غيبُوبـةِ النـومِ يقظتي
تبلّــجَ حلمـي كالصـباحِ مـن الـدُّجى فنّـــورَ قلـــبي للضــياءِ كنــورة
فأصـبحتُ بيـن الطّيـبِ والنورِ لا أعي وطـــارت شــعاعاً مُهجــتي للأشــعة
فكـم مـن شـعاعٍ ذرَّ كالسـّهمِ نافـذاً فتحــتُ لــه قلبـاً غـدا كالكنانـة
فيــا لــكِ رؤيـا نـوّرت كـلَّ ظلمـةٍ ويــا لــك ريّــاً عطّـرَت كـلَّ نسـمة
ألا ليــتَ عمــري كلَّــهُ كـان ليلـةً ويــا ليتنــي فــي ليلــةٍ أبديـة
فليلــةُ ســعدي قــد رأيـتُ ظلامَهـا ضــياءً وفــي آفاقهــا ألـفُ نجمـة
فــوالله لا أدري مصــابيحُ تلـكَ أم صــَبائحُ جيــلٍ جُمِّعَــت فــي صـبيحة
أُعاهِـــدُ ربــي أن أُصــلِّي مُســلِّماً علـى أحمـدَ المختـارِ مـن خيـرِ أُمّة
هــداني هواهــا ثــم حبّــبَ شـرعُهُ إلــيَّ فصــَحَّت مثــلَ حــبي عقيـدتي
فمــن قــومُهُ قــومي أديـنُ بـدينهِ لأنـــي أرى الاســلامَ روحَ العروبــة
توســّلتُ بـالقربى إليـه فلـم تضـع لــدى العربــيّ الهاشــميّ شـفاعتي
فشــرّفني بعــد العروبــةِ بالهُـدى وفضــّلني بيــن الــورى لقرابــتي
وأنعــمَ بالرؤيــا علــيَّ وطالمــا تصــبّت فــؤادَ الصـبِّ منـذُ الصـبوّة
وأهـــدى إلــيّ النيّــراتِ وإنمــا هِــدايتُهُ فــي الحلـمِ أغلـى هَديّـة
فبعـــدَ الــذي شــاهدتُهُ مُتشــهِّداً غــدا الملأ الأعلــى شـهودَ شـهادتي
تفتّــقَ ليلــي زهــرةً حـولَ مَضـجعي وشــقَّ حِجـابَ الغيـبِ نـورُ البصـيرة
فأبصـــرتُ جنــاتٍ تميــلُ غصــونُها وأنهارُهــا تجــري لــبردٍ ونضــرة
وفــي البـابِ رضـوانٌ تشـرّفَ حارسـاً عليــهِ مــن الــدّيباجِ أَفخـرُ حلّـة
فحييتُــــهُ مستأنســــاً بلباســـهِ وقلـــتُ بـــأحلى لهجـــةٍ مُضــريّة
ســلامٌ علــى جنــاتِ عَــدنٍ وأهلِهـا أنـــا عربــيٌّ مثلُهــم ذو صــَبابة
فقــال علــى الآتــي ســلامُ محمــدٍ لـكَ الخيـرُ يـا ابنَ الأُمةِ اليعربية
أمانـاً وأمنـاً فادخُـلِ الخلدَ خالداً وحمـداً علـى حسـنِ الهُـدى والسـلامة
هنالِـــكَ جنــاتٌ حَــوَت كــلَّ طيّــبٍ وطَيِّبـــــةٍ للصــــالحين أُعِــــدَّت
مشــى مــؤمنٌ فيهــا ومؤمنـةٌ معـاً رفيقَـــي نعيــمٍ خالــدَينِ لغبطــة
وطــافت بهـا الأملاكُ مـن كـل جـانبٍ صـفوفاً وأفواجـاً لـذي العـرش خـرّت
وحفَّــت بــه جنــداً تغطـي وُجُوهَهـا بأجنحـــــةٍ وَرديّــــةٍ زَنبقيّــــة
ولكنّهــا لــم تـذوِ قـطُّ ولـم تحـل لديمومــةٍ فــي النضــرةِ القُدُسـية
فســـقياً لجنــاتٍ يــدومُ ربيعُهــا ويخلُـــدُ أهلوهــا لرغــدٍ ونعمــة
مقاعِـــدُهُم خـــزٌّ وعــاجٌ ولبســُهُم حَريــرٌ عليــهِ كــلُّ وشــيٍ وســبغة
وتحــديثُهُم همــسٌ وتســبيحُهم صـدىً وتســليمُهم تنعيــمُ صــوتٍ ولفظــة
فحيَّيتُهـــم مُستبشـــراً فتَبســـّموا وردّوا فأحيـــاني جمــالُ التحيّــة
وقــالوا ســلاماً فاشــربنَّ رَحيقَنـا حلالاً وهـــذا عهــدُ أهــلِ المــودّة
يَطـوفُ بهـا الوالدانُ والحورُ بيننا بـــأكوابِ درٍّ أو قـــوارير فضـــّة
شــربتُ ولــم أنطـق وقـاراً وإِنّمـا تمطّقــت كــي ألتــذَّ أطيــبَ رَشـفة
فمـا أعـذَبَ الكـأس التي قد شربتُها فكـان بهـا سـكري الـذي منه صَحوتي
وأصــبحَ فــي نفســي جمـالٌ عَشـِقتُهُ كمـالاً يُرينـي الطّيـفَ مـن كـلِّ صورة
وفـي الأُفـقِ الأسـنى على عَرشهِ استوى إلــهُ الــورى ذو القـدرةِ الأزليـة
غمامـــةُ عليّيـــنَ تحجـــبُ نــورَهُ ترفَّــعَ ربُّ العــرشِ عــن كــلِّ هيئة
وإذ كنــتُ مَســلوبَ القـوى متحيِّـراً ســمِعتُ نــديّاً مــن خلالِ الغمامــة
فملــتُ إلـى ذيالـكَ الصـوتِ سـاجداً وقــد خَــرّتِ الأطـوادُ مثلـي لخشـية
فقــالَ وفـي ألفـاظه الرعـدُ قاصـفٌ دعوتُــكَ فاســمع أنـتَ صـاحبُ دعـوة
وكــن منـذراً بيـنَ الـورى ومبشـِّراً وبلِّــغ جميــعَ المســلمينَ وصــيّتي
وأضـرم لهـم نـارينِ للحـربِ والهدى وقلبُــكَ فــي ديجــورهم كالمنـارة
وأنشـد مـن الشـعر الحماسـيِّ رامياً علــى كـلِّ قلـبٍ مـن جمـارِ الحميّـة
فشــِعرُكَ وحــيٌ منــزلٌ فــي جهالـةٍ كمـا أُنـزلَ القـرآنُ فـي الجاهليّـة
تشــجع وآمـن يـا وليـدُ فـأنتَ لـي رســولٌ وفــي الإبلاغِ فضـلُ الرسـالة
أنـا المصطفى المبعوثُ للحقِّ والهدى وقــد صـحّفوا فـي مِصـحفي كـلَّ آيـة
هـو الـدينُ والفرقـانُ بـالحقِّ مُنزَلٌ لإصـــلاحِ دنيــاهم ومَنــعِ الدنيّــة
وإن لــم يكــن منـهُ صـلاحُ شـؤونِهم فـــذاك لجهــلٍ حــائلٍ دونَ حكمــة
فقـل يـا عبـادَ الله جاروا خصومَكم بتَوســيع دينــي أو بتطـبيق سـنتي
دعـوا عَرضـاً منـهُ علـى حفـظِ جـوهرٍ يُطــابق لخيــرٍ مُقتضــى كـلِّ حالـة
وللـدينِ والـدنيا اعملوا وتنافسوا ليُحمـدَ فـي الـدارينِ حسـن المغبّـة
فقـــوّتُكم منـــهُ وقُـــوتُهُ بكـــم فلـوذوا مـن الـدنيا بسـورٍ وسـورة
لقــد عــزّ إذ كنتُــم رجـالاً أعـزةً وفـي ذِلِّكـم قـد بـاتَ رهـنَ المذلّـة
فعـودوا إلـى عهد الفتوحِ التي بها بَنيتــم علــى الإسـلامِ أضـخمَ دولـة
ومـــا قـــوةُ الاســلامِ إلا بدولــةٍ خلافيّــــةٍ بالمســــلمينَ قويــــة
فقــل لجميــعِ المســلمينَ تجمّعـوا وصــونوا وقـارَ الدولـة الهاشـمية
دعتكُـم رؤومـاً فاسـتجيبوا دعاءَهـا تموتــوا لحــقٍّ أو تعيشــوا لعـزَّة
أمــا لرســولِ اللــهِ حــقٌّ وحرمـةٌ ومــن آلــهِ المــدلي بـأظهرِ حجـة
لأُمَّتِـهِ الفضـلُ العميـمُ علـى الـورى بنشــرِ الهُــدى مـن صـفحةٍ وصـحيفة
علـى السـيفِ والقـرآنِ سالت دماؤها لتثـــبيتِ ملـــكٍ شــيّدتهُ بشــدّة
قـد استَبسـلت واستشـهدَت في جهادِها ومـــا رَجعـــت إلا بفيــءٍ وجزيــة
بَنــت دولــةً للمســلمينَ بهامِهــا وأكبادِهــا مــا بيـن فتـحٍ ونصـرة
لهــم مهَّــدَت فـي كـلِّ قُطـرٍ ومَعشـرٍ ســبيلَ الغنـى والحكـمِ والعبقريـة
بِميراثِهــا قـد متّعتهـم ولـم تـزَل مجـــدّدَةً فيهـــم لعهـــدِ وعهــدة
ســـلالةُ إســـماعيلَ خيـــرُ ســلالةٍ فمنهــا رسـولُ اللـهِ خيـرُ البريّـة
لهـــا حــقُّ ســلطانٍ وحــقُّ خلافــةٍ ومـــا نـــوزِعَت إلا لنــزغٍ وشــرَّة
فلا تنقضــوا عَهــدَ النـبيِّ وعهـدَها وكونـوا أمـام اللـهِ أهـلَ المـبرّةِ
يجـــود عليكــم بالعروبــة منــةً وفــي شــرعة الإســلام أكــبر منـةِ
هــي الشـرفُ الأعلـى لكـم فتشـرَّفوا بـــأطهرِ آيـــات وأشـــرفِ نســبة
علـى العـربِ إرسـالُ الوفودِ تتابعاً إلـى كـل قُطـرٍ فيـه مـن أهـلِ ملّتي
ليســـتطلعوا أحــوالهم ويُثبّتــوا لســاني ودينــي بعـد ضـعفٍ وعجمـة
فيشـــرف كــلُّ المســلمينَ تعرُّبــاً كمــا شــرفوا بالشــّرعةِ الأحمديـة
أبــى اللـهُ أن يسـتظهرَ الآيَ مـؤمنٌ ويبقـى علـى مـا فيـهِ مـن أعجميـة
فلا مـــؤمنٌ إلا الــذي هــو معــربٌ وهـــذا كتــابُ اللــهِ بالعربيــة
لقــد حـانَ أن يَسـتَعربوا ويُعرّبـوا بنيهــم وأهليهــم لإتمــامِ وحــدة
فتوحيــدُهم للنطــقِ والملـكِ واجـبٌ كتوحيــــدِهم للـــهِ أو للخلافـــة
فلا لغــةٌ للمســلمينَ ســوى الــتي بهـــا نُـــزّلَ القــرآنُ للأفضــلية
ولا رايــةٌ إلا الــتي طلعــت لهــم مُبشــِّرةً بــالعتقِ بعــد العبــودة
بهــا أشــرَقت بطحــاءُ مكــةَ حـرةً وقــد ظلّلـت أرضـي وقـومي وعـترتي
هـي الرايـةُ العربـاءُ تخفـقُ للهدى وللمجـدِ فـوقَ الحصنِ أو في الكتيبة
مباركـــةً كـــانت فللّـــهِ درُّهــا ودرُّ الألـى سـاروا بهـا في الطليعة
رأوا تحتهـا الأحـرام واللـهَ فوقها فقــالوا لملــكٍ ظلُّهــا أو لجنــة
فمــن يبــغِ إرضـائي ومرضـاةَ رَبّـهِ يســلّم عليهـا شاخصـاً نحـو قبلـتي
بــراءٌ أنــا مــن مســتظلٍّ برايـةٍ عليهــا لطــوخٌ مــن دمــاءٍ زكيّـة
فمهمــا يكـن حكـمُ الأجـانب عـادلاً يخُـن دينَـهُ الراضـي بحكـم الفرنجة
فــأجراً لمشــهومٍ تكــاره صــابراً وخزيــاً لمــولى الدولـةِ الأجنبيـة
ألا يـا بنـي الإسـلامِ كونـوا عصـابةً فلا قـــــوةٌ إلا بحــــبٍ وإلفــــة
ولا قـدرةٌ بعـد الشـتاتِ علـى العدى بغيــرِ اتحــادٍ فيـهِ توحيـدُ غايـة
لكـم دولـةٌ فـي الشـرقِ عاصـمةٌ لها دمشــقُ الــتي عــزّت بملــك أميّـة
وعاصـــمة الأخــرى مدينــة جــوهرٍ لتجميـــعِ أفريقيَّـــةِ المســـلميّة
وبينهمــا القلــزمُّ يفتــحُ ترعــةً كهمـــزةِ وصـــلٍ بــالبوارجِ غصــّت
يجــوس العــدى كـثراً خلالَ ديـاركم ويغزونكــم عــزلاً علـى حيـن غفلـة
ولـم تُغنهـم أمـوالكم عـن نفوسـكم فزجّـوا بنيكـم عنـوةً فـي الكريهـة
تـذودون عـن أوطـانهم فـي حروبهـم وأولادكــم فيهــا جــزورُ الذبيحـة
وأوطـــانُكم مغصـــوبةٌ مســـتباحةٌ موطـــأةُ المثــوى لعلــجٍ وعلجــة
لـــدولتِهم أمـــوالكم ودمـــاؤكم وأنتـــم بلا ملـــكٍ ومــالٍ وعــدَّة
أليــس عظيمــاً أن تموتـوا لأجلهـم وأن يقتلــوكم فــي مــواطن جمّــة
فهـل مـن حيـاةٍ فـي القصـاصِ لغُفَّـلٍ وهــل نهضــةٌ فيهــا إقالـةُ عـثرة
لكـــم مــن بلايــاكم بلاءٌ وعــبرةٌ فمــن عِلــةٍ أشــفت شــفاءٌ لعلّــة
خـذوا مـن أعـاديكم وعنهـم سـلاحَهم بــه تكشــفوا أســرارَ فـنٍّ وصـنعة
ولا تقحمـوا قذّافـةَ النـارِ بـالظُبى فقــد سـَخرت مـن بأسـِكم والبسـالة
ويـومَ التفـاني تعتدون كما اعتدوا وإن يخـــدعوكم تأخــذوهم بخدعــة
تُنــال المعــالي باجتهـادٍ وقـدرةٍ وكـــل مُجــدٍّ واجــدٌ بعــد خيبــة
فعَبّـوا لهـم طـامي الضـفافِ عرمرماً كتـــائبُه للحــربِ والســلمِ صــُفَّت
ورصـــّوا كبنيــانٍ فخيــمٍ صــُفوفَهُ لكـي تُرهِبـوا الأعـداءَ من غيرِ حملة
فلا منعــــةٌ إلا بجيــــشٍ منظّــــمٍ يجمّــــعُ أبنـــاءَ البلادِ كـــإخوة
هـو الجيـشُ يمشـي فيلقـاً تلوَ فيلقٍ لحـوطِ الضـواحي أو لخـوضِ الوقيعـة
فيــالقُ أعطتهــا الرعـودُ قصـيفَها وقــد كَمَنَــت فــي مــدفعٍ وقذيفـة
إذا الخصـمُ أبزى تدفعُ الضيمَ والأذى مـــدافعُ شــدّتها القيــونُ لشــدة
بنـاتُ المنايـا تلـكَ فاعتصموا بها فلا أمــنَ إلا مــن بنــات المنيــة
فمــن ســَكبها تسـكابُ نـارٍ وجلمـدٍ لخيـــرِ دفـــاعٍ دون حــقٍّ وحرمــة
فكــم رغبــوتٍ كــان مـن رهبوتِهـا لــدن خشـعت أبصـارُ أهـل القطيعـة
هي الخيلُ معقودٌ بها الخيرُ فانفروا علــى كــل محبــوسٍ بعيـدِ الإغـارة
خِفافـاً إلـى الجلّى ثقالاً على العدى إذا الخيــلُ بعــد المدفعيّـةِ كـرَّت
مناصـــلُ حبــسٍ أو مقــانبُ غــزوةٍ مــداعيقُ تعـدو تحـتَ فرسـانِ جمـرة
ومــا الحــربُ إلا خدعــةٌ فتربّصـوا لختــلٍ وقتــلٍ فــي غــرارٍ وغــرة
لقـد كتـبَ اللـهُ القتـالَ فجاهـدِوا لأجـــرٍ ومجـــدٍ أو لعـــزٍّ ومنعــة
قِتـالُ العـدى فـرضٌ علـى كـل مسـلمٍ وإنــي بريـءٌ مـن فـتى غيـر مُصـلت
أكبّــوا علــى حمـلِ السـلاح تمرُّنـاً فــإن تمرسـوا يصـبح كلهـوٍ وعـادة
تجنـــدكم طوعــاً وكرهــاً فرضــتُهُ فكونـوا جنـوداً بُسـَّلاً فـي الحداثـة
ولا تطلبـوا الإعفـاءَ مـن غيـرِ مانعٍ لكــم شــرفٌ بالخدمــةِ العســكرية
فهــل كـان إلا بـالبعوثِ انتصـاركم وأوّلُ بعـــثٍ كـــان بعــث أُســامة
ورثتــم عـن الأجـدادِ مجـداً مـؤثلاً وقـد فتحـوا الـدنيا لديني وسُلطتي
ألا يزدهيكــم ذكرهــم فــي حقـارةٍ تغضــّون عنهــا كــلَّ عيــنٍ قذيّــة
فــأينَ المغـازي والفتـوحُ ترومُهـا جنـــودٌ وقــوادٌ شــدادُ المريــرة
مضـى زمـنُ العليـاءِ والبأسِ والندى لصــعلكةٍ شــوهاءَ بعــدَ البطولــة
بأبطـــاله المستشــهدين تشــبهوا ورجُّــوا لـه عـوداً بصـدقِ العزيمـة
وفــوقَ الجـواري المنشـآت تـدرّبوا علـى الخـوضِ في عرضِ البحارِ الخِضمّة
وشــدوا علــى أمواجهــا وتقحّمـوا عبابــاً وإعصــاراً لغنــمٍ وســطوةٍ
فمــا خوضــُكم فـي لجـةٍ بأشـدَّ مـن تعَســـُّفِكم فـــي مهمـــهٍ وتنوفــة
فللرمـــلِ كـــالتيهور آلٌ وموجــةٌ وريــحٌ فــذو رحــلٍ كــربِّ ســفينة
علــى قتــبٍ أو هوجـلٍ طلَـبُ العلـى وإحرازُهــا مــن ناقــةٍ أو سـفينة
ففـي البحـر مجـرى للشـعوب ومكسـبٌ بتحصــينِ ثغــرٍ أو بتحصــيل ثـروة
فمـن يقطـعِ الصـحراءَ والرمـل عالجٌ تخُــض خيضــةَ الرومـيّ خضـراءَ لجّـة
ويكبــحُ مــن كـلِّ البحـور جماحَهـا إذا أزبَـــدَت أمواجُهــا واكفهــرّت
ويصـــنع أســـطولا كــثيرٌ ســفينُه لصـــدِّ مغـــارٍ أو لنقــلِ تجــارة
ففــي ذلــك الجــاهِ العظيـمِ لأمـةٍ تــوجّه ركبانــاً إلــى كــلِّ فرضـة
وأسـطولها المرصـوفُ يحمـي ثغورَهـا فتــأمنُ فــي أملاكِهــا فتـحَ ثغـرة
بدارعـــةٍ فولاذُهـــا حرشــفٌ لهــا رســت قلعــةً تمشـي إلـى دكِّ قلعـة
وغواصـــةٍ تحــتَ الميــاهِ تســلّلت ونســّافةٍ فــوقَ الميــاهِ اســبكرّت
بــوارجُ أســطولٍ إذا مــا تزَحزَحَـت تُزَعــزِعُ أركــانَ الحصـونِ المنيعـة
فـــأعظِم بشـــعبٍ مســتقلّ ســفينُهُ يـــتيهُ دلالاً بيــن مرســىً وغَمــرة
فـــرادى وأزواجــاً يســيرُ كــأنه عصـائبُ طيـرٍ فـي البحـورِ المحيطـة
لقـد كـان هـمُّ الملـكِ ضـبطَ ثغوركم لــدفعِ التعــدّي أو لنفـعِ الرعيّـة
ومـــن خلفــائي للأســاطيل نجــدةٌ لغــــزوِ بلادٍ أو لفتـــحِ جزيـــرة
فــأربى علـى كـلِّ السـفينِ سـفينُكم وبـــرّز تـــبريزاً ببــأسِ وجــرأة
ولاذت أســـاطيلُ الفرنـــجِ بمخبــإٍ وقــد حُطِمَــت ألواحُهــا شـرَّ كسـرة
لأســطولكم كــانت طــرائد هالهــا ضــراءُ ليــوثٍ بحرُهــا كالعرينــة
ولمــا تراجعتــم كســالى تـدرّأوا وشــدوا عليكـم فـي أسـاطيل ضـخمة
فكيــفَ لكــم أن تـدفعوها بمثلِهـا وقــد كبّلــوكم بـالقيودِ الثقيلـة
ســَبَقتُم وكــانوا لاحقيــنَ فشـمّروا ونمتــم فللســاعينَ حسـنُ النتيجـة
نتيجـةُ سـعي الـرومِ تلـكَ فهـل لكم بهــا عــبرةٌ أو أسـوةٌ بعـد يقظـة
خــذوا خــولاً منهــم لـدارِ صـناعةٍ وعنهــم خـذوا إتقـان علـمٍ ومهنـة
وشــيدوا علــى أشـكالهم ومثـالهم بــوارجَ فــوقَ اليــمِّ مثـل الأئمـة
يزكّــي لهــا أمــواله كــلُّ مسـلمٍ فيبقـى لـهُ فـي اللـوحِ أجـرٌ بلوحة
بــوارجُهم منهــا المـداخنُ أشـرفت منــابر تُلقــي وعظــةً بعـدَ وعظـة
أمــا قرعــت أســماعكم بصــعاقِها ونيرانُهـــا أجّــت أجيجــاً فعجّــت
فلــولا الأســاطيلُ الــتي بجنـودهم أجــازت إليكـم مـا مُنيتـم بنكبـة
ولا دنّســوا أرضــاً ولا سـفكوا دمـاً ولا غصــبوا إرثــاً بأيــدٍ أثيمــة
فلا دارَ للإســــــلامِ إلا تهـــــدمت ولا قلــبَ إلا ذابَ مــن حــرِّ لوعــة
كـذا هـدموا ملكـي فمـن ذا يردُّهـم إذا أزمعـوا تهـديمَ قـبري وكعبـتي
أمــا فــي نفـوسِ المسـلمينَ حميـةٌ لتطهيــرِ أحرامــي وحفــظِ الأمانـة
عليكـم يمينُ اللهِ إن تألفوا الكرى وإن تشــعروا فـي النائبـات بلـذّة
فمــا كـان مـولاكم ولا كنـتُ راضـياً بغيــرِ جهــادٍ فيـهِ نيـلُ الشـهادة
تنـادوا وثوروا واستميتوا لتنقذوا ديــاراً مـن الاسـلامِ فـي كـلّ قبضـة
لئن ثبتـــت أقـــدامكم ونفوســكم رجعتــم إلـى اليرمـوكِ والقادسـية
فبالصـبرِ والتقوى ظهرتم على العدى ومــا الصــبرُ إلا عنــد أولِ صـدمة
إذا لــم يَعُــد للمسـلمينَ سـفينُهم وأســطولهم لا يــأملوا عـودَ صـولة
مرافئهــــم مفتوحـــةٌ وثغـــووهم معرّضــةٌ للغــزو مــن كــلِّ وجهــة
ومـا الثغـرُ مـن أرضٍ سوى بابِ منزلٍ فـإن لـم يُصـَن يولـج بـدونِ وليجـة
وإن وطــأته الخيـلُ والرجْـلُ وطّـأت قواعـــدَ ليســـت بعــدَهُ بحصــينة
فمــا عصــمَ الأمصــارَ إلا ثغورُهــا إذا اعتصــمَ الأسـطولُ فيهـا لعصـمة
ســواحلكم خيــرُ الســواحلِ موقعـاً ولكنّهــا ليســت بكــم ذات قيمــة
فلمــا خَلــت أيـامُ أمجـادكم خَلـت وللــرومِ فيهــا رغبـةٌ بعـد رهبـة
فهَمّــوا بهــا واسـتَملَكوها رخيصـةً ومــا رَخِصــت إلا لرخــصِ المــروءة
فلــو أنهــا كـانت سـواحلَ أرضـهم لشــادوا عليهـا ألـفَ بـرجٍ وعقـوة
وصــفّوا بهــا أســطولهم متلاصــقاً كأســـوارِ فـــولاذٍ قبالــة عَــدوة
فمــا صــدّ أعــداءً ولا ســدَّ ثغـرةً ســوى بارجــاتٍ كــالبروجِ اشـمخرّت
تقــذّفُ نيــرانَ الجحيــمِ بطونُهــا إذا فغَـــرت فوهاتِهــا وازبــأرّ‍ت
وترفُـــلُ مــن فولاذِهــا وحديــدها بـــأمتنِ درعٍ أو بأشـــرفِ لبســـة
وبعـد اقتـدارٍ فـي الملاحـةِ أقدموا علــى طيــرانٍ تــم مـن دون طيـرة
وطيـروا نسـوراً فـي مناطيـدَ حلّقـت فنُفِّـــرَتِ الأطيـــارُ والجــنُّ فــرّت
فإمّــا لتحليــقٍ يكــون اصـطعادُها وإمّـــا لتـــدويمٍ وإمّــا لرحلــة
فمنهــا امتنــاعٌ وانتفـاعٌ لدولـةٍ تـرى فـي الطبـاقِ السبعِ أرحب حَلبة
ومــن علــوِ طيــارٍ وطيــارةٍ لهـا تُجــرِّرُ ذيــلَ المجـدِ فـوقَ المجـرّة
تـردّى ابـنُ فرنـاسٍ وقـد طارَ مخطراً وأودى كـــذاك الجـــوهريُّ بســقطة
بــذلك بــاهوا واقتفـوا أثريهمـا فمـا انتَحلـت فضـلَ التقـدّمِ نحلـتي
فـدونَ المعـالي ميتـةٌ ترفَـعُ الفتى وكــم خطــرٍ دون الأمــورِ الخطيـرة
لقــد كـان منكـم كـلُّ سـاعٍ وسـابقٍ وفــي كـلِّ مضـمارٍ لكـم بـدءُ جولـة
ولكــن علـى الإهمـالِ ضـاعَ فعـالكم فهلا لحقتــــم باهتمـــامٍ وهمـــة
لكــم فضــلُ إبـداعٍ وللغيـرِ نفعُـهُ فبالجهــدِ والتجريــبِ إتمـامُ خطـة
توافــوا إلــى تـاريخكم وتـأملوا عسـى أن تـروا خيـراً بـذكرى وعبرة
علــى حــقِّ دنيـاكم حقيقـةُ دينكـم وإنّ رجــالَ العلــم أهـلُ الهدايـة
جميــلٌ بكــم إكرامهـم واحـترامهم وقـد أطلعـوا نـورَ الهدى والشريعة
فروحــي وروحُ اللـه فـي كـلِّ عـالمٍ علـى وجهـهِ سـيمى التُّقـى والفضيلة
ومــن فيـهِ أو عينيـه مبعـثُ علمـهِ ومـــن جبهـــةٍ وضــّاحةٍ مســتنيرة
خـذوا العلـم عـن كل الشعوب إضافةً إلـى مـا وضـعتم مـن علـومٍ صـحيحة
وكونــوا عليــهِ عــاكفين تنافسـاً وبـاروا الألـى فـازوا بـأكبرِ حصـة
وصــيروا جميعــاً عـالمينَ وعلّمـوا بنيكـــم بـــترغيبٍ وحــضٍّ وغيــرة
فعـــن كـــلِّ أمــيٍّ يصــدُّ نــبيُّكم وقــد جــاء أميّـاً لصـدقِ النبـوءة
طلابـاً ولـو فـي الصـينِ للعلـمِ إِنه يوفّـــقُ بيــن الــدينِ والمدنيــة
إذا عـم أدنـى الشـعب صـارَ سـراتُهُ ملوكــاً وألفــى سـادةً مـن أشـابة
بـه الجـوهر الأعلـى يصـانُ ويُجتلـى ولـولاهُ كـان المـرءُ مثـلَ البهيمـة
ســواءٌ جميـعُ النـاسِ خلقـاً وصـورة ولا فضـــلَ إلا فضــلُ علــمٍ وفطنــة
أُريــدُ لكــم ملكــاً يجمِّـع شـملَكم وتوحيـــدَ أوطــانٍ ونطــقَ روايــة
بمدرســـةٍ فيكــم تجــاورُ جامعــاً ومعرفــــةٍ مقرونــــةٍ بعبــــادة
هنـا انقطـع الصوتُ الرهيبُ وقد وعى فــؤادي كلامَ الحــقّ والحــقُّ إِمَّـتي
فـأجفلتُ مرتاعـاً مـن الصمتِ وانجلت غيابــةُ نــومي عــن رســومٍ جليـة
أفقــتُ وفــي عينــيَّ أُنــسٌ وبهجـةٌ وفــي أذُنــي والقلـب أعـذبُ نغمـة
ولكــنَّ رؤيــاي المنيــرةَ أظلمــت فـــأعقبني حزنـــاً زوالُ المســرّة
فيــا حبّــذا جنــاتُ خلــدٍ تحجَّبَـت وفــي خَلــدي مِنهـا تصـاويرُ بهجـة
شــممتُ شــذاها ثــم شـمتُ سـناءها فشــمي وشـيمي منهمـا حسـنُ شـيمتي
لبـــانٌ وكـــافورٌ ومســكٌ وعنــبرٌ ثراهــا الـذي فيـه حلا مسـح لمـتي
ونفـحُ النعـامى فيـه نفـحُ طيوبهـا إذا رفرفـــت أفنانُهــا وارجحنَّــت
وقلــبي لــه منهــا رفيـقٌ يهيجُـه حفيــفٌ حكــى ترنيــمَ شـادٍ وقينـة
غنـاءُ الهـوى فيـهِ الغِنى عن مُخارقٍ وعــن مَعبــدٍ فالصــبُّ ذو أريحيّــة
فكــم منيــةٍ فيهـا اشـتياقُ منيّـةٍ وأغنيـــةٍ عــن جــسِّ عــودٍ غنيــة
إذا مـا تلاقـى الحـسُّ والجـسُّ أسفرت محاســنُ حلّــت فــي الضـميرِ وجلّـت
فكــلُّ طــروبٍ فيــهِ أوتــارُ مُزهـرٍ تـــرنُّ لإنبــاضِ البنــانِ الخفيــة
ومـا الطـربُ الأعلـى سـوى ما تبينه ســـجيّةُ نفـــسٍ مزدهـــاةٍ شـــجية
نَعِمــتُ بإغفـائي وقـد كنـتُ سـاهراً فحبــت إلــى الهيمـانِ آخـرُ غفـوة
أحـنُّ إلـى الجنّـاتِ فـي وحشةِ النوى وأصــبو إلــى أطيـافِ حلـمٍ وبُرهـة
شــربتُ حميَّــا الخالــدينَ ترفُّعــاً ونزَّهــتُ عــن دنيـايَ نفسـي بنزهـة
وطيّبــتُ بـالطوبى فـؤادي فلـم أزَل أشــمّ مــن الفــردوسِ أطيـبَ نفحـة
وفــي الشــعر ريحـانٌ وراحٌ وكـوثرٌ فمــا فــيَّ مــن ريٍّ وريَّــا لأمَّــتي
أبو الفضل الوليد
423 قصيدة
1 ديوان

إلياس بن عبد الله بن إلياس بن فرج بن طعمة.

شاعر من أدباء لبنان في المهجر الأميركي، امتاز بروح عربية نقية.

ولد بقرنة الحمراء في المتن بلبنان، وتخرج بمدرسة الحكمة ببيروت، وهاجر إلى أميركا الجنوبية 1908 فأصدر جريدة الحمراء في ريو دي جانيرو بالبرازيل، واتخذ لنفسه اسم أبو الفضل الوليد سنة 1916.

عاد إلى وطنه سنة 1922، وقام برحلات في الأقطار العربية وغيرها.

له: كتاب القضيتين في السياستين الشرقية والغربية، ونفخات الصور، وأحاديث المجد والوجد، والسباعيات مقاطيع شعرية، وقصائد ابن طعمة.

1941م-
1360هـ-

قصائد أخرى لأبي الفضل الوليد

أبو الفضل الوليد
أبو الفضل الوليد

القصيدة في الحنين إلى بلاد الشام عثرت عليها في كتاب أدب المهجر ص 87 ولم تكن منشورة في ديوان شاعر الحمراء في إصدارات الموسوعة السابقة (بيان بازرباشي) 11 / حزيران / 2020