وَمَن تَكُ نُزهَتهُ قَينَةٌ

القطعة ذكرها ياقوت في ترجمة ابن دريد صاحب الجمهرة قال:

قرأت في كتاب التحبير وهو ما أخبرنا به الشريف افتخار الدين أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب الهاشمي إذناً، قال أبو سعد السمعاني إجازة إن لم يكن سماعاً قال سمعت الأمير أبا نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الله ابن أحمد بن الميكالي يقول تذاكرنا المتنزهات يوماً وابن دريد حاضر فقال بعضهم: أنزه الأماكن غوطة دمشق. وقال آخرون: بل نهر الأبلة؟ وقال آخرون: بل سغد سمرقند. وقال بعضهم بل نهر نهروان بغداد. وقال بعضهم: شعب بوان بأرض فارس. وقال بعضهم: نوبهار بلخ. فقال: هذه منتزهات العيون، فأين أنتم عن متنزهات القلوب؟ قلنا وما هي يا أبا بكر؟ قال: (عيون الأخبار للقتيبي، والزهرة لابن داود، (1) وقلق المشتاق لابن أبي طاهر، ثم أنشأ يقول:

(1) الكتابان منشوران في موسوعتنا، وأما "قلق المشتاق" فكتاب ضائع، ليس له ذكر فيما أحسب إلا في هذه الصفحة التي نقلها ياقوت من كتاب التحبيير للسمعاني. وفي موسوعتنا من كتب ابن أبي طاهر كتاب بلاغات النساء، وكتاب "بغداد" وشهرته في العصر الحديث ب"ابن طيفور" خلافا لشهرته التي اعتمدها المؤرخون (ابن أبي طاهر) مولده سنة 204هـ ووفاته سنة 280هـ وهو والد عبيد الله ابن أبي طاهر صاحب الذيل على تاريخ بغداد لأبيه. ترجم له الصفدي في الوافي وسمى مؤلفات كثيرة له وليس فيها (قلق المشتاق) قال:

الأبيات 2
وَمَــن تَـكُ نُزهَتـهُ قَينَـةٌ وَكَـأسٌ تُحَـثُّ وَأُخـرى تُصـَب
فَنُزهَتُنــا وَاِســتِراحَتُنا تَلاقي العُيون وَدَرسُ الكُتُب
ابن دريد الأزدي
100 قصيدة
1 ديوان

محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم بن حسن بن حمامي بن جرو بن واسع بن وهب بن سلمة ابن حاضر بن أسد بن عدي بن عمرو بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس بن عُدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث أبو بكر الأزدي. من أئمة اللغة والأدب، كانوا يقولون: ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء، وهو صاحب المقصورة الدريدية، ولد في البصرة وانتقل إلى عمان فأقام اثني عشر عاما وعاد إلى البصرة ثم رحل إلى نواحي فارس فقلده آل ميكال ديوان فارس، ومدحهم بقصيدته المقصورة، ثم رجع إلى بغداد واتصل بالمقتدر العباسي فأجرى عليه في كل شهر خمسين دينارا فأقام إلى أن توفي. من كتبه (الاشتقاق -ط) في الأنساب،  و(الجمهرة-ط) في اللغة، ثلاثة مجلدات، و(أدب الكاتب)، و(الأمالي)و(الخيل الكبير) و(الخيل الصغير) و(السلاح) و(غرائب القرآن) و(فعلت وأفعلت) و(وصف المطر والسحاب وما نعتته العرب الرواد من البقاع  - ط)  و(السرج واللجام) و(الأنواء) و(الملاحن) و(زوار العرب) و(الوشاح) صغير، و(المقتنى)  و(المجتبى) صغير، قال الإمام الذهبي (سمعناه بعلو) و(المقصور والممدود -ط) وهو قصيدة في 58 بيتا يحتوي كل بيت على كلمتين متشابهتين إحداهما مقصورة والثانية ممدودة، أولها:

لا تركنن إلى الهوى    واحذر مفارقة الهواء

وفيها قوله يصف الزهاد:

باعوا التيقظ بالكرى   فعقولهم بذرى كراء

وكراء ثنية بالطائف على طريق مكة

وكأنهم معز الأبا   أو كالحطام من الأباء

والأبا: داء يأخذ المعز إذا شمت بول الأروى، والأباء: اطراف القصب واحدته أباءة.

إلى أن قال:

ولربما فضح الرجا ل ذوي اللحى كشف اللحاء

واللحاء التلاحي والمشاتمة.

وسيستوي أهل الكبى   وذوو التعطر والكباء

والكبى المزبلة والكباء البخور

قال المسعودي في مروج الذهب : (وكان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين، وكان يذهب بالشعر كل مذهب، فطورا يجزل وطورا يرق، وشعره أكثر من أن نحصيه أو نأتي على أكثره أو يأتي عليه كتابنا هذا، فمن جيد شعره قصيدته المشهورة بالمقصورة التي يمدح بها الشاه ابن ميكال وولده، وهما عبد الله بن محمد بن ميكال وولده أبو العباس إسماعيل بن عبد الله، ويقال إنه أحاط فيها بأكثر المقصور، وأولها:

إما تري رأسي حاكى لونه         طرة صبح تحت أذيال الدجى

...إلخ) قال ابن خلكان: وكانت ولادته بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونشأ بها وتعلم فيها، وأخذ عن أبي حاتم السجستاني والرياشي وعبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن أخي الأصمعي وأبي عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني صاحب كتاب المعاني وغيرهم، ثم انتقل عن البصرة مع عمه الحسين عند ظهور الزنج وقتلهم الرياشي - كماسبق في ترجمته - وسكن عمان وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة وسكنها زمانا، ثم خرج إلى نواحي فارس وصحب ابني ميكال، وكانا يومئذ على عمالة فارس، وعمل لهما كتاب الجمهرة وقلداه ديوان فارس، وكانت تصدر كتب فارس عن رأيه، ولا ينفذ أمر إلا بعد توقيعه، فأفاد معهما أموالا عظيمة، وكان مفيدا مبيدا لا يمسك درهما سخاء وكرما، ومدحهما بقصيدته المقصورة فوصلاه بعشرة آلاف درهم، ثم انتقل من فارس إلى بغداد، ودخلها سنة ثمان وثلثمائة بعد عزل ابني ميكال وانتقالهما إلى خراسان.ولما وصل إلى بغداد أنزله علي بن محمد الحواري في جواره وأفضل عليه، وعرف الإمام المقتدر خبره ومكانه من العلم، فأمر أن يجرى عليه خمسون دينارا في كل شهر، ولم تزل جارية عليه إلى حين وفاته. وكان واسع الرواية لم ير أحفظ منه، وكان يقرأ عليه دواوين العرب فيسابق إلى إتمامها من حفظه، وسئل عنه الدار قطني، أثقة هو أم لا؟ فقال: تكلموا فيه، وقيل إنه كان يتسامح في الرواية فيسند إلى كل واحد ما يخطر له. وقال أبو منصور الأزهري اللغوي: دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه.وقال ابن شاهينك كنا ندخل عليه ونستحيي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفى. وذكر أن سائلا سأله شيئا فلم يكن عنده غير دن من نبيذ فوهبه له، فأنكر عليه أحد غلمانه، وقال تتصدق بالنبيذ؟ فقال: لم يكن عندي شيء سواه، ثم أهدي له بعد ذلك عشرة دنان من النبيذ، فقال لغلامه: أخرجنا دنا فجاءنا

عشرة، وينسب إليه من هذه الأمور شيء كثير.

وعرض له في رأس التسعين من عمره فالج سقي له الترياق فبرئ منه وصح ورجع إلى أفضل أحواله، ولم ينكر من نفسه شيئا ورجع إلى إسماع تلامذته وإملائه عليهم، ثم عاوده الفالج بعد حول لغذاء ضار تناوله، فكان يحرك يديه حركة ضعيفة، وبطل من محزمه إلى قدميه، فكان إذا دخل عليه الداخل ضج وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه، قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي المعروف بالبغدادي - المقدم ذكره -: فكنت أقول في نفسي: إن الله عز وجل عاقبه بقوله في قصيدته المقصورة - المقدم ذكرها - حين ذكر الدهر: مارست من لو هوت في الأفلاك من         جوانب الجو عليه ما شكا

وكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه أويسل بالمسال، والداخل بعيد منه، وكان مع هذه الحال ثابت الذهن كامل العقل، يرد فيما يسأل عنه ردا صحيحا؛قال أبو علي: وعاش بعد ذلك عامين، وكنت أسأله عن شكوكي في اللغة وهو بهذه الحال فيرد بأسرع من النفس بالصواب. وقال لي مرة وقد سألته عن بيت شعر: لئن طفئت شحمتا عيني لم تجد من يشفيك من العلم، قال أبو علي: ثم قال لي: يابني، وكذلك قال لي أبو حاتم وقد سألته عن شيء، ثم قال لي أبو حاتم: وكذلك قال لي الأصمعي وقد سألته. وقال أبو علي: وآخر شيء سألته عنه جاوبني أن قال لي: يابني حال الجريض دون القريض، فكان هذا الكلام آخر ماسمعته منه .... 

وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، (وهي السنة التي خلع فيها القاهر بالله  أبو منصور محمد بن المعتضد، وبويع الراضي بالله محمد بن المقتدر). ودفن بالمقبرة المعروفة بالعباسية من الجانب الشرقي في ظهر سوق السلاح بالقرب من الشارع الأعظم. وتوفي في ذلك اليوم أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي المتكلم المعتزلي - المقدم ذكره - فقال الناس: اليوم مات علم اللغة والكلام. ويقال إنه عاش ثلاثا وتسعين سنة لاغير،

وفي تاريخ بغداد عن أبي العلاء أحمد بن عبد العزيز قال كنت في جنازة أبي بكر بن دريد وفيها جحظة فأنشدنا

فقدت بابن دريد كل فائدة                 لما غدا ثالث الأحجار والترب

وكنت أبكي لفقد الجود منفردا         فصرت أبكي لفقد الجود والأدب

وفيه: (كتب إلي أبو ذر الهروي سمعت بن شاهين يقول: كنا ندخل علي بن دريد ونستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب المصفى موضوع وقد كان جاوز التسعين سنة) وفيه: (كان أبوه من الرؤساء وذوي اليسار)

وفيه من كلام ابن دريد يرفع نسبه إلى قحطان وقال بعده يذكر جده حَمَامي(وحمامي هذا أول من أسلم من آبائي وهو من السبعين ركباً الذين خرجوا مع عمرو بن العاص من عمان إلى المدينة لما بلغهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدوه: في هذا يقول قائلهم:

وفينا لعمرو يوم عمرو كأنه         طريد نفته مذحج والسكاسك

وفي ترجمة ابن دريد في نور القبس وهو محمّد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حَنْتم بن حسن بن حماميّ-وهو منسوب إلى قرية من نواحي عمان يقال لها حمامي وقال من قصيدة انتظم في بيتٍ اسم رجلٍ ونسبه :

لَنْعْم فَتى الجُلَّى ومستنبطُ الندى               وملجأُ محرومٍ ومفزعُ لاهثِ

عياذ بن عمرو بن الجليس بن جابر بن زيد بن منظور بن زيد بن وارث.
932م-
321هـ-