غَسلَ البَدرُ بِالضِياءِ الظَلاما
الأبيات 44
غَسـلَ البَـدرُ بِالضـِياءِ الظَلاما وَبَكـى وَالـدُموعُ كـانَت هِيامـا
وَمَشــى النُجــمُ خَلفَـه بِخُشـوعٍ فَكَــأَنَّ النُجـومَ صـارَت يَتـامى
وحشـةُ اللَيـلِ وَالسَكينَةُ وَالصَم تُ وَمــرُّ النَســيمِ كـانَ كلامـا
فَكَــأَنَّ الوُجـودَ أَنطَقَـه الحُـز نُ فَجـــاءَت أَلفـــاظُه آلامــا
وَالفَضا شاخِصٌ إِلى الجَبلِ العال لـي يُنـاجي الربـوعَ وَالآكامـا
فَتُجيـبُ الرُبـوعُ بِالصَمتِ وَالدَم عِ وَلا تنبـسُ الشـفاهُ اِحتِرامـا
فَصــَليبُ الآثـامِ مـا زالَ حَيّـاً وَصــَليبُ الســَلامِ صـارَ رُغامـا
مــا وَراءَ الأَدغـالِ مـرَّ خيـال حَمَّــلَ القَلــبَ أَدمُعـاً وَكَلامـا
كـانَ يَمشـي الطَريـقَ مَهلاً وَلكِن عِنـدَما قـارَبَ الصـَليبَ تَرامـى
هــذِهِ مجدليَّــة الحُـزن جـاءَت تَطــرَحُ الحُـبَّ لِلمَسـيحِ طَعامـا
طالَمـا فـي الحَياةِ غذَّتهُ بِالحُ بِّ وَروَّتــهُ مـن هَواهـا مـداما
إِنَّ لِلمَـــوتِ مُهجَــةً وَفُــؤاداً يَنشـدانِ الحَيـاةَ عامـاً فَعاما
لا تَمـوتُ القُلـوبُ إِن سـَكَبَت في جَوفِهـا أَنمُـلُ السـَماءِ غَرامـا
نَظَــرَت نَظــرَةَ الـوَداعِ إِلَيـهِ فَبَكَــت أَدمُـع الهِيـامِ سـِجاما
وَرَأَت مِـن جَـبينِهِ الجُـرحَ يُدمي وَرَأَت فَــوقَ وُجنَتَيـهِ الحِمامـا
وَرَأَت يـا لِهَـولِ مـا قَـد رَأَتهُ شــَبَحَ الــروحِ دامِعـاً بَسـّاما
شــَبح الحُـبِّ حـامِلاً فـي يَـدَيهِ قَلـبَ حَسـناءَ خافِقـاً مُسـتَهاما
هُــو رَمــز لِقَلـب مَريَـم رَمـز لِغَــرامٍ رَأى الحَيــاةَ ســآما
فَتَـوارى يَنـامُ فـي المَوتِ لكِن قَـد أَعَـدَّ الخُلـودَ فيـهِ مناما
صــَرَخَت مَريــمٌ بِقَلــبٍ جَريــحٍ أَبِظُلــمٍ قَـد نَفَّـذوا الإِعـداما
جِئتَ تـوحي روحَ السـَلامِ إِلَيهِـم مـا لَهُـم عَـزَّزوا بِـكَ الآثامـا
يـا حَبيـبي إِجعَـل جُروحَ فُؤادي أَن تُبَـلّ الـدماءُ مِنهـا أُواما
فَأُرَوّيــكَ مــن دِمــائي بِكَـأسٍ حَملــت فــي شـُعاعِها الأَيّامـا
يـا حَبيـبي مـا لِلزُّهورِ حَزانى مُطبِقـاتٍ عَلـى الجَمالِ الكِماما
وَالغَـديرُ المُنسابُ يَجري رَهيباً مُنشــِداً فـي نحيبِـه الأَنغامـا
مــا لِعَينَــيَّ تَغشـيانِ رُوَيـداً وَرُوَيــداً تُطــارِدانِ الأَنامــا
آه إِنَّ العُيــونَ بِـالحُبِّ تَحيـا فَــإِذا فــورِقَت تَصـيرُ أَيّـامي
ســَأُوافيكَ عَــن قَريــبٍ فَهَيّـء خَيمَـةَ الحُـبِّ بَينَ زَهرِ الخُزامى
فَتعيــد الزُهــورُ ذكـرَ حَيـاةٍ سـنَّ فيهـا لَنـا الغَرامُ نظاما
عِنـدَ هذا رَأس المَسيحِ اِستَقاما فَـإِذا الشَوك قَد تَخَطّى العِظاما
وَالجَـبينُ المشـوكُ ينسـجُ لِلوَج هِ مِـن المَصـلِ وَالـدِماءِ لثاما
وَبِجُنــحِ الــدُجى أَفـاقَ المَـو تِ بَكيّـاً وَالـدَمع كـان هِيامـا
وَلَــدُن أَبصـَر الحَبيبَـةَ تَبكـي أَطبَـقَ الجفنَ في الخُلودِ وَناما
فـي سـَماءِ الخُلـودِ خيمَـةُ زَهرٍ حَيـثُ عيسـى وَمريـمٌ قَـد أَقاما
خيمَــةٌ لِلهَــوى يُبَطِّنُهـا الـحُ بُّ وَيَــأبى وُجودُهـا الإِنصـِراما
نعِـمَ العاشـِقانِ فيهـا طَـويلاً وَتَناســى قَلباهُمــا الأَسـقاما
فَعَـذابُ السـاعاتِ كـانَت خُلوداً أَبــديّاً وَلــم تَكُــن أَحلامــا
وَاِسـتَفاقَ المَسيحُ من سُكرَةِ الحُ بِّ يخـالُ السـَماءَ أَمسـَت ضراما
فَـرَأى الكَـونَ بِاِضـطِرابٍ عَظيـمٍ وَرَأى فــي شــُعوبِهِ الإِجرامــا
سـنَّةُ الظُلـمِ سـار كُـلٌّ عَلَيهـا وَغَــدا العَــدلُ شـِرَّةً وَغُرامـا
وَاِسـتَمَرَّ اللَئيمُ في حوبَةِ اللُؤ مِ فَأَمسـَت كـلُّ الشـُعوب لئامـا
فَــرَّقَ النــاسَ دينُهُـم لا سـَلامٌ يَجعـلُ الـرفَ بَينَهُـم وَالوئاما
فَســَلامُ الوَفــاقِ صـار حُروبـاً وَصــَليبُ الـوِئامِ صـارَ حُسـاما
فَبَكــى اليَــوم لِلسـَّلام وَلكِـن مـا بكـاهُ بِـالأَمسِ كـان خِصاما
الياس أبو شبكة
194 قصيدة
1 ديوان

إلياس أبو شبكة.

مترجم يحسن الفرنسية، كثير النظم بالعربية. لبناني، اشترك في تحرير بعض الجرائد ببيروت. ونقل إلى العربية (تاريخ نابليون - ط)، وقصصاً من مسرحيات (موليير) ونشر مجموعات من نظمه.

1947م-
1366هـ-